عام

نفس فستاني

بص لأحمد وقاله بنبرة حاسمة:
الشقة دي شقة أبوها، والدهب اللي أخدتوه يرجع غصب عنكم.. والست والدتك وأختك ياخدوا بعضهم دلوقتي حالا ويطلعوا بره البيت ده، ومشوفش وشهم هنا تاني..
أمه بصت لأحمد وهي مستنية يدافع عنها، بس أحمد كان مرعوب من كبار المنطقة ومن شكل عيلته اللي بقت في الأرض.. مشيت حماتي وأختها وهما بيبصولي بنظرات غل وحقد، بس مكنتش فارقة معايا.. خرجوا وقفلوا الباب وراهم..

التفت لأحمد اللي كان واقف زي التلميذ الخايب، وقولتله بمنتهى القوة والجمود:
وأنت يا أحمد.. ورقتك توصلي لغاية عندي.. الشقة دي هتنضف منكم كلكم.. من اللحظة دي، منى اليتيمة ، واللي واقفة قدامك دي واحدة هتاخد حقها تالت ومتلت بالقانون ومن غير ما تتهان تاني.

أحمد بصلي ، بوقه اتفتح ومش عارف ينطق بكلمة، كأنه أول مرة يشوفني.. أو كأنه مش مصدق إن “منى” الضعيفة المستكينة هي هي البنت اللي واقفة قدامه وراسمة على وشها ملامح أصلب من الحديد.
الحاج صالح حط إيده على كتف أحمد وبص له بنظرة كلها احتقار وقاله:
سمعت الست هانم قالتلك إيه؟ لم هدومك يا أحمد، والباب يفوت جمل.. البنت دي في حمايتنا، ولو شوفتك بتوجّه لها كلمة ولا بتعدي من تحت بيتها، مش هتعرف إحنا هنعمل فيك إيه.. يالّا يا ابن الناس، مع السلامة.

أحمد ملقاش مفر، وشه كان جايب ألوان وعينيه في الأرض من الخزي قدام رجالة المنطقة، دخل الأوضة وعبي هدومه في شنطة بسرعة وهو وخرج من باب الشقة من غير ما يجرؤ يرفع عينه فيا.. قفل الباب وراه، والبيت فجأة فضي.. فضي من ريحتهم، ومن غلهم، ومن الكتمة اللي كانت كاتمة على نفسي.
الحاج صالح التفت ليا، ملامحه الحادة اتحولت لطيبة وأبوة، وقالي بنبرة هادية:
متخافيش يا بنتي، طول ما فينا نفس مش هنسيبك.. حقك وذهبك هيجوا لحد عندك، والكلب ده هيطلقك وتطلعي من الليلة دي كسبانة وراسك فوق.. إحنا أهلك يا منى، وافتكري إن أبوكي الله يرحمه كان راجل طيب وعمره ما ساب حد في ضيقة، وربنا من فوق مبيسيبش حد واكل حق يتيم.

هزيت راسي بامتنان، ودموعي نزلت.. بس المرة دي كانت دموع راحة، دموع نصر. شكرتهم وودعتهم لحد باب الشقة، وقفت وقفلت الباب وراهم بالمفتاح والترباس.
لأول مرة من شهور أحس إن الهوا اللي داخل في صدري نضيف.. بصيت للشقة، شقة بابا وماما.. كأن روحهم رجعت تطبطب عليا وبتقولي: “عفارم عليكي يا بنتي.. صنتي بيتنا وصنتي نفسك”. مشيت خطوتين ووقفت قدام مراية الصالة، صلحت شعري، وابتسمت لنفسي في المراية.. الابتسامة دي مكنتش غامضة ولا حزينة، دي كانت ابتسامة البداية الجديدة.. البداية اللي مفيهاش مكان لكسرة النفس تاني أبداً.

قعدت على الكنبة، وفردت ضهري لأول مرة من غير ما أكون خايفة من دخلة حد عليا، ولا مستنية كلمة تسمّ البدن من حماتي، ولا نظرة برود من أحمد. البيت كان هادي.. هدوء جميل ومريح، كأن الحيطان نفسها كانت مكتومة وبدأت تتنفس معايا.

عدت الأيام، وما فوتش أسبوع والتاني إلا وكان الحاج صالح جايبلي حقي تالت ومتلت. جابلي دهبي كله لغاية عندي بعد ما عمل قعدة عرب في المنطقة مسح بكرامة أحمد وأهله الأرض، وخلاهم يمضوا على وصل أمانة بقيمة كل حاجة أخدوها مني، وورقة طلاقي وصلتني لحد باب البيت، مرفوعة الراس ومفيش مخلوق قدر يكسر عيني.

في يوم، كنت نازلة أشتري طلبات للمطبخ، لقيت حماتي وأخت جوزي.. أقصد طليقي.. واقفين عند أول الشارع بيتكلموا مع جارتنا. أول ما عيني جت في عينيهم، لقيت الضحكة الخبيثة والجرأة اللي كانوا بيقابلوني بيها اتمسحت تماماً. أخت أحمد حطت عينيها في الأرض ولفت وشها الناحية التانية، وحماتي جيت تفتح بوقها عشان تلقح بكلام، بصيتلها من فوق لتحت بنظرة برود وثقة خلت الكلمة تقف في زورها. مشيت من جنبهم وراسي في السماء، وسامعة جارتنا بتقولهم بصوت واطي: “بس بس.. دي وراها رجالة المنطقة كلها، بلاش مشاكل معاها لتروح للحاج صالح”.

تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى