أخبار

الفتاة السمراء

حكايات شروق خالد

نظرت فيكتوريا إلى الشريطين الملتحمين في يد إشعياء، ثم رفعت عينيها إليه وقالت بنبرة هادئة حملت كل وقار السنوات العجاف التي عاشتها: “أنا لم أطعمك لكي تعود إليّ غنيًا يا إشعياء، أطعمتك لأنك كنت جائعًا”.
أمسك يدها برفق شديد، وكأنه يخشى أن تختفي كما اختفت في أحلامه طوال عقدين من الزمن، وأجابها: “وأنا لم أنجح لأثبت لكِ أنني غني، بل نجحت لأكون الرجل الذي يستحق التضحية التي قدمتها طفلة في التاسعة من عمرها، حرمت نفسها من وجبتها الوحيدة لكي أعيش أنا”.
لم يكن هناك حاجة للكثير من الكلمات؛ فالصمت الذي لفّ المكان كان أبلغ من أي حديث. وفي غضون أسابيع قليلة، انقلبت حياة الملجأ الصغير والحي بأكمله رأسًا على عقب. لم يلتفت إشعياء إلى أضواء وسط المدينة ولا إلى الحفلات الصاخبة، بل نقل مكتبه الإداري بأكمله إلى الجانب الجنوبي من شيكاغو.
تحولت ثروة الـ 47 مليون دولار من مجرد أرقام جامدة على شاشات البورصة إلى حقيقة ملموسة على الأرض. اشترى إشعياء المبنى القديم والمساحات المحيطة به، وأسس مؤسسة “فيكتوريا لحماية الطفولة”، وهي مجمع ضخم يضم مدارس مجانية، ومراكز رعاية، ومطابخ حديثة توزع آلاف الوجبات يوميًا للأطفال الأشد فقرًا، لكي لا يقف أي طفل خلف سياج مدرسة ينظر إلى طعام غيره بحسرة.
وفي يوم مشمس من أيام الخريف، ووسط حضور الأطفال الذين رعتهم فيكتوريا وأهالي الحي البسيط، أقيم حفل زفاف لم تشهد المدينة له مثيلًا في بساطته وعمقه. لم ترتدِ فيكتوريا مجوهرات ثمينة، ولم يرتدِ إشعياء بدلة من بدله الأربعين الفاخرة، بل ظهر بقميص بسيط.
وعندما حان وقت تبادل العهود، لم يتبادلا خواتم الألماس التقليدية؛ بل تقدمت فيكتوريا وربطت نصف الشريط الأحمر حول معصمه، وتقدم إشعياء وربط النصف الآخر حول معصمها، ليعلنا أمام الجميع أن الوعد الذي بدأ خلف سياج حديدي متهالك، قد اكتمل أخيرًا بعهدٍ أبدي لا يمحوه الزمن ولا يقدّر بمال.

مقالات ذات صلة
3 من 3التالي
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى