
السنة اللي عمي اتجنن فيها، جدي ربطه بسلسلة حديد وقفل عليه في الزريبة جنب البهايم مكنش فيه حد بيحن عليه غيري،وفي مره سرقت له قرصة فلاحي وادتهاله اكلها واستنيت لما الكل نام، وأخدت قالب طوب وكسرت القفل وعمي خرج يجري حافي . واللي حصل بعدها ميخطرش على بال بشر !!!!!!
السنة اللي تميت فيها 12 سنه، كانت عزبة الجميزة غرقانة في مطر مبيخلصش. عمي الصغير، يونس، كان مربوط هناك. بسلسلة حديد تقيلة كابسة على رجله، والطرف التاني ملفوف حوالين جذع شجرة الجميزة اللي جنب الزريبة، ومقفول بقفل قد كفة الإيد.
-
بأسم صديقتيمنذ 3 ساعات
-
السر المرعبمنذ 3 ساعات
-
العلامة اللي كابتن حسام عملهامنذ 6 ساعات
الجد رضوان قالها كلمة واحدة وقطع الواد ده عيان. وطالما عيان، يبقى ميعتبش عتبة البيت، مش ناقصين مصايب.
ابويا عبد العزيز كان كلامه ألعن وأقسى، مكنش معترف أصلاً إن عمي عيان، في نظره يونس كان بيستهبل.
كل يوم، أي حد يعدي من قدام البوابة يبص على الزريبة؛ اللي يسد مناخيره، واللي يضحك بسخرية، واللي يتف على الأرض ويقول هو مجنون عيلة الشناوي ده لسه مماتش؟
عمي يونس كان بيسمع الكلام ده كله كلمة كلمة، بس عمره ما رد. كان بيقعد كاشش في نفسه تحت شجرة الجميزة، شعره منكوش وهدومه مقطعة ومتبهدلة طين. ساعات يرفع راسه ويبص للسما بالساعات، وساعات تانية يفضل باصص لرجله المربوطة. ومكنش بيرفع عينه ويبص لحد إلا لما يسمع صوتي وأنا بندهه. عينيه كانت سودة وواسعة، ومكنش فيها أي حاجة تخوف زي ما الناس كانت بتقول.
أول مرة سرقت له لقمة، كانت لما ستي جبرتني أروح أرمي العلف للبهائم. لقيت في المطبخ نص قرصة ناشفة فضلات، خبيتها تحت هدومي وجريت بسرعة على الزريبة. الريحة هناك كانت تقرف وتجيب الغثيان، حطيت اللقمة جنب رجله وقلت بصوت واطي كل يا عمي يونس.
فضل ثابت مكانه مبيتحركش، افتكرته مسمعنيش. ولسه بلف ضهري عشان أجري، لقيت إيد خفت اللقمة بسرعة؛ إيد ناشفة وضوافرها مليانة طين. قسم القرصة نصين، حط نص في بقه، ومد إيده بالنص التاني ليا.
هزيت راسي وقلتله لأ، قالي بصوت مبحوح كل يا أحمد.
دي كانت أول مرة أسمعه بيتكلم. وقفت مذهول، وعيني دمعت أنا مش جعان يا عمي.
بصلي كتير.. وابتسم. ابتسامة خفيفة وسريعة قوي، كأنه خايف حد يشوفه وهو بيضحك. من اليوم ده، بقيت أروح له كل يوم مستخبي؛ مرة نص قرصة، مرة حتة بطاطا مشوية، ومرة شوية شوربة كانت أمي أمينة بتهربهم لي من ورا أبويا. أمي كانت غلبانة وبتخاف من خيالها، كانت بتقف ورا باب المطبخ تترقب الطريق، وقبل ما أمشي تقولي يا أحمد، إوعى أبوك يحس بحاجة.
كنت بهز راسي وخلاص، مكنتش فاهم وقتها.. واحد جعان وبنديله لقمة، إيه اللي يخوف في كده؟
لحد ما جه يوم، أبويا رجع من الغيط بدري وشافني وأنا قاعد جنب الزريبة. وقبل ما أستوعب، لقيت إيده بتشدني من قفايا بعنف، والقرصة وقعت في الطين. وش أبويا كان قالب ومسود من الغضب مين اللي قالك تديله طفح؟.
عمي جعان يا بويا.
مكملتش الكلمة ولقيت قلم نزل على وشي، عيني زغللت وودني صفرت. عمي يونس قام وقف فجأة، وصوت السلاسل الحديد قعد يخرخش ويرن. أبويا مسك الشومة ووجهها ناحيته إنت كمان هتحلو؟ عايز تتحرك؟.
عمي ثبت في مكانه، وإيده اتقفلت وبقت زي الحجرة، وبعدين رخاها بالراحة. أبويا لف وضربني قلم تاني احفظ الكلام ده كويس، ده مش عمك، ده مصيبة ونازلة على راسنا.
حطيت إيدي على وشي وبكيت، وبصيت للقمة اللي اتمرمغت في الطين. عمي يونس هو كمان فضل باصص لها. بعد ما أبويا مشي، وطي على الأرض وشالها، وبكم جلابيته قعد يمسح الطين عنها حتة حتة.. وأكلها كلها.
ليلتها، دخلت تحت اللحاف وقعدت أعيط بحرقة. أمي قعدت جنبي وهي بترتعش وبتدهن لي وشي بالمرهم، سألتها بصوت واطي هو عمي يونس كان كده من زمان يا أمي؟.
أمي سكتت كتير، وفي الآخر قالتلي بهمس
يا ابني.. عمك يونس ده كان أشطر واحد في مدارس البلد كلها.. ودخل الجامعة في بندر مصر.
اتصدمت.. أمي حطت إيدها على بوقي بسرعة في نفس اللحظة اللي سمعنا فيها صوت خطوات أبويا برة. وش أمي اتقلب أصفر زي الليمونة، طفت لمبة الجاز وقربت من ودني السيرة دي متجيش على لسانك تاني أبدًا.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت خروشة السلاسل تاني عند الزريبة. خبطة.. وراها خبطة، كأن فيه حد بيخبط على الباب في نص الليل.
بصيت من خرم الشباك؛ نور القمر كان نازل على شجرة الجميزة، وعمي يونس كان موطي، وبيبحت بأصباعه في الطين وبيكتب كلام. مكنتش عارف هو بيكتب إيه.. بس شفت أبويا واقف الناحية التانية من الزريبة، ماسك عصايه في إيده، وعينيه كلها غل وشر وهو باصص على إيد عمي وهي بتكتب وقال له بتريقه..
بتكتبها تاني برضه؟
وضحك بشر ومسح اللي اتكتب برجله..
هتفضل هنا لحد ما تموت …والي بتكتبه ده مش هيفدك ولا حد هيقراه اصلا
وضربه بالعصايه جامد
عمي نزلت دموعه وبص على ابويا وهو بيمشي
وقتها خرجت بسرعه واتسحبت من غير ما حد يشوفني ورجعت عند عمي تاني
اول ما شافني اتفاجأ وبقى يبصلي بقلق
ابتسمت ومسكت قالب وبقيت اضرب القفل لحد ما اتكسر واول ما السلسله اتفكت عمي جري حافي والي حصل وقتها مكانش حد يتخيله وصدمنا كلنا
—
!!!!!!!
أول ما السلسلة اتمزعت والكلون الحديد وقع في الطين، عمي يونس مفيضش ثانية واحدة. بصلي بصه عمرها ما هتمشي من بالي؛ عيون واسعة مليانة بريق غريب، مش بريق جنان، لأ.. ده كان بريق واحد بقاله سنين مستني اللحظة دي. ملقطش نفسه، ولا قالي شكراً، لف ضهره وجري وسط المطر مكنش بيجري زي المجانين اللي بيطوحوا إيديهم، ده كان بيجري بخطوات واسعة وموزونة وسط الوحل، كأنه مكنش مربوط بقاله سنين!
وقفت مكاني مذهول، قالب الطوب في إيدي غرقان طين، والمطر نازل يغسل وشي ويداري دموعي. السلسلة كانت مرمية على الأرض زي الحنش الميت. رجعت لوعيي فجأة لما سمعت كحة أبويا جوه البيت. جسمي اتنفض من الرعب، رميت قالب الطوب في المصرف اللي ورا الزريبة، واتسحبت على طراطيف صوابعي لحد ما دخلت تحت لحافي.
ليلتها منمتش.. كنت سامع صوت المطر وهو بيخبط على السقف الصاج، وكل خبطة كانت بتنزِل في قلبي زي الخنجر. كنت بسأل نفسي أنا عملت إيه؟ يا ترى عمي هيموت في السقعة دي؟ ولا أبويا هيعرف إني أنا اللي فكيته ويدبحني؟
الصباحية السودا.. واكتشاف الكارثة
مع أول ضوء لفجر يوم جديد، المطر خف وبقى ديم خفيف. قمت من سريري على صوت صريخ عالي وزعيق قالب العزبة. طلعت جري على الحوش، لقيت أبويا عبد العزيز واير في وسط الزريبة زي الطور الهايج، ماسك السلسلة المكسورة في إيده وبيخبط بيها على الأرض وهو بيصرخ
هرب.. المجنون هرب! مين اللي فكه؟ مين ابن الدزمة اللي عمل كده؟
جدي رضوان خرج من أوضته ساند على عصايته، وشه كان أبيض زي القماشة البيضا، وعينيه كانت زايفة من الخوف.. آه، الخوف! دي كانت أول مرة في حياتي أشوف جدي رضوان خايف. جدي اللي البلد كلها بتعمله ألف حساب، كان بيرتعش وهو بيبص للسلسلة المكسورة.
أبويا شافني واقف مرعوب، هجم عليا ومسكتي من طوق الجلابية لدرجة إن نفسي اتقطع
إنت اللي فكيته يا أحمد؟ إنت كنت عنده بالليل!
إنت اللي فكيته يا أحمد؟ إنت كنت عنده بالليل!
أمي جريت وترمت على إيد أبويا وتبوسها بتبوس إيدك يا عبد العزيز، الواد عيل وميعرفش حاجة، ده كان نايم في حضني طول الليل من الرعب!
أبويا زقها وقعها على الأرض، وبص لجدي وقال بصوت مخنوق لو الواد ده وصل للبندر يا بوي.. إحنا هنروح ورا الشمس. إنت عارف يونس معاه إيه.. وعارف لو اتكلم هيحصل فينا إيه!
هنا جدي رضوان ضرب الأرض بعصايته وقال بحسم مرعب اقفل خشمك يا عبد العزيز! لم رجالة العزبة.. هاتو الشوم والأسلحة، وتلفوا العزبة شبر شبر. يونس حافي وفي المطر مش هيعرف يسبقكم، هجيبوه.. حي أو ميت!
رحلة البحث.. وسر الجميزة الملعونة
العزبة كلها اتقلبت. رجالة عيلة الشناوي والغلابة اللي شغالين عندهم في الأرض انتشروا في كل مكان. فضلوا يدوروا في الترع، وتحت الجسور، وفي الغيطان الوسطانية. وأنا كنت قاعد على عتبة البيت، حاطط راسي بين ركبي وبدعي ربنا يحمي عمي يونس.
على الضهر، الرجالة رجعت واليأس ماليهم. مفيش أثر ليونس. كأن الأرض انشقت وبلعته.
أبويا كان قاعد على المصطبة بيطحن في سنانه، وجدي رضوان دخل المندرة وقفل على نفسه.
استغليت انشغالهم، واتسحبت لورا الزريبة، عند المكان اللي عمي يونس كان بيكتب فيه في الطين قبل ما أبويا يضربه. المطر كان مسح الكلام، بس الأرض كانت محفورة شوية. قعدت على ركبي وبقيت أحفر بضوافري في الطين في نفس المكان اللي عمي كان بيبحت فيه.
فجأة، ضوافري خبطت في حاجة ناشفة.. مش حجر.. ده كان خشب!
فضلت أحفر بسرعة وضربات قلبي بتزيد، لحد ما ظهرت لي حافة صندوق خشب صغير قد علبة السيجار، مدفون بعمق تحت جدر شجرة الجميزة. طلَّعت الصندوق ونفضت عنه الطين، وبصيت حواليا برعب خايف حد يشوفني. خبيته في عب جلابيتي وجريت على الأوضة الفوقانية اللي فوق السطوح.
فتحت الصندوق.. والي شفته جوه خلاني أتنفس بصعوبة.
مكنش فيه فلوس ولا دهب.. كان فيه
كشكول قديم مكتوب بخط إيد صغير ومنظم جداً، كله أرقام ومعادلات ورسومات هندسية.
ورقة رسمية عليها ختم النسر، مكتوب فيها جامعة القاهرة كلية الهندسة شهادة تخرج الطالب يونس رضوان الشناوي بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف.
عقد ملكية أرض قديم جداً، بس الاسم اللي فيه مكنش اسم جدي رضوان.. كان اسم الشيخ كامل، وده كان راجل طيب من أصحاب الأرض الأصليين في العزبة، واختفى من عشر سنين والناس قالت إنه سافر ومات بره!
وفجأة، لقيت ورقة مطوية مكتوبة بخط عمي يونس، ومكتوب في أولها إلى من يجد هذا بعد موتي أو خلاصي.
قريت السطور وأنا جسمي كله بيلتفت من الصدمة
أنا مش مجنون. أبويا وأخويا عبد العزيز هما اللي جننوني قدام الناس عشان يداروا جريمتهم. لما رجعت من مصر بعد التخرج، اكتشفت إنهم زوروا عقود أرض الشيخ كامل بعد ما قتلوه ودفنوه تحت زريبة البهائم.. بالظبط تحت شجرة الجميزة. لما واجهتهم، جدي سممني بمادة بتغيب الوعي، وأخويا ربطني هنا، وكل ما كنت ببدأ أفوق، كانوا بيدوني جرعة تانية عشان أفضل أهذي قدام أهل البلد.. اكتب يا يونس، سيب دليل، لو مت.. الأرض مش هتاكل حق الدم.
دموعي نزلت على الورقة.. عمي يونس، العبقري، المهندس، مربوط جنب البهائم عشان ميتكلمش! وأبويا وجدي.. قتالين قتلا!
اللحظة الفاصلة.. صدمة لم تخطر على
—
بال بشر!
قبل ما أستوعب اللي قريته، سمعت صوت جلبة بره البيت، بس المرة دي مكنتش صوت رجالة العزبة. ده كان
السنة اللي عمي اتجنن فيها، جدي ربطه بسلسلة حديد وقفل عليه في الزريبة جنب البهايم مكنش فيه حد بيحن عليه غيري،وفي مره سرقت له قرصة فلاحي وادتهاله اكلها واستنيت لما الكل نام، وأخدت قالب طوب وكسرت القفل وعمي خرج يجري حافي . واللي حصل بعدها ميخطرش على بال بشر !!!!!! السنة اللي تميت فيها 12 سنه، كانت عزبة الجميزة غرقانة في مطر مبيخلصش. عمي الصغير، يونس، كان مربوط هناك. بسلسلة حديد تقيلة كابسة على رجله، والطرف التاني ملفوف حوالين جذع شجرة الجميزة اللي جنب الزريبة، ومقفول بقفل قد كفة الإيد. الجد رضوان قالها كلمة واحدة وقطع الواد ده عيان. وطالما عيان، يبقى ميعتبش عتبة البيت، مش ناقصين مصايب. ابويا عبد العزيز كان كلامه ألعن وأقسى، مكنش معترف أصلاً إن عمي عيان، في نظره يونس كان بيستهبل. كل يوم، أي حد يعدي من قدام البوابة يبص على الزريبة؛ اللي يسد مناخيره، واللي يضحك بسخرية، واللي يتف على الأرض ويقول هو مجنون عيلة الشناوي ده لسه مماتش؟ عمي يونس كان بيسمع الكلام ده كله كلمة كلمة، بس عمره ما رد. كان بيقعد كاشش في نفسه تحت شجرة الجميزة، شعره منكوش وهدومه مقطعة ومتبهدلة طين. ساعات يرفع راسه ويبص للسما بالساعات، وساعات تانية يفضل باصص لرجله المربوطة. ومكنش بيرفع عينه ويبص لحد إلا لما يسمع صوتي وأنا بندهه. عينيه كانت سودة وواسعة، ومكنش فيها أي حاجة تخوف زي ما الناس كانت بتقول. أول مرة سرقت له لقمة، كانت لما ستي جبرتني أروح أرمي العلف للبهائم. لقيت في المطبخ نص قرصة ناشفة فضلات، خبيتها تحت هدومي وجريت بسرعة على الزريبة. الريحة هناك كانت تقرف وتجيب الغثيان، حطيت اللقمة جنب رجله وقلت بصوت واطي كل يا عمي يونس. فضل ثابت مكانه مبيتحركش، افتكرته مسمعنيش. ولسه بلف ضهري عشان أجري، لقيت إيد خفت اللقمة بسرعة؛ إيد ناشفة وضوافرها مليانة طين. قسم القرصة نصين، حط نص في بقه، ومد إيده بالنص التاني ليا. هزيت راسي وقلتله لأ، قالي بصوت مبحوح كل يا أحمد. دي كانت أول مرة أسمعه بيتكلم. وقفت مذهول، وعيني دمعت أنا مش جعان يا عمي. بصلي كتير.. وابتسم. ابتسامة خفيفة وسريعة قوي، كأنه خايف حد يشوفه وهو بيضحك. من اليوم ده، بقيت أروح له كل يوم مستخبي؛ مرة نص قرصة، مرة حتة بطاطا مشوية، ومرة شوية شوربة كانت أمي أمينة بتهربهم لي من ورا أبويا. أمي كانت غلبانة وبتخاف من خيالها، كانت بتقف ورا باب المطبخ تترقب الطريق، وقبل ما أمشي تقولي يا أحمد، إوعى أبوك يحس بحاجة. كنت بهز راسي وخلاص، مكنتش فاهم وقتها.. واحد جعان وبنديله لقمة، إيه اللي يخوف في كده؟ لحد ما جه يوم، أبويا رجع من الغيط بدري وشافني وأنا قاعد جنب الزريبة. وقبل ما أستوعب، لقيت إيده بتشدني من قفايا بعنف، والقرصة وقعت في الطين. وش أبويا كان قالب ومسود من الغضب مين اللي قالك تديله طفح؟. عمي جعان يا بويا. مكملتش الكلمة ولقيت قلم نزل على وشي، عيني زغللت وودني صفرت. عمي يونس قام وقف فجأة، وصوت السلاسل الحديد قعد يخرخش ويرن. أبويا مسك الشومة ووجهها ناحيته إنت كمان هتحلو؟ عايز تتحرك؟. عمي ثبت في مكانه، وإيده اتقفلت وبقت زي الحجرة، وبعدين رخاها بالراحة. أبويا لف وضربني قلم تاني احفظ الكلام ده كويس، ده مش عمك، ده مصيبة ونازلة على راسنا. حطيت إيدي على وشي وبكيت، وبصيت للقمة اللي اتمرمغت في الطين. عمي يونس هو كمان فضل باصص لها. بعد ما أبويا مشي، وطي على الأرض وشالها، وبكم جلابيته قعد يمسح الطين عنها حتة حتة.. وأكلها كلها. ليلتها، دخلت تحت اللحاف وقعدت أعيط بحرقة. أمي قعدت جنبي وهي بترتعش وبتدهن لي وشي بالمرهم، سألتها بصوت واطي هو عمي يونس كان كده من زمان يا أمي؟. أمي سكتت كتير، وفي الآخر قالتلي بهمس يا ابني.. عمك يونس ده كان أشطر واحد في مدارس البلد كلها.. ودخل الجامعة في بندر مصر. اتصدمت.. أمي حطت إيدها على بوقي بسرعة في نفس اللحظة اللي سمعنا فيها صوت خطوات أبويا برة. وش أمي اتقلب أصفر زي الليمونة، طفت لمبة الجاز وقربت من ودني السيرة دي متجيش على لسانك تاني أبدًا. وفي اللحظة دي، سمعنا صوت خروشة السلاسل تاني عند الزريبة. خبطة.. وراها خبطة، كأن فيه حد بيخبط على الباب في نص الليل. بصيت من خرم الشباك؛ نور القمر كان نازل على شجرة الجميزة، وعمي يونس كان موطي، وبيبحت بأصباعه في الطين وبيكتب كلام. مكنتش عارف هو بيكتب إيه.. بس شفت أبويا واقف الناحية التانية من الزريبة، ماسك عصايه في إيده، وعينيه كلها غل وشر وهو باصص على إيد عمي وهي بتكتب وقال له بتريقه.. بتكتبها تاني برضه؟ وضحك بشر ومسح اللي اتكتب برجله.. هتفضل هنا لحد ما تموت …والي بتكتبه ده مش هيفدك ولا حد هيقراه اصلا وضربه بالعصايه جامد عمي نزلت دموعه وبص
على ابويا وهو بيمشي وقتها خرجت بسرعه واتسحبت من غير ما حد يشوفني ورجعت عند عمي تاني اول ما شافني اتفاجأ وبقى يبصلي بقلق ابتسمت ومسكت قالب وبقيت اضرب القفل لحد ما اتكسر واول ما السلسله اتفكت عمي جري حافي والي حصل وقتها مكانش حد يتخيله وصدمنا كلنا !!!!!!! زهرة_الربيع القصه مدهشه للمتابعه سيب لايك
وكمنت بتم وهيوصلك اشعار
السنة اللي عمي اتجنن فيها، جدي ربطه بسلسلة حديد وقفل عليه في الزريبة جنب البهايم مكنش فيه حد بيحن عليه غيري،وفي مره سرقت له قرصة فلاحي وادتهاله اكلها واستنيت لما الكل نام، وأخدت قالب طوب وكسرت القفل وعمي خرج يجري حافي . واللي حصل بعدها ميخطرش على بال بشر !!!!!!
السنة اللي تميت فيها 12 سنه، كانت عزبة الجميزة غرقانة في مطر مبيخلصش. عمي الصغير، يونس، كان مربوط هناك. بسلسلة حديد تقيلة كابسة على رجله، والطرف التاني ملفوف حوالين جذع شجرة الجميزة اللي جنب الزريبة، ومقفول بقفل قد كفة الإيد.
الجد رضوان قالها كلمة واحدة وقطع الواد ده عيان. وطالما عيان، يبقى ميعتبش عتبة البيت، مش ناقصين مصايب.
ابويا عبد العزيز كان كلامه ألعن وأقسى، مكنش معترف أصلاً إن عمي عيان، في نظره يونس كان بيستهبل.
كل يوم، أي حد يعدي من قدام البوابة يبص على الزريبة؛ اللي يسد مناخيره، واللي يضحك بسخرية، واللي يتف على الأرض ويقول هو مجنون عيلة الشناوي ده لسه مماتش؟
عمي يونس كان بيسمع الكلام ده كله كلمة كلمة، بس عمره ما رد. كان بيقعد كاشش في نفسه تحت شجرة الجميزة، شعره منكوش وهدومه مقطعة ومتبهدلة طين. ساعات يرفع راسه ويبص للسما بالساعات، وساعات تانية يفضل باصص لرجله المربوطة. ومكنش بيرفع عينه ويبص لحد إلا لما يسمع صوتي وأنا بندهه. عينيه كانت سودة وواسعة، ومكنش فيها أي حاجة تخوف زي ما الناس كانت بتقول.
أول مرة سرقت له لقمة، كانت لما ستي جبرتني أروح أرمي العلف للبهائم. لقيت في المطبخ نص قرصة ناشفة فضلات، خبيتها تحت هدومي وجريت بسرعة على الزريبة. الريحة هناك كانت تقرف وتجيب الغثيان، حطيت اللقمة جنب رجله وقلت بصوت واطي كل يا عمي يونس.
فضل ثابت مكانه مبيتحركش، افتكرته مسمعنيش. ولسه بلف ضهري عشان أجري، لقيت إيد خفت اللقمة بسرعة؛ إيد ناشفة وضوافرها مليانة طين. قسم القرصة نصين، حط نص في بقه، ومد إيده بالنص التاني ليا.
هزيت راسي وقلتله لأ، قالي بصوت مبحوح كل يا أحمد.
دي كانت أول مرة أسمعه بيتكلم. وقفت مذهول، وعيني دمعت أنا مش جعان يا عمي.
بصلي كتير.. وابتسم. ابتسامة خفيفة وسريعة قوي، كأنه خايف حد يشوفه وهو بيضحك. من اليوم ده، بقيت أروح له كل يوم مستخبي؛ مرة نص قرصة، مرة حتة بطاطا مشوية، ومرة شوية شوربة كانت أمي أمينة بتهربهم لي من ورا أبويا. أمي كانت غلبانة وبتخاف من خيالها، كانت بتقف ورا باب المطبخ تترقب الطريق، وقبل ما أمشي تقولي يا أحمد، إوعى أبوك يحس بحاجة.
كنت بهز راسي وخلاص، مكنتش فاهم وقتها.. واحد جعان وبنديله لقمة، إيه اللي يخوف في كده؟
لحد ما جه يوم، أبويا رجع من الغيط بدري وشافني وأنا قاعد جنب الزريبة. وقبل ما أستوعب، لقيت إيده بتشدني من قفايا بعنف، والقرصة وقعت في الطين. وش أبويا كان قالب ومسود من الغضب مين اللي قالك تديله طفح؟.
عمي جعان يا بويا.
مكملتش الكلمة ولقيت قلم نزل على وشي، عيني زغللت وودني صفرت. عمي يونس قام وقف فجأة، وصوت السلاسل الحديد قعد يخرخش ويرن. أبويا مسك الشومة ووجهها ناحيته إنت كمان هتحلو؟ عايز تتحرك؟.
عمي ثبت في مكانه، وإيده اتقفلت وبقت زي الحجرة، وبعدين رخاها بالراحة. أبويا لف وضربني قلم تاني احفظ الكلام ده كويس، ده مش عمك، ده مصيبة ونازلة على راسنا.
حطيت إيدي على وشي وبكيت، وبصيت للقمة اللي اتمرمغت في الطين. عمي يونس هو كمان فضل باصص لها. بعد ما أبويا مشي، وطي على الأرض وشالها، وبكم جلابيته قعد يمسح الطين عنها حتة حتة.. وأكلها كلها.
ليلتها، دخلت تحت اللحاف وقعدت أعيط بحرقة. أمي قعدت جنبي وهي بترتعش وبتدهن لي وشي بالمرهم، سألتها بصوت واطي هو عمي يونس كان كده من زمان يا أمي؟.
أمي سكتت كتير، وفي الآخر قالتلي بهمس
يا ابني.. عمك يونس ده كان أشطر واحد في مدارس البلد كلها.. ودخل الجامعة في بندر مصر.
اتصدمت.. أمي حطت إيدها على بوقي بسرعة في نفس اللحظة اللي سمعنا فيها صوت خطوات أبويا برة. وش أمي اتقلب أصفر زي الليمونة، طفت لمبة الجاز وقربت من ودني السيرة دي متجيش على لسانك تاني أبدًا.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت خروشة السلاسل تاني عند الزريبة. خبطة.. وراها خبطة، كأن فيه حد بيخبط على الباب في نص الليل.
بصيت من خرم الشباك؛ نور القمر كان نازل على شجرة الجميزة، وعمي يونس كان موطي، وبيبحت بأصباعه في الطين وبيكتب كلام. مكنتش عارف هو بيكتب إيه.. بس شفت أبويا واقف الناحية التانية من الزريبة، ماسك عصايه في إيده، وعينيه كلها غل وشر وهو باصص على إيد عمي وهي بتكتب وقال له بتريقه..
بتكتبها تاني برضه؟
وضحك بشر ومسح اللي اتكتب برجله..
هتفضل هنا لحد ما تموت …والي بتكتبه ده مش هيفدك ولا حد هيقراه اصلا
وضربه بالعصايه جامد
عمي نزلت دموعه وبص على ابويا وهو بيمشي
وقتها خرجت بسرعه واتسحبت من غير ما حد يشوفني ورجعت عند عمي تاني
اول ما شافني اتفاجأ وبقى يبصلي بقلق
ابتسمت ومسكت قالب وبقيت اضرب القفل لحد ما اتكسر واول ما السلسله اتفكت عمي جري حافي والي حصل وقتها مكانش حد يتخيله وصدمنا كلنا
—
!!!!!!!
أول ما السلسلة اتمزعت والكلون الحديد وقع في الطين، عمي يونس مفيضش ثانية واحدة. بصلي بصه عمرها ما هتمشي من بالي؛ عيون واسعة مليانة بريق غريب، مش بريق جنان، لأ.. ده كان بريق واحد بقاله سنين مستني اللحظة دي. ملقطش نفسه، ولا قالي شكراً، لف ضهره وجري وسط المطر مكنش بيجري زي المجانين اللي بيطوحوا إيديهم، ده كان بيجري بخطوات واسعة وموزونة وسط الوحل، كأنه مكنش مربوط بقاله سنين!
وقفت مكاني مذهول، قالب الطوب في إيدي غرقان طين، والمطر نازل يغسل وشي ويداري دموعي. السلسلة كانت مرمية على الأرض زي الحنش الميت. رجعت لوعيي فجأة لما سمعت كحة أبويا جوه البيت. جسمي اتنفض من الرعب، رميت قالب الطوب في المصرف اللي ورا الزريبة، واتسحبت على طراطيف صوابعي لحد ما دخلت تحت لحافي.
ليلتها منمتش.. كنت سامع صوت المطر وهو بيخبط على السقف الصاج، وكل خبطة كانت بتنزِل في قلبي زي الخنجر. كنت بسأل نفسي أنا عملت إيه؟ يا ترى عمي هيموت في السقعة دي؟ ولا أبويا هيعرف إني أنا اللي فكيته ويدبحني؟
الصباحية السودا.. واكتشاف الكارثة
مع أول ضوء لفجر يوم جديد، المطر خف وبقى ديم خفيف. قمت من سريري على صوت صريخ عالي وزعيق قالب العزبة. طلعت جري على الحوش، لقيت أبويا عبد العزيز واير في وسط الزريبة زي الطور الهايج، ماسك السلسلة المكسورة في إيده وبيخبط بيها على الأرض وهو بيصرخ
هرب.. المجنون هرب! مين اللي فكه؟ مين ابن الدزمة اللي عمل كده؟
جدي رضوان خرج من أوضته ساند على عصايته، وشه كان أبيض زي القماشة البيضا، وعينيه كانت زايفة من الخوف.. آه، الخوف! دي كانت أول مرة في حياتي أشوف جدي رضوان خايف. جدي اللي البلد كلها بتعمله ألف حساب، كان بيرتعش وهو بيبص للسلسلة المكسورة.
أبويا شافني واقف مرعوب، هجم عليا ومسكتي من طوق الجلابية لدرجة إن نفسي اتقطع
إنت اللي فكيته يا أحمد؟ إنت كنت عنده بالليل!
إنت اللي فكيته يا أحمد؟ إنت كنت عنده بالليل!
أمي جريت وترمت على إيد أبويا وتبوسها بتبوس إيدك يا عبد العزيز، الواد عيل وميعرفش حاجة، ده كان نايم في حضني طول الليل من الرعب!
أبويا زقها وقعها على الأرض، وبص لجدي وقال بصوت مخنوق لو الواد ده وصل للبندر يا بوي.. إحنا هنروح ورا الشمس. إنت عارف يونس معاه إيه.. وعارف لو اتكلم هيحصل فينا إيه!
هنا جدي رضوان ضرب الأرض بعصايته وقال بحسم مرعب اقفل خشمك يا عبد العزيز! لم رجالة العزبة.. هاتو الشوم والأسلحة، وتلفوا العزبة شبر شبر. يونس حافي وفي المطر مش هيعرف يسبقكم، هجيبوه.. حي أو ميت!
رحلة البحث.. وسر الجميزة الملعونة
العزبة كلها اتقلبت. رجالة عيلة الشناوي والغلابة اللي شغالين عندهم في الأرض انتشروا في كل مكان. فضلوا يدوروا في الترع، وتحت الجسور، وفي الغيطان الوسطانية. وأنا كنت قاعد على عتبة البيت، حاطط راسي بين ركبي وبدعي ربنا يحمي عمي يونس.
على الضهر، الرجالة رجعت واليأس ماليهم. مفيش أثر ليونس. كأن الأرض انشقت وبلعته.
أبويا كان قاعد على المصطبة بيطحن في سنانه، وجدي رضوان دخل المندرة وقفل على نفسه.
استغليت انشغالهم، واتسحبت لورا الزريبة، عند المكان اللي عمي يونس كان بيكتب فيه في الطين قبل ما أبويا يضربه. المطر كان مسح الكلام، بس الأرض كانت محفورة شوية. قعدت على ركبي وبقيت أحفر بضوافري في الطين في نفس المكان اللي عمي كان بيبحت فيه.
فجأة، ضوافري خبطت في حاجة ناشفة.. مش حجر.. ده كان خشب!
فضلت أحفر بسرعة وضربات قلبي بتزيد، لحد ما ظهرت لي حافة صندوق خشب صغير قد علبة السيجار، مدفون بعمق تحت جدر شجرة الجميزة. طلَّعت الصندوق ونفضت عنه الطين، وبصيت حواليا برعب خايف حد يشوفني. خبيته في عب جلابيتي وجريت على الأوضة الفوقانية اللي فوق السطوح.
فتحت الصندوق.. والي شفته جوه خلاني أتنفس بصعوبة.
مكنش فيه فلوس ولا دهب.. كان فيه
كشكول قديم مكتوب بخط إيد صغير ومنظم جداً، كله أرقام ومعادلات ورسومات هندسية.
ورقة رسمية عليها ختم النسر، مكتوب فيها جامعة القاهرة كلية الهندسة شهادة تخرج الطالب يونس رضوان الشناوي بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف.
عقد ملكية أرض قديم جداً، بس الاسم اللي فيه مكنش اسم جدي رضوان.. كان اسم الشيخ كامل، وده كان راجل طيب من أصحاب الأرض الأصليين في العزبة، واختفى من عشر سنين والناس قالت إنه سافر ومات بره!
وفجأة، لقيت ورقة مطوية مكتوبة بخط عمي يونس، ومكتوب في أولها إلى من يجد هذا بعد موتي أو خلاصي.
قريت السطور وأنا جسمي كله بيلتفت من الصدمة
أنا مش مجنون. أبويا وأخويا عبد العزيز هما اللي جننوني قدام الناس عشان يداروا جريمتهم. لما رجعت من مصر بعد التخرج، اكتشفت إنهم زوروا عقود أرض الشيخ كامل بعد ما قتلوه ودفنوه تحت زريبة البهائم.. بالظبط تحت شجرة الجميزة. لما واجهتهم، جدي سممني بمادة بتغيب الوعي، وأخويا ربطني هنا، وكل ما كنت ببدأ أفوق، كانوا بيدوني جرعة تانية عشان أفضل أهذي قدام أهل البلد.. اكتب يا يونس، سيب دليل، لو مت.. الأرض مش هتاكل حق الدم.
دموعي نزلت على الورقة.. عمي يونس، العبقري، المهندس، مربوط جنب البهائم عشان ميتكلمش! وأبويا وجدي.. قتالين قتلا!
اللحظة الفاصلة.. صدمة لم تخطر على
—
بال بشر!
قبل ما أستوعب اللي قريته، سمعت صوت جلبة بره البيت، بس المرة دي مكنتش صوت رجالة العزبة. ده كان
السنة اللي عمي اتجنن فيها، جدي ربطه بسلسلة حديد وقفل عليه في الزريبة جنب البهايم مكنش فيه حد بيحن عليه غيري،وفي مره سرقت له قرصة فلاحي وادتهاله اكلها واستنيت لما الكل نام، وأخدت قالب طوب وكسرت القفل وعمي خرج يجري حافي . واللي حصل بعدها ميخطرش على بال بشر !!!!!! السنة اللي تميت فيها 12 سنه، كانت عزبة الجميزة غرقانة في مطر مبيخلصش. عمي الصغير، يونس، كان مربوط هناك. بسلسلة حديد تقيلة كابسة على رجله، والطرف التاني ملفوف حوالين جذع شجرة الجميزة اللي جنب الزريبة، ومقفول بقفل قد كفة الإيد. الجد رضوان قالها كلمة واحدة وقطع الواد ده عيان. وطالما عيان، يبقى ميعتبش عتبة البيت، مش ناقصين مصايب. ابويا عبد العزيز كان كلامه ألعن وأقسى، مكنش معترف أصلاً إن عمي عيان، في نظره يونس كان بيستهبل. كل يوم، أي حد يعدي من قدام البوابة يبص على الزريبة؛ اللي يسد مناخيره، واللي يضحك بسخرية، واللي يتف على الأرض ويقول هو مجنون عيلة الشناوي ده لسه مماتش؟ عمي يونس كان بيسمع الكلام ده كله كلمة كلمة، بس عمره ما رد. كان بيقعد كاشش في نفسه تحت شجرة الجميزة، شعره منكوش وهدومه مقطعة ومتبهدلة طين. ساعات يرفع راسه ويبص للسما بالساعات، وساعات تانية يفضل باصص لرجله المربوطة. ومكنش بيرفع عينه ويبص لحد إلا لما يسمع صوتي وأنا بندهه. عينيه كانت سودة وواسعة، ومكنش فيها أي حاجة تخوف زي ما الناس كانت بتقول. أول مرة سرقت له لقمة، كانت لما ستي جبرتني أروح أرمي العلف للبهائم. لقيت في المطبخ نص قرصة ناشفة فضلات، خبيتها تحت هدومي وجريت بسرعة على الزريبة. الريحة هناك كانت تقرف وتجيب الغثيان، حطيت اللقمة جنب رجله وقلت بصوت واطي كل يا عمي يونس. فضل ثابت مكانه مبيتحركش، افتكرته مسمعنيش. ولسه بلف ضهري عشان أجري، لقيت إيد خفت اللقمة بسرعة؛ إيد ناشفة وضوافرها مليانة طين. قسم القرصة نصين، حط نص في بقه، ومد إيده بالنص التاني ليا. هزيت راسي وقلتله لأ، قالي بصوت مبحوح كل يا أحمد. دي كانت أول مرة أسمعه بيتكلم. وقفت مذهول، وعيني دمعت أنا مش جعان يا عمي. بصلي كتير.. وابتسم. ابتسامة خفيفة وسريعة قوي، كأنه خايف حد يشوفه وهو بيضحك. من اليوم ده، بقيت أروح له كل يوم مستخبي؛ مرة نص قرصة، مرة حتة بطاطا مشوية، ومرة شوية شوربة كانت أمي أمينة بتهربهم لي من ورا أبويا. أمي كانت غلبانة وبتخاف من خيالها، كانت بتقف ورا باب المطبخ تترقب الطريق، وقبل ما أمشي تقولي يا أحمد، إوعى أبوك يحس بحاجة. كنت بهز راسي وخلاص، مكنتش فاهم وقتها.. واحد جعان وبنديله لقمة، إيه اللي يخوف في كده؟ لحد ما جه يوم، أبويا رجع من الغيط بدري وشافني وأنا قاعد جنب الزريبة. وقبل ما أستوعب، لقيت إيده بتشدني من قفايا بعنف، والقرصة وقعت في الطين. وش أبويا كان قالب ومسود من الغضب مين اللي قالك تديله طفح؟. عمي جعان يا بويا. مكملتش الكلمة ولقيت قلم نزل على وشي، عيني زغللت وودني صفرت. عمي يونس قام وقف فجأة، وصوت السلاسل الحديد قعد يخرخش ويرن. أبويا مسك الشومة ووجهها ناحيته إنت كمان هتحلو؟ عايز تتحرك؟. عمي ثبت في مكانه، وإيده اتقفلت وبقت زي الحجرة، وبعدين رخاها بالراحة. أبويا لف وضربني قلم تاني احفظ الكلام ده كويس، ده مش عمك، ده مصيبة ونازلة على راسنا. حطيت إيدي على وشي وبكيت، وبصيت للقمة اللي اتمرمغت في الطين. عمي يونس هو كمان فضل باصص لها. بعد ما أبويا مشي، وطي على الأرض وشالها، وبكم جلابيته قعد يمسح الطين عنها حتة حتة.. وأكلها كلها. ليلتها، دخلت تحت اللحاف وقعدت أعيط بحرقة. أمي قعدت جنبي وهي بترتعش وبتدهن لي وشي بالمرهم، سألتها بصوت واطي هو عمي يونس كان كده من زمان يا أمي؟. أمي سكتت كتير، وفي الآخر قالتلي بهمس يا ابني.. عمك يونس ده كان أشطر واحد في مدارس البلد كلها.. ودخل الجامعة في بندر مصر. اتصدمت.. أمي حطت إيدها على بوقي بسرعة في نفس اللحظة اللي سمعنا فيها صوت خطوات أبويا برة. وش أمي اتقلب أصفر زي الليمونة، طفت لمبة الجاز وقربت من ودني السيرة دي متجيش على لسانك تاني أبدًا. وفي اللحظة دي، سمعنا صوت خروشة السلاسل تاني عند الزريبة. خبطة.. وراها خبطة، كأن فيه حد بيخبط على الباب في نص الليل. بصيت من خرم الشباك؛ نور القمر كان نازل على شجرة الجميزة، وعمي يونس كان موطي، وبيبحت بأصباعه في الطين وبيكتب كلام. مكنتش عارف هو بيكتب إيه.. بس شفت أبويا واقف الناحية التانية من الزريبة، ماسك عصايه في إيده، وعينيه كلها غل وشر وهو باصص على إيد عمي وهي بتكتب وقال له بتريقه.. بتكتبها تاني برضه؟ وضحك بشر ومسح اللي اتكتب برجله.. هتفضل هنا لحد ما تموت …والي بتكتبه ده مش هيفدك ولا حد هيقراه اصلا وضربه بالعصايه جامد عمي نزلت دموعه وبص
على ابويا وهو بيمشي وقتها خرجت بسرعه واتسحبت من غير ما حد يشوفني ورجعت عند عمي تاني اول ما شافني اتفاجأ وبقى يبصلي بقلق ابتسمت ومسكت قالب وبقيت اضرب القفل لحد ما اتكسر واول ما السلسله اتفكت عمي جري حافي والي حصل وقتها مكانش حد يتخيله وصدمنا كلنا !!!!!!! زهرة_الربيع القصه مدهشه للمتابعه سيب لايك وكمنت بتم وهيوصلك اشعار








