عام

نفس فستاني

ضحكت من جوايا.. ضحكت لأن الدنيا دارت بسرعة أسرع مما كنت أتخيل، وعرفت إن اليتيم مش اللي ملوش أب وأم، اليتيم هو اللي ملوش كرامة ولا ضهر يحميه، وأنا ربنا بعتلي ضهري وسندي في الوقت المناسب.
رجعت الشقة، دخلت المطبخ وفتحت الشبابيك عشان الهوا والشمس يدخلوا يطردوا أي طاقة سلبية سابوها وراهم. طلعت تليفوني ومسحت كل الأرقام اللي تخصهم، ومسحت صور الفرح الكئيب اللي كنت فاكراه ليلتي.. وبدأت أرتب حياتي من جديد. قسيت، آه قسيت.. بس القساوة دي كانت الدرع اللي هحمي بيه نفسي بعد كده. مفيش “منى الضعيفة” تاني، من هنا ورايح مفيش غير منى القوية اللي هتعيش لنفسها، لبيتها، ومستقبلها، واليوم ده مكنش نهاية قصتي.. ده كان أول يوم في عمري الجديد.

مرت سنة كاملة على اليوم اللي غير حياتي. الشقة اللي كانوا عايزين يطردوني منها، بقيت أنا صاحبتها الآمرة الناهية فيها، غيرت ديكورها كله، دهنت الحيطان بألوان مبهجة تفتح النفس، وشلت كل ركن كان بيفكرني بأيام الكسرة والهم.
نزلت اشتغلت في حضانة قريبة من البيت، وبقيت بكمل تعليمي المفتوح اللي كنت مأجلاه عشان خاطر أحمد وأهله.. قررت إن قيمتي مش هتيجي من راجل يسترني، قيمتي هتيجي من شهادتي وشغلي وكياني اللي هبنيه بنفسي.

وفي يوم جمعة، وأنا نازلة أزور بابا وماما عشان أقرا ليهم الفاتحة وأقولهم إن بنتهم بقت قوية ومحدش قادر عليها، لقيت الست “أم أحمد” قاعدة على دكة قدام بيتهم.. شكلها كان غريب، وشها دبلان، والجلابية اللي لابساها قديمة، ومفيش في إيدها غوايش الذهب اللي كانت بتتباهى بيها وتتمنظر قدام الناس.
أول ما شافتني، وقفت بسرعة وجريت عليا، وعينيها كانت مليانة دموع.. مكنتش نظرة اللؤم والشر بتاعة زمان، كانت نظرة انكسار حقيقية. وقفت قدامي وقالت بصوت مرعوش ومبحوح:
منى.. إزيك يا بنتي؟ عاملة إيه؟
بصيتلها ببرود تام، ومردتش.. فضلت واقفة مكاني مستنية أشوف آخرتها إيه. لقيتها بتعيط وبتقول:
سامحيني يا بنتي.. الله يجازيكِ كل خير سامحيني.. الدنيا دارت بينا وربنا مننا أشد . أحمد اتجوز واحدة تانية زي ما كنت عايزة، بس طلعت .. أخدت منه كل حيلته، وخلته يمضي على شيكات وودته في ، ودلوقتي هو بسببها، وأخت أحمد اتطلقت ورجعتلي وعيالها.. البيت اتهد علينا يا منى من يوم ما .. دعواتك صابتنا ومبقيناش ملاحقين على .

كنت سامعة كلامها وقلبي مفيش فيه أي شماتة، بس في نفس الوقت مفيش فيه نقطة تعاطف واحدة. افتكرت يوم فرحي ودموعي اللي نزلت في صمت، افتكرت كسرة نفسي في المطبخ وأنا سامعاهم بيخططوا لطردي.. بصيتلها وقولت بمنتهى الهدوء:
أنا لسه بروح للغاليين يا طنط.. وفي كل سجدة وفي كل وقت، مكنتش بقول غير “حسبي الله ونعم الوكيل”.. والوكيل مبيضيعش حق حد. ربنا يديكوا على قد نيتكم.. عن إذنك.

سبتها واقفة بتعيط وبتندم في مكانها، ومشيت.. مشيت ورجلي ثابتة في الأرض، ومبصتش ورايا ولا خطوة. عرفت ساعتها إن العدالة الإلهية مابتتأخرش، وإن اللي  فرحته، لازم يشرب من نفس الكأس ولو بعد حين.
كملت طريقي وأنا حاسة بسلام داخلي عمري ما حسيته قبل كده.. أنا منى، عندي 22 سنة، صحيح يتيمة ومليش أهل، بس عندي رب كريم، وعندي كرامة تسوى الدنيا كلها.. وقصتي اللي بدأت بدموع وكسرة، انتهت وأنا واقفة على رجلي، قوية، حرة، وبضحك للدنيا والدنيا بتضحكلي.
تمت.

4 من 4التالي
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى