
على الضحى، وصل تاجر المحصول، ووصلت وراه “منى” بالموتوسيكل، لابسة نضارة شمس وشايلة شنطة جلد غالية. شفتها وهي بتاخد “رزم الفلوس” من التاجر، وبتحطها في شنطتها بعين جيعانة، وهي بتقول للتاجر:
— “بقولك إيه، لما تسأل الحج إسماعيل، قوله المحصول جاب النص.. مش عايزين وجع دماغ وكلام كتير.”
أبويا قرب منها بكىسرة وهو بيمسح عرقه بكُم الجلابية:
— “يا بنتي.. هاتي بس مية جنيه أجيب دوا المفصلات، الدوا خلص من أسبوع ورجلي مابتشيلنيش.”
ردت عليه بقلب حجر:
— “يوووه يا حج! هو مفيش غير سيرة الدوا؟ اتحرك شوية ورجلك هتفك، الفلوس دي يدوب تكفي الجمعية اللي عليا وتمن طقم الدهب الجديد.”
## ليلة “المحاكمة” أمام أهل الكفر
رجعت البيت، واتصلت بالمحامي بتاعي في القاهرة.. جهزت كل الأوراق، وصور، وتسجيلات الصوت.. كنت برتب لـ “مذبحة” قانونية وإنسانية.
-
بأسم صديقتيمنذ 5 ساعات
-
السر المرعبمنذ 5 ساعات
-
العلامة اللي كابتن حسام عملهامنذ 8 ساعات
بالليل، فوزية ومنى عملوا “عزومة” كبيرة في البيت، عزموا الحبايب والجيران عشان يتباهوا بـ “العز” اللي هما فيه. البيت كان مليان ناس، والأكل والضحك مالي المكان.. وأبويا وأمي شغالين “خدوم” بيقدموا المشروبات ويمسحوا اللي يقع.
نزلت من فوق، بس المرة دي لابسة طقىم رسمي، وراسمة على وشي هيبة تقطع النفس. مشيت وسط الناس، وشفت فوزية بتزعق في أبويا عشان وقىع نقطة عصير على الأرض:
— “إيه يا راجل أنت! ما تركز، فضىىحتنا قدام الناس!”
هنا، وقفت الزمن..
— “استني عندك يا فوزية!”
الصوت كان زي الطىلقة. الكل سكت.
رحت لأبويا، خدت منه الصينية وحطيتها على جنبة، ومسكت إيد أمي ورفعتها قدام الكل:
— “بصوا يا ناس.. بصوا على الإيد اللي شقيت وربت، الإيد اللي علمتني وبنت البيت ده.. يرضي ربنا الإيد دي تغسل غسيل “البرانية” في البيت اللي بنته بفلوس غربتي؟”
بدأت الحقيقة تظهر زي الشمس. رفعت كم جلابية أبويا ووريتهم “الزرقان” اللي في دراعه من كتر الشيل والحط والإهانة.. متوفرة علي روايات و اقتباسات “واللي بتزعق فيه ده، هو صاحب البيت.. والست اللي قاعدة زي الهانم دي، هي اللي واكلة ماله ومال دواوه!” منى صرخت:
— “انتي اتجننتي يا نورا؟ ده بيت جوزي وبيت أمي!”
طلعت الورق، وضربته على السفرة:
— “البيت ده باسمي.. والأرض باسمي.. والفلوس اللي اتنهبت دي أنا مصوراكي وانتي بتاخديها من التاجر يا حرامية! فتحي ملوش هنا “قشة”، والورق اللي مضيتيه عليه ده بليّه واشربي مىيته، لأن مفيش حد بيورث وهو حي، ولا بيبيع اللي مملكوش!”
## الطىرد.. والرجوع للحق
فوزية ومنى بقوا زي الفراخ المبلولة وسط نظرات الاحىتقار من أهل البلد. فتحي أخويا، لما شافني قوية وشاف وجع أهله عياناً بياناً، “الراجل” اللي جواه فاق.. قام وقف ونفض التراب من عليه وبص لمراته وقال الكلمة اللي كانت لازم تتقال من زمان:
— “انتي “طالق” يا منى.. وخذي أمك واطلعي برا بيتي، وبرا حياتي.. الأرض دي طاهرة مابيمشيش عليها اللي بيظلم أهله.”
رميت لها شنطتها في الطين، وطردتهم قدام الكل بجلابيبهم اللي كانوا فاكرينها هتداري وسخ قلوبهم.
## النهاية: رائحة الأرض الطيبة
عدت سنة..
الآن، أنا قاعدة في “المصطبة” مع أبويا وأمي. أبويا لابس جلابية بيضاء مكوية، وقاعد بيشرب شاي ومنور زي البدر. أمي قاعدة بتسقي الزرع وهي بتدندن، وضهرها ارتاح، وإيدها رجعت ناعمة وريحتها حنة. بقلم منــي الـسـيد
فتحي بقى هو اللي شايل الأرض، بيعوضهم عن كل يوم غاب فيه عقله. والبيت رجع له روحه.. مابقاش حيطان وسقف، بقى “حىضن” دافي.
أما منى وأمها، فسمعنا إنهم بقوا “خدامين” عند اللي يسوى واللي ميسواش في البندر، والفلوس اللي سىرقوها طارت في المحاكم والمصاريف.. “كما تدين تدان”، والبيت اللي يتبني على دمعة أب وأم، لازم يتهد على دماغ اللي بناه.
**تمت. **
بقلم منــي الـسـيد








