عام

الجرسونة

والرجل حاول يلحقها.

لكن فارس منعه.

مقالات ذات صلة

وقال

سيبها.

الرجل بكى.

أنا خسرتها.

فارس قال بهدوء

لا.

إنت بس محتاج تواجه اللي هربت منه عشرين سنة.

في نفس الوقت

كانت ندى راجعة البيت.

والأسئلة بتدور في رأسها .

ولما وصلت

فتحت الباب .

دخلت.

ولقت أمها قاعدة على
الكنبة.

بتتفرج على التلفزيون.

أول ما شافتها ابتسمت.

وقالت

رجعتي بدري ليه يا بنتي؟

لكن ندى كانت تبكي.

وترتعش.

وقالت

هو عايش؟

الأم تجمدت.

الريموت وقع من إيدها.

واللون اختفى من وجهها.

ندى قربت منها.

وقالت

جاوبيني.

أبويا عايش؟

دموع الأم نزلت فورًا.

وفي اللحظة دي

ندى عرفت الإجابة قبل ما تسمعها.

لأن  الحقيقية

ما كانتش إن أبوها عايش.

الحقيقية

إن أمها نفسها كانت تخفي السر ده منذ عشرين عامًا كاملة.
الأم انهارت على الكنبة.

وهي بتبكي.

أما ندى فكانت واقفة قدامها.

مش قادرة تستوعب.

قالت بصوت مبحوح

يعني كل السنين دي كنتِ عارفة؟

الأم هزت رأسها ببطء.

ندى شهقت.

وكأن حد سحب الهواء من صدرها.

وقالت

كنتِ عارفة إن بابا عايش وسيبتيني أعيش على إنه ؟

الأم بكت أكتر.

وقالت

سامحيني يا بنتي.

لكن ندى صرخت

أسامحك على إيه؟!

على عشرين سنة كذب؟

الأم كانت منهارة.

وقالت

اسمعيني للنهاية.

ندى قعدت وهي تبكي.

مش علشان عايزة تسمع.

لكن لأنها ما بقتش قادرة تقف.

الأم أخذت نفسًا طويلًا.

وقالت

أبوكي فعلًا كان في خطر.

وفي البداية كان لازم يختفي.

وأول سنة كنت مستنية يرجع.

والسنة اللي بعدها كنت مستنية.

وبعدها كمان.

دموعها نزلت.

وأضافت

لكن لما تأخر بدأت أكرهه.

ندى بصتلها.

الأم قالت

أنا كنت لوحدي.

بربي طفلة صغيرة.

وبحارب الدنيا كلها.

وكل ما يسألوني جوزك فين ما ألاقيش إجابة.

سكتت لحظة.

ثم قالت

وفي يوم رجع.

ندى رفعت رأسها بسرعة.

رجع؟

الأم هزت رأسها.

رجع بعد خمس سنين.

ندى اتجمدت.

الأم كملت

وقف قدام الباب.

وقال إنه عايز يرجع يعيش معانا.

لكن وقتها كنت اتكسرت.

كنت محتاجة جوزي أول خمس سنين.

مش بعد ما وقفت على رجلي.

ندى كانت تسمع في ذهول.

الأم قالت

طلبت منه يمشي.

وقلتله لو بيحب بنته بجد يفضل بعيد.

لأن رجوعه بعد كل السنين دي هيكسرها أكتر.

ندى همست

وبابا وافق؟

الأم بكت.

وقالت

رفض في الأول.

لكن في الآخر سمع كلامي.

وبدأ يتابعك من بعيد.

الصمت ملأ المكان.

ولأول مرة بدأت ندى تشوف الصورة كاملة.

مفيش ملاك.

ومفيش .

فيه ناس أخطأت.

ودفعت تمن أخطائها سنين طويلة.

الأم قالت

كنت خايفة تعرفي الحقيقة وتكرهيني.

ندى سألت

وليه دلوقتي ظهر؟

الأم ابتسمت وسط دموعها.

وقالت

لأنه مريض.

ندى شعرت بقشعريرة.

الأم أكملت

من سنة اكتشف إنه عنده مرض خطير.

ولما الأطباء قالوله إن الوقت مش مضمون

قرر إنه يشوفك.

في اللحظة دي سكتت ندى.

كل غضبها بدأ يختلط بالحزن.

بعد يومين كاملين من التفكير

طلبت من فارس ترتب لها مقابلة مع أبوها.

المرة دي كانت في مكان هادئ.

من غير ناس.

من غير .

لما دخلت

لقته قاعد مستنيها.

أول ما شافها وقف.

لكن ما قربش.

وكأنه خايف ترفضه.

ندى قعدت قدامه.

ودقائق طويلة عدت من غير كلام.

ثم قالت

عندي سؤال واحد.

هز رأسه.

قالت

لو الزمن رجع بيك كنت هتعمل نفس اللي عملته؟

الرجل سكت طويلًا.

ثم نزلت دموعه.

وقال

لا.

حتى لو كنت هدفع عمري كله تمن القرار.

لا.

ندى أغمضت عينيها.

لأنها لأول مرة تسمع إجابة صادقة بالكامل.

من غير تبرير.

من غير محاولة تلميع.

مجرد ندم.

كبير جدًا.

وبعد لحظات

مدت يدها فوق الترابيزة.

الرجل بص لها غير مصدق.

ندى قالت

أنا مش قادرة أسامح كل حاجة دلوقتي.

لكن مش عايزة أضيع الوقت اللي فاضل.

الرجل في البكاء.

ومسك إيد بنته لأول مرة منذ عشرين سنة.

بعدها بدأت علاقتهم ترجع بالتدريج.

مكالمات قصيرة.

زيارات بسيطة.

ذكريات قديمة.

وحكايات ضاعت من عمرهم.

وكان واضح إن السنين اللي فاتت مستحيل تتعوض.

لكن كان فيه شيء أهم.

إنهم بطلوا يضيعوا
السنين اللي جاية.

وبعد ثمانية أشهر

رحل والد ندى بهدوء.

لكن المرة دي

ما رحلش وهو غريب.

رحل وهو جالس بين بنته وزوجته السابقة.

ورحل بعد ما قال الجملة اللي فضل شايلها في قلبه عشرين سنة

سامحوني.

وفي جنازته

وقفت ندى تبكي.

لكن بكاءها كان مختلفًا.

مش بكاء
طفلة فقدت أباها.

بل بكاء ابنة استعادته أخيرًا

ثم ودعته كما يجب.

ولما رجعت البيت تلك الليلة

فتحت صندوقًا صغيرًا تركه لها.

وجدت بداخله عشرات الخطابات.

خطاب لكل سنة غابها عنها.

رسائل كتبها ولم يرسلها.

في أول رسالة كتب

اشتقتلك.

وفي آخر رسالة كتب

لو قدرتِ تقري الكلام ده يومًا اعرفي إنك كنتِ أجمل حاجة حصلت في حياتي.

أغلقت ندى الصندوق.

وضمته إلى صدرها.

واكتشفت أخيرًا أن بعض الجروح لا تختفي تمامًا

لكن الحقيقة، مهما تأخرت، تظل أرحم من الكذبة التي تعيش عام كاملًا.

تمت.

4 من 4التالي
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى