عام

مكالمة مفتوحة

لكنني لم أكن يومًا العبء. كنت الأساس الذي وقف عليه كل شيء. عندما كتبت تلك الجملة، توقفت طويلًا.  ليس لأن العبارة كانت  . بل لأنني أدركت متأخرة جدًا حقيقتها. فالنساء مثلنا كثيرًا ما يُمدحن بالقوة بعد أن ينتهي الجميع من استهلاك تلك القوة. ويُشكرن على صبرهن بعد أن يدفعن ثمنه من أعمارهن. ويُطلب منهن التضحية مرة بعد أخرى… حتى يظن الآخرون أن ما يقدمنه حق مكتسب لا فضل فيه. أما أنا… فقد قررت أخيرًا أن أتوقف عن دفع الثمن. وصل سيف إلى الفقرة التالية من الرسالة. الفقرة التي لم تكن تتعلق بالمنزل أصلًا. والتي جعلت وجهه يفقد ما تبقى فيه من لون. ثم تابع القراءة. ويصفوننا بالعبء عندما نتوقف عن تلبية كل ما يُطلب منا. وعندما نتقدم في العمر ويصبح ما نملك محل اهتمام الآخرين… فجأة يصبحون

قلقين على سلامتنا. وصل سيف إلى الفقرة الأخيرة.
وعرفت ذلك فورًا.
لأنه جلس على أرضية المطبخ الخالية.
ببساطة انهارت ساقاه تحته.
أما أحلام فبقيت واقفة.
لكن الخوف الذي كان في عينيها بدأ يتحول إلى غضب.
كانت تلك عادتها دائمًا.
كلما شعرت بالخوف…

مقالات ذات صلة

اختبأت خلف الغضب.
تابعت الرسالة
أنا بخير.
وأمثل نفسي قانونيًا بكامل إرادتي.
وقد خضعت لتقييم طبي لدى أطباء اخترتهم بنفسي.
وأدير أموالي وشؤوني كاملة دون وصاية من أحد.
كما أنني غيّرت رقم هاتفي.
وحدّثت جميع بياناتي المصرفية.

وعدّلت توكيلاتي القانونية.
وغيّرت كل ما كان يمكن لأحد الوصول إليه دون إذني.
لذلك…
لا تبحثوا عني.
ولا تتواصلوا مع محاميّ إلا من خلال محاميكم.
ولا تخبروا الناس أنني اختفيت.
أنا لم أختفِ.
أنا فقط أزلت نفسي من المستقبل الذي خططتم له دون أن تستأذنوني.
أمك

ظل سيف ممسكًا بالرسالة بكلتا يديه.
وللحظة قصيرة جدًا…
رأيت الطفل الذي كانه يومًا.
ذلك الصغير الذي كان يركض إلى المطبخ باكيًا كلما سقط وجرح ركبته.
والذي كان كريم يحمله على كتفيه في الأعياد والمناسبات.
والذي كان ينام على الأريكة ويده الصغيرة تحت خده.
لقد أحببت ذلك الطفل.

وذلك هو الجانب القاسي من الأمومة.
يمكنك أن تحبي الطفل الذي كانه ابنك…
وفي الوقت نفسه تحمين نفسك من الرجل الذي أصبح عليه.
أخرجت أحلام هاتفها بسرعة.
وأجرت اتصالًا.
على الأرجح كانت تحاول الوصول إليّ.
لكن رقمي القديم لم يعد يعمل.
أعادت المحاولة.
ثم أعادتها مرة أخرى.

ثم استدارت نحو سيف بعصبية.
ومن داخل السيارة أطلقت سمسارة العقارات زفرة طويلة وقالت
الآن سيبدأ سيل النصائح القانونية من أشخاص لا يملكون أي معرفة بالقانون.
كدت أضحك.
كدت فقط.
وفي تلك اللحظة رن هاتف سيف.
نظر إلى الشاشة.
ثم أجاب.

استمع لثوانٍ قليلة.
وفجأة تغيّر وجهه بالكامل.
اختفى الذعر.
وحل مكانه شيء أسوأ.
شيء جعل يده المرتجفة تسقط الرسالة على الأرض.
وعندها فقط…
أدرك أن خسارة المنزل لم تكن أكبر مشكلاته.
كانت المحامية قد وعدتني بالاتصال به فور تأكيد دخوله المنزل.

ولم تكن من الأشخاص الذين يضيعون الوقت في الكلمات الزائدة.
كنت أستطيع أن أتخيل نبرة صوتها بدقة.
هادئة.
رسمية.
وحاسمة.
قالت له على الأرجح
سيف، والدتك بخير. وقد أوصتنا بعدم الإفصاح عن عنوانها. كما أنك غير مخول بالدخول إلى هذا العقار مرة أخرى. وقد سمح لك المالك الجديد بهذا الدخول لمرة واحدة فقط وتحت إشراف قانوني. وأي محاولة لإتلاف الممتلكات أو أخذ أي شيء من المنزل أو الدخول إليه مجددًا ستُعد مخالفة قانونية.

قال سيف شيئًا.
ربما
لكنها أمي.
وربما جاءه الرد مباشرة
إذن تعامل مع الأمر عبر القنوات القانونية المناسبة.
بدأت أحلام تدور في المنزل بعصبية.
فتحت الخزائن.
فارغة.
الأدراج.
فارغة.
المخزن.
فارغ.
وكان الغضب يزداد على وجهها مع كل باب تفتحه.
وكأنها غاضبة من اختفاء أشياء لم تتعب يومًا في العناية بها.
أما سيف فبقي جالسًا على الأرض.
وحقيبته ما زالت قرب الباب.

2 من 2التالي
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى