أخبار

الفتاة السمراء

اهتز هاتفه برسالة من مساعده تذكره باجتماع مجلس الإدارة في التاسعة، وتؤكد أن صفقة “تومبسون” قد أُغلقت بمبلغ 12 مليون دولار. قرأ إشعياء الرسالة، وكتب ردًا مقتضبًا: “جيد”، ثم ألقى الهاتف على الطاولة وكأن هذا الرقم يخص شخصًا آخر.
في مكتبه، فتح درجًا خاصًا وحدق في الشيء الوحيد الذي يحميه بحرص يفوق أي عقد عمل. داخل إطار زجاجي صغير، كان يقبع الشريط الأحمر الباهت، الذي أصبح هشًا بفعل الزمن، ومحفوظًا بأفضل ما يمكن للمال أن يوفره. في كل صباح كان ينظر إليه، وفي كل صباح كان يباغته السؤال نفسه بالقوة ذاتها: أين هي؟
جلب اجتماع مجلس الإدارة التصفيق المعتاد، والمصافحات، والتهاني المنمقة. ربع سنوي آخر مربح، واستحواذ ذكي آخر، وغرفة أخرى مليئة بأشخاص منبهرين برجل تُقدر قيمة شركته الآن بـ 47 مليون دولار. كان إشعياء يبتسم عندما يتوقع منه ذلك، ويتحدث عندما يتطلب الأمر، دون أن يشعر بأي شيء على الإطلاق.
بعد ذلك، حاصره شريكه في العمل “ريتشارد” قائلاً إنه يراقب هذا الوضع منذ سنوات؛ فإشعياء يستمر في شراء العقارات في جنوب شيكاغو دون تحقيق أي ربح على المدى القصير، والجميع يعرف السبب: الأمر يتعلق بتلك الفتاة، الفتاة التي يبحث عنها. قال له ريتشارد إنها ربما لا تريد أن يعثر عليها أحد، فأمره إشعياء بأن يتوقف عن الكلام.
لكن الأوان كان قد فات على ذلك؛ فخمس سنوات، وثلاثة محققين خصوصيين، ومئات الآلاف من الدولارات لم تؤدِ إلى شيء. كان اسم “فيكتوريا هايز” شائعًا جدًا، واختفت عائلتها من كل سجل ورقي نظيف بعد عام 2008.
وفي وقت متأخر من ذلك العصر، حمل إشعياء الشريط بنفسه وعاد به إلى مدرسة “لينكون” الابتدائية، وهناك ألقى الحارس العجوز نظرة واحدة عليه، قبل أن يهمس باسمٍ جعل جسد إشعياء بأكمله يصاب بالقشعريرة لأن…
#حكايات_شروق_خالد

لأن الحارس انحنى بظهره العجوز، ونظر إلى الخيط الأحمر المتهرئ، ثم قال بصوت خافت تملؤه الحسرة: “هذا الشريط يخص فيكتوريا الصغيرة… والدتها كانت تعمل هنا في تنظيف المدرسة قبل سنوات طويلة. لكن يا بني، لقد تأخرت كثيرًا. فيكتوريا لم تعد موجودة في هذا الحي، ولا أعتقد أنك ستجدها في أي سجلات مدنية باسمها القديم. لقد ماتت والدتها بسبب المرض قبل عشر سنوات، وتكفلت بها عائلة أخرى غيرت اسمها، ولم نعد نسمع عنها شيئًا سوى أنها تعمل الآن في ملجأ خيري صغير للأيتام في أطراف المدينة، تكاد تجد قوت يومها”.
لم ينتظر إشعياء سماع بقية التفاصيل. أخذ العنوان الذي تذكره الحارس بصعوبة، وانطلق بسيارته الفارهة كالمجنون يعبر شوارع شيكاغو المزدحمة، والأسئلة تطحن عقله: هل تذكرني؟ هل ما زالت تحتفظ بنصف الشريط الآخر؟ هل غيّرها الفقر والزمن؟
وصل إلى العنوان في خيوط الفجر الأولى؛ كان مبنى قديمًا متهالكًا، تتصاعد منه رائحة الحساء الدافئ. من وراء نافذة زجاجية تصدعت أطرافها، رأى امرأة ثلاثينية، ملامحها السمراء الهادئة لم تتغير رغم قسوة السنين، كانت توزع الطعام على الأطفال الصغار بابتسامة تفيض دفئاً، تماماً كما كانت تفعل معه خلف سياج المدرسة.
دفع الباب ودخل، فالتفتت إليه باستغراب من وجود رجل يرتدي بدلة تساوي ثمن المبنى بأكمله في هذا المكان المتواضع. لم ينطق إشعياء بكلمة، بل مشى نحوها ببطء، ورفع يده ليريها معصمه… كان قد ربط الشريط الأحمر الباهت حوله مجددًا.
اتسعت عيناها، وتوقفت يدها عن الحركة، وسقطت الملعقة من يدها لتحدث رنينًا في المكان. تراجعت خطوة إلى الوراء، ثم وضعت يدها ببطء داخل جيب معطفها القديم، وأخرجت قطعة قماش صغيرة مطوية بعناية… وبداخلها، كان النصف الآخر من الشريط الأحمر، محتفظًا بلونه الأصلي لأنها حمته من شمس الأيام.
انفجرت فيكتوريا بالضحك والدموع معًا وقالت بصوت يرتجف: “لقد عدت إذن.. أيتها الصبي النحيل”.
اقترب منها إشعياء، والدموع التي حبسها لاثنين وعشرين عامًا تجد طريقها أخيرًا على وجنتيه، وقال: “لقد أصبحت غنيًا يا فيكتوريا.. وثروتي التي تبلغ 47 مليون دولار لم تكن تساوي شيئًا حتى هذه اللحظة. لقد جئت لأفي بوعدي، ليس فقط لأتزوجكِ، بل لتبني معاً سياجاً يحمي كل طفل جائع في هذه المدينة، حتى لا يضطر طفل آخر أن ينظر إلى ثمن غدائه كما نظرتُ إليكِ ذات يوم”.

مقالات ذات صلة
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى