عام

سلفتي اتخانقت مع جوزها

لفيت وبصيت لأحمد وقولتله ببرود: “مراتك راحت لأهلها يا أبو أمير.. ووريني بقى هتروح ترجعها بإيد فاضية إزاي؟ حماتك مش هترضى ترجع بنتها إلا لما تشوف في إيدك قرشين يضمنوا عيشتها، والقرشين دول مفيش محمود خلاص.. انزل بقى من النجمة بكره، شيل طوب واحفر أساسات واشتغل ليل مع نهار عشان تعرف تجيب مراتك وابنك، ورجّع كرامتك اللي رميتها على القهاوي.”

أحمد خرج من البيت وهو بيبرطم وعينه مليانة غل وعجز، وحماتي دخلت أوضىتها ورزعت الباب وهي بتدعي عليا.. بس أنا ومحمود أخدنا ولادنا وطلعنا شقتنا فوق.

لأول مرة من شهور طويلة، محمود يقعد في الشقة وهو مرتاح البال، بصلي وقال ونبرة الندم في صوته: “أنا أسف يا هدى.. أنا كنت سادج وكنت هضيعكم من إيديا عشان أرضي الناس.” قولتله: “المهم إنك فوقت يا أبو العيال.. واللقمة اللي هنأكلها من هنا ورايح، حتى لو مش وعيش، هتبقى بالهنا والشفا مادام من شقاك ولينا لوحدنا.”

تاني يوم الصبح، البيت كان هادي جداً.. أحمد نزل بدري لأول مرة من سنين، بس مش عشان يشتغل.. نزل وهو ناوي على مصيبة تانية يكسر بيها كلامنا، وعرفنا المصيبة دي العصر، لما الباب الأرضي اتفتح بقوة وبصوت عالي، ولقينا اللي داخل البيت شخص مكنش يخطر على بال حد فينا، وجاي ومعاه…

الظابط أخد التسجيل وأمر العساكر بسحب أحمد وشيماء، وشيماء كانت بتصوت وتلطم على وشها وتترجاني: “سامحيني يا هدى! حقك عليا، أحمد هو اللي أوزني وهو اللي قالي هنعمل كده عشان نرجع كرامتنا ونمشي كلامنا عليكم.. أبوس رجلك سيبيني عشان خاطر ابني أمير!”

بصيت لها بكل برود وقولت: “أمير ده ذنبه في رقبتكم.. زي ما هان عليكم عيالي وبينتوهم وسط الفئران والخوف في العشة دي، هيهون عليا حبسكم.. والعدل لازم ياخد مجراه.”

## العودة ونهاية الطوفان

رجعنا البيت في زفة من أهل البلد اللي عرفوا الحكاية، وكانوا شايلين محمود على الكتاف لأنه راجل شقيان وبتاع ربنا، وحماتي كانت واقفة على الباب مستنيانا بالدموع.. أول ما شافتني، وطت على إيدي تبوسها وتعتذر، بس أنا رفعتها وبوست راسها وقولت لها: “أنتي أم جوزي يا حماتي، والبيت ده بيتك، والظفر عمره ما يطلع من اللحم.”

أحمد وشيماء اتحكم عليهم بالسجن المشدد، والبيت هدي تماماً، والشىقة اللي قصادنا اتقفلت بالجنزير بس المرة دي بحكم محكمة وقانون وبأمر من طيبة قلب محمود اللي بقيت أنا الحارس عليها. محمود ربنا كرمه وشغله زاد وبقى يجيب الخير كله لبيته، وعيالي كبروا قدام عيني وأنا معززة مكرمة في بيتي ومحدش يقدر يكسر عيني بكلمة.

## الحكمة من وراء الحكاية

خرَجت من التجربة دي بدرس عمري كله، وحكمة حاطاها حلقة في ودني وبقولها لكل ست وأم:

* **الطيب لازم يكون له ضرس يِعَض بيه:** الطيبة والجدعنة ومراعاة الخواطر حاجات جميلة، بس لما تتحول لسذاجة وتيجي على حساب بيتك وعيالك وصحتك، بتبقى ج-ريمة في حق نفسك.. اللي يضحي بقوت عياله عشان يرضي ناس باردة مبيثمرش فيهم، يبقى بيخرب بيته بإيده.

* **اتقِ شر الحليم إذا غضب:** الصمت مش دايماً علامة ضعف ولا استسلام، أوقات كتير بيكون الصمت هو فترة التفكير والترتيب عشان لما تنطق، تنطق بالحق وتغير الموازين كلها.

* **البيوت تتبنى بالعرق لا بالاتكال:** الراجل اللي بيستسهل لقمة العيش ويقعد على القهاوي مستني حسنة من ده ومساعدة من ده، نهايته الخراب والفضيحة؛ لأن الرزق بيحب الخُطى والسعي، والكرامة مابتشتريهاش الفلوس السهلة.

* **القانون والأصول هما الحماية:** في زمن المصالح، لازم الست تكون واعية، فاهمة في الأصول وحامية لبيتها، وتعرف إزاي تاخد حقها بعقل وحكمة ومن غير ما تغلط، لأن الحق لما يتقال بالمنطق والقانون، بيهد جبال الباطل و يرجع لكل ذي حقٍ حقه.

5 من 5التالي
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى