عام

اتبنيت البنت اللي كانت السبب في اختفاء بنتي

بعد ما مراتي ما بقاش ليا في الدنيا غير بنتي نور. كانت هي النور اللي منور حياتي، الضحكة اللي بتنسيني تعب الأيام، والذكرى الحية الوحيدة من غاليين مشيوا وسابوني. كنت عايش عشانها، وكل خطوة بخطيها في الدنيا كانت لتأمين مستقبلها ورسم بسمة على وشها. وكانت صاحبتها المقرّبة سارة دايمًا معاها، ما بيفارقوش بعض أبدًا. سارة دي ماكانش ليها أهل، ولا بيت حقيقي تعيش فيه؛ طفلة رماها الزمن في ملجأ البلدة القديم قبل ما تتبناها عيلة  سابتها للشارع والإهمال. نور بنتي كانت دايمًا تقول لي ببراءة الأطفال يا بابا، سارة دي بالنسبالي أختي، بلاش تسيبها لوحدها. وبسبب طيبة قلب نور، بقت سارة جزء من بيتنا، تاكل معانا، وتذاكر معاها، وتضحك في صالتنا.

وفي مساء كئيب من أمسيات أكتوبر، والسما كانت مغيمة ومحملة بنسمات برد قارسة، خرجوا يتمشوا قريب من البيت… مشوار عادي جدًا، زي اللي عملوه مئات المرات في الممر الشجري القديم اللي بيربط أطراف بلدتنا بالغابة الصغيرة المحيطة بها. لكن الليلة دي ماكانتش زي أي ليلة. المطر بدأ ينزل فجأة، والوقت اتأخر، وقلقي بدأ يزيد ويكبر مع كل دقة من دقات الساعة. وفجأة، سمعت خبط مړعوپ على الباب. جريت وفتحته، لكن اللي رجعت كانت سارة بس!
كان الجزمة بتاعتها مليانة طين، وشفايفها مزرقة من البرد، وكانت واقفة قدام باب البيت بترتعش لدرجة إن سنانها كانت بتخبط في بعض. هدومها كانت متبهدلة، ونظرات عينيها كانت زايفة وتايهة. مسكتها من كتافها وقلت لها بسرعة والخۏف بياكل قلبي فين بنتي؟ فين

نور يا سارة؟! بصت من خلالي كأنها مش شايفاني، كأنها بتبص لشبح ورايا، وهمست بصوت يكاد يطلع من رعبها معرفش… ضاعت في الضلمة.
الشرطة قلبت المدينة كلها، وبعدها الولاية كلها… استجوبوا كل صياد، وكل غريب، فتشوا الغابة شبر شبر، وغاصوا في البحيرة القريبة، لكن بنتي ما اتلاقتش أبدًا. اختفت… كأن الأرض انشقت وبلعتها وسابت وراها فراغ قاټل. البنت دي، سارة، كانت الشاهد الوحيد على اللي حصل، وعشان كده كل الناس في البلدة اتهاموها إنها السبب في اختفاء بنتي. الإشاعات بدأت تطلع وتكبر زي كرة التلج؛ اللي يقول إنها غارت منها ودقتها في البحيرة، واللي يقول إنها سلمتها لعصابة. حتى أخويا محمود قال لي بنبرة حادة وقاسېة البنت دي مخبية حاجة يا أحمد… أكيد تعرف أكتر من اللي بتقوله، نظراتها فيها سر، أنت بتأوي تعبان في بيتك.
يمكن كان عنده حق، ويمكن الكل كان شايف الحقيقة من برا بس… لكن كل مرة كنت أبص فيها لعيني سارة، ما كنتش بشوف مچرمة ولا قاټلة. كنت بشوف طفلة مړعوپة، مکسورة، فقدت الشخص الوحيد اللي كان بيحبها بجد ويحميها في الدنيا دي. كنت بشوف في
عينيها انعكاس لۏجعي أنا شخصيًا. وساعتها، وفي قمة  وحزني، عملت حاجة خلت البلد كلها تقف ضدي وتقاطعني.
تبنيتها رسميًا.
الناس قالوا إني اټجننت من الحزن… وإني ضعيف وفقدت عقلي بعد  نور… وإن اللي عملته مش طبيعي إني أربي البنت اللي الكل بيشاور عليها بصباع

. محمود أخويا قاطعني وقال لي أنت بتخون ډم بنتك!، لكن أنا كان عندي إيمان غريب إن سارة مش مچرمة، وإنها الخيط الوحيد الباقي ليا من ريحة نور.
لكن سارة، رغم إنها بقت بنتي بالقانون وعايشة تحت سقفي، عمرها ما دخلت أوضة بنتي نور كأنها بتاعتها، ولا لمست حاجتها، ولا حتى حاولت تقرب من ألعابها. كانت بتتعامل مع الأوىضة دي كأنها ضريح مقدس. وكل سنة، في ذكرى اختفاء نور، كنت بلاحظ حاجة بتقطع قلبي؛ سارة كانت تدخل في نص الليل، وتحط وردة بيضا نقية على مخدة نور، وتقعد على الأرض ټعيط في هدوء ونشيج حارق وهي فاكرة إني مش سامعها من أوضتي. كنت بقف ورا الباب، ودموعي تنزل، وأقول لنفسي الدموع دي مش دموع قاټلة… دي دموع ضحېة.

السابق1 من 3
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى