عام

اختنا التالتة

أختنا التالتة اتوفـ,ـت وإحنا لسه عندنا حداشر سنة بس. وفي عيد ميلادنا الواحد وعشرين، أمنا أدتنا صندوق كانت نورا سيباه وراها. مفيش أي حاجة في الدنيا كانت تقدر تجهزنا للي لقيناه جوا​إحنا كنا تلاتة.أنا، وليلى، ونورا.لو الناس شافتني أنا وليلى دلوقتي، هيقولوا علينا توأم. أغلبهم بيعمل كده فعلاً. أسهل بكتير من إنك تقعد تشرح إننا الاتنين اللي فاضلين، وأسهل من إنك تشوف ملامح أمنا وهي بتنهار كل ما حد يسألها عن بنتها التالتة.

​بس أنا وليلى عمرنا ما حسينا إننا توأم.​كنا بنحس إننا حتتين مكسـىـورين من حاجة كانت كاملة في يوم من الأيام.​قصتنا مبدأتش بالخسارة. بدأت بسبع دقايق.نورا اتولدت الأولى بفارق سبع دقايق بالظبط، واتعاملت مع الميزة الصغيرة دي كأنها خلتها الحاكمة الرسمية لعالمنا الصغير.

​كانت بتقول بفخر: “أنا الكبيرة، وعشان كده أنا اللي أقرر.”

​ليلى كانت بتكره الحكاية دي وتطير من الضيق.

​”السبع دقايق دي متتحىسبش أصلاً!”

​فنورا تبتسم وتقولها: “تتحسب ونص لو كنتِ أنتِ اللي متأخرة.”

​دي كانت طفولتنا: ضحك، ومخدايات بتطير في الجو، وجري بحفاوة في الصالة، وأمي وهي بتزعق عشان ألوان الشمع اللي على الحيطان، وأبويا وهو عامل نفسه جاد وبيخبي ابتسامته ورا فنجان القهوة.

​نورا كانت هي الرابط اللي مجمعنا. كل ما أنا وليلى نتخانق على اللعب، أو الهدوم، أو مين اللي يقعد جنب الشباك، كانت نورا تدخل وسطنا زي القاضي الصغير.

​وكانت تعلن بمسكنة: “أنا واقفة في صف السلام.”

​وبطريقة ما، حتى ليلى كانت بتضحك.

​نورا كانت عبارة عن دفا ماشي على الأرض.

​كانت تربط لنا جزمتنا قبل المدرسة، وتشيل الحلاوة الحمراء لليلى، وتنام وسطنا لما الدنيا تمطر وتعمل رعد عشان، على حسب كلامها، “القادة لازم يحموا الطرفين”.

​لسه فاكرة ليلة عاصفة لما الرعد هز الشبابيك.

​ليلى طلعت على السرير الأولى. وأنا روحت وراها بعد كام دقيقة، وعاملة نفسي مش خايفة.

​نورا رفعت الغطا من غير ما تفتح عينيها حتى.

​وقالت وهي بتمتم: “أنتوا الاتنين فاشلين في دور الشجاعة ده.”

​همستلها: “ما أنتِ خايفة كمان.”

​قالت وهي رايحة في النوم: “لأ، أنا مسؤولة.”

​بعدها نورا تعبت.

​في الأول، الكبار كانوا بيتوشوشوا حوالينا كأن الصوت الواطي هيخبي الحقيقة، بس نورا كانت علطول بتفهم لما حد يكذب عليها، بالذات لو بيكذبوا بحنية.

​عمرى ما هنسى أول أوىضة مستشفى دخلناها.

​ريحة المطهّرات النفاذة. الإضاءة الباردة. صور الكرتون اللي على الحيطان واللي مكنتش بتعمل أي حاجة عشان تقلل الرعب اللي في المكان.

​أمي وقتها قالت لنا إن نورا تعبانة شوية ومحتاجة ترتاح.

​نورا، والخرطوم متثبت في دراعها، لفت عينيها بملل وقالت: “أنا مش عيلة صغيرة يا أمي.”

​حتى وهي بتكش وتصغر تحت بطاطين المستشفى، كانت لسه بتحاول تطمننا.

​قالت لنا: “متتأثروش أوي كده، شكلكم بيبقى غريب وأنتوا قلقانين.”

​لما نورا ماتت، بيتنا نسي إزاي يطلع صوت.

​شبشبها فضل في الصالة لأسابيع عشان أمي مكنتش قادرة تشيله من مكانه. فرشة سنانها فضلت جنب فرشنا. سريرها الفاضي بقى عبارة عن حتة صمت مفيش حد فينا عارف يقرب منها.

​بس الحتة الأوحش مكنتش مجرد إننا مفتقدينها.

​الأسوأ هو اللي غيابها عمله فيا أنا وليلى.

​الحزن مقربناش من بعض. ده حدف كل واحدة فينا في ناحية تانية من نفس الوجع.

​لمدة عشر سنين، كنا بنطفي الشمع لشخصين، وإحنا بنفتكر في سرنا إننا تلاتة.

​في سن اتناشر سنة، تمنيت إن نورا ترجع.

​في سن تلاتاشر، تمنيت إن أمي تبطل عياط وهي بتغسل الهدوم.

​في سن اربعتاشر، تمنيت إن ليلى ترجع تتكلم معايا زي زمان.

​ولما وصل عيد ميلادنا الواحد وعشرين، كنت فاكرة إني خلاص اتعلمت أعيش مع الفراغ ده.

​بس طلعت غلطانة.

​الصبح ده، رحت أنا وليلى بيت أمي عشان نفطر. حضنا بعض حـ,ـضن سريع ومتردد، من النوع اللي بيبان كأنه حذر وخوف أكتر من إنه حب.

​أوضة السفرة كانت متزينة ببلالين دهبي.

​تورتة صغيرة كانت محطوطة على البوفيه.

​وعلى الترابيزة كان فيه تلات أطباق.

​محدش فينا نطق بكلمة.

​وفي وسط الفطار، دخلت أمي وهي شايلة صندوق خشب صغير ومثبتاه على صدرها. إيديها كانت بتترعش.

​حطته وسطنا.

​معدتي اتعقدت قبل ما أفهم حتى في إيه.

​فوق الصندوق كان فيه ظرف أصفر قديم.

​الخط اللي مكتوب بيه خلاني أشرق وأقطع النفس.

​كنت هعرف الخط ده لو شفته فين.

​”يتفتح في عيد ميلادنا الواحد وعشرين.”

​الشوكة وقعت من إيد ليلى.

​أمي خبت بوقها والدموع مغرقة عينيها.

​همست أمي وقالت: “هي اللي عملت ده قبل ما تمـ,ـوت. قالت لي: هما هيحتاجوني لما يكبروا كمان.”

​لأول مرة من سنين، ليلى مدت إيدها تحت الترابيزة.

​ولأول مرة من سنين، مسكت في إيدها جامد.

​وبإيدين بتترعش، رفعت الغطا.

​واتصدىمىت.

فتحت الصندوق، ونفسي اتقطع من اللي شفته جوه.

السابق1 من 2
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى