عام

طفل زوجي

ثم تجمّد جسدي بالكامل. ظللتُ أحدّق في سوار المستشفى وكأن الأرقام المكتوبة عليه ستتغير إذا رمشتُ بعيني. مستشفى الخرطوم بحري. نفس المستشفى. نفس الشريط الأبيض الرخيص الذي ما زلتُ أحتفظ بمثله داخل صندوق صغير تحت . شعرتُ بشيء يضغط على صدري بقوة. ليس خوفًا. بل ذلك النوع من الألم الذي يأتي حين يحاول القلب الهرب من الذكرى ويفشل.

رفعتُ عيني نحو مأمون ببطء.
كان واقفًا قرب الباب، متيبسًا، وكأنه يعرف تمامًا ما الذي رأيته.
سألته بصوت خرج أضعف مما أردت
لماذا هذا الطفل من نفس المستشفى؟
بلع ريقه.
ثم قال سريعًا
أغلب الولادات في بحري صارت هناك هذه الأيام.
لكنه لم ينظر في عيني وهو يقولها.
عدتُ أنظر إلى الطفل النائم فوق البطانية الصغيرة.
وجهه هادئ.
كأنه لا يعرف أنه دخل بيتًا مليئًا بالخسارات.
جلستُ ببطء على الكنبة وأنا ما زلتُ أحمل السوار بين أصابعي.
ثم همست
كيف عرفت أنني ما زلتُ أستطيع الإرضاع؟
ساد الصمت.
طويلًا.
ثقيلاً.
حتى صوت المطر بالخارج بدا كأنه توقف ليستمع.
خفض مأمون رأسه وقال أخيرًا
أمي أخبرتني.
شعرتُ بشيء يغلي داخلي.
الحاجة آمنة؟
أومأ برأسه.
كانت عندكم يوم العزاء وبعدها قالت لي إنكِ بقيتِ وحدك بعد ما عادل تركك.
كلمة العزاء وحدها كانت كافية لتعيد كل شيء.
النساء وهن يجلسن فوق الحصير في الحوش.
رائحة القهوة الثقيلة.
صوت القرآن القادم من التلفاز الصغير.
وجاراتي وهن

مقالات ذات صلة

يهمسن كلما مررت
الله يصبرها كانت مجهزة له كل شيء.
حتى طه الصغير، غطّته خالتي بشرشف أبيض يومها حتى لا يراه أحد.
ارتجفت يدي.
لكن مأمون أكمل بسرعة
والله يا مريم ما جئت لأستغلك أنا فقط لم أعرف أين أذهب.
ضحكتُ بمرارة.
فقلت لنفسك إن المرأة التي طفلها منذ ثلاثة أشهر ستفتح الباب وترضع ابن زوجتك؟
رفع عينيه نحوي أخيرًا.
وكان يبدو محطمًا بشكل لم أره فيه من قبل.
لم أفكر هكذا.
لكنني لم أصدقه.
على الأقل ليس وقتها.
لأن المرأة حين تُكسر تصبح حساسة من أي شيء
وقفتُ فجأة.
خذ ابنك واخرج.
تحرك الطفل قليلًا وهو نائم، فخفضتُ صوتي فورًا.
لكن مأمون لم يتحرك.
بقي واقفًا مكانه كأنه لم يعد يملك القوة حتى على المشي.
ثم قال بصوت خافت
أهل ست البنات أخذوا كل شيء.
نظرتُ إليه بصمت.
جلس ببطء على طرف الكرسي الخشبي ومسح وجهه بيد مرتجفة.
بعد مباشرة أخوها الكبير جاء مع أعمامها أخذوا ذهبها وقالوا إنني السبب في .
لم أعلّق.
لكنه أكمل وكأن الكلام ظل داخله أيامًا طويلة.
أمها رفضت حتى أن آخذ ملابس الطفل من بيتهم وقالت إن الولد دخل عليهم بالشؤم.
أغمض عينيه للحظة ثم قال
تخيّلي جدته لم تحمله حتى مرة واحدة.
شعرتُ بقشعريرة باردة تسري في ظهري.
هذه الكلمات تُقال أحيانًا في بعض البيوت القديمة فعلًا.
حين امرأة أثناء الولادة
يبحث الناس عن أي شيء يحمّلونه الذنب.
حتى لو كان رضيعًا لم يفتح عينيه بعد.
نظرتُ نحو الطفل.
كان صغيرًا جدًا على أن يُكرَه بهذه السرعة.
قال مأمون بصوت مبحوح
منذ أربعة أيام وأنا لا أنام كلما غفوت أخاف أن ينقطع نفسه لا أعرف كيف أحمّمه ولا كيف ألفّه بالقماش أمس اتصلت حتى على جارتي العجوز كي تعلمني كيف أغيّر له.
ثم رفع عينيه نحوي وأضاف
وعندما قالت لي أمي إنكِ
سكت.
لكنه لم يحتج أن يكمل.
فهمت.
حين قالت له إن صدري ما زال ممتلئًا بالحليب.
في تلك اللحظة كرهته.
وكرهت نفسي أكثر لأن الطفل كان قد هدأ فعلًا بعد الرضاعة.
وكأن جسدي كان ينتظره.
اقتربتُ من البطانية الصغيرة.
ركعتُ بجانب الطفل.
كانت رائحته تشبه رائحة الأطفال الجدد
الحليب
والصابون الطبي
والدفء.
الرائحة نفسها التي بقيت أيامًا طويلة في ملابس طه بعد .
شعرتُ بأن الدموع عيني.
قلتُ دون أن أنظر إليه
متى آخر مرة نمتَ فيها؟
ساد الصمت للحظة.
ثم قال
لا أتذكر.
رفعتُ رأسي نحوه.
كان صادقًا.
عيناه غائرتان.
وثوبه غير مرتب.
وفي أطراف كُمّه آثار حليب جاف.
بدا كرجل غرق فعلًا.
ولأول مرة منذ دخوله رأيتُ الخوف الحقيقي داخله.
ليس خوف رجل فقد زوجته فقط.
بل خوف إنسان أصبح مسؤولًا عن روح صغيرة لا يعرف كيف ينقذها.
تنهدتُ ببطء.
ثم قلت
اذهب توضأ.
رفع رأسه نحوي باستغراب.
ماذا؟
شكلك لم تصلِّ منذ أيام.
ظل ينظر إليّ لثوانٍ.
ثم نهض بصمت واتجه نحو الحمام الصغير قرب المطبخ.
بقيتُ وحدي مع الطفل.
مددتُ إصبعي نحوه.
وفورًا أمسكت يده الصغيرة بإصبعي بقوة مفاجئة.
وهنا
انكسر شيء داخلي بالكامل.
بدأتُ أبكي بصمت.
ليس لأنني أحببته بل لأن جسدي لم يفهم بعد أن طه رحل.
كل ليلة منذ كنتُ أستيقظ مذعورة لأنني أسمع بكاء طفل.
أفتح عيني بسرعة.
أحدّق في سقف الغرفة المظلم.
ثم أتذكر فارغ.
والغطاء مطوي.
ولا أحد هناك.
حتى الحليب الذي كان يتسرّب مني ليلًا
كنتُ أقف بسببه طويلًا تحت الماء وأبكي وحدي حتى الفجر.
عاد مأمون بعد دقائق.
كان وجهه مبللًا بالماء.
ورائحة الصابون الشعبي الرخيص خرجت معه.
توقف حين رآني أبكي.
اقترب ببطء وقال
مريم
أشحتُ بوجهي فورًا.
لا أريده أن يراني ضعيفة.
ليس هو.
جلس بعيدًا وقال بصوت خافت
هل تعرفين ما أكثر شيء أخافني بعد ست البنات؟
لم أجب.
لكنه أكمل
بعد رجعت البيت وحدي بعد صلاة المغرب وسمعت بكاءه من داخل الغرفة.
رفع رأسه نحوي لأول مرة.
والله يا مريم شعرتُ وقتها أن البيت بلا روح.
ساد الصمت بيننا طويلًا.
ثم نهض فجأة وقال
سأغادر.
لكنه توقف قرب الباب وأضاف بصوت متردد
هل يمكنني أن آتي غدًا بعد العصر فقط حتى يرضع؟
نظرتُ نحوه.
ثم نحو الطفل.
ثم نحو طه الصغير في زاوية الغرفة.
لم أُجبه فورًا.
ظللتُ أنظر إلى الطفل النائم فوق البطانية الصغيرة، بينما صوت المطر بالخارج شبابيك البيت القديمة كأنه يذكّرني بأن الليل ما زال طويلًا.
ثم قلتُ أخيرًا بصوتٍ متعب
بعد العصر فقط.
أغمض مأمون عينيه للحظة، وكأنني أنقذتُه من الغرق.
ثم حمل الطفل بحذر شديد، كما لو أنه يخشى أن ينكسر بين يديه.
وقبل

أن يفتح الباب، التفت نحوي وقال
جزاكِ الله خيرًا يا مريم.
لكنني لم أرد.
كنتُ قد تعبت من الكلمات منذ طه.
خرج مأمون أخيرًا.
وعاد البيت إلى صمته القديم.
ذلك الصمت الذي يشبه بيت عزاء انتهى الناس من مغادرته منذ ساعات، لكن الحزن ما زال جالسًا في الأركان.
وقفتُ وحدي وسط الغرفة.
ثم نظرتُ نحو الكنبة التي كان الطفل نائمًا عليها قبل دقائق.
كانت البطانية ما تزال هناك.
صغيرة.
دافئة.
اقتربتُ منها ببطء، وحين رفعتها إلى وجهي، وصلتني رائحة الحليب.
وهنا انهرت.
جلستُ على الأرض أبكي بصمت، أضم البطانية إلى صدري كأنها طفل حقيقي.
في اليوم التالي، استيقظتُ قبل أذان الفجر بقليل.
كعادتي منذ طه.
صار شيئًا غريبًا عني.
أحيانًا أبقى مستيقظة حتى الشروق، أحدّق في سقف الغرفة وأتخيل كيف كان سيبدو وهو يكبر.
هل كان سيشبهني؟
أم يشبه عادل؟
هل كان سيضحك كثيرًا؟
هل كان سيحب صوت المطر؟
أسئلة بلا إجابات.
قمتُ بهدوء.
أشعلتُ موقد الغاز الصغير في المطبخ، ووضعتُ براد الشاي.
رائحة الهيل بدأت تملأ البيت.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا، سمعتُ صوت أذان الفجر يخرج من مسجد الحي.
ذلك الصوت وحده كان يمنعني من الانهيار الكامل أحيانًا.
بعد الصلاة، جلستُ قرب نافذة الصالة أراقب الشارع الضيق.
نساء يحملن أكياس الخبز الساخن. بائع الفول يدفع عربته ببطء.
وأطفال يركضون بزيّ المدرسة وهم يضحكون.
الحياة في الخرطوم لا تتوقف حتى لو انكسر

قلبك.
وهذا أكثر ما كان يوجعني.
كيف طفل
ثم تشرق الشمس كأن شيئًا لم يحدث؟
جاء مأمون بعد العصر تمامًا.
كان يحمل الطفل بيد، وكيسًا صغيرًا باليد الأخرى.
ترددتُ قبل أن أفتح الباب.
لكن الطفل بدأ يبكي فور رؤيتي، كأنه عرف المكان.
دخل مأمون بسرعة وهو مرتبك.
ثم مدّ الكيس نحوي.
أمي أرسلت لكِ قراصة وويكة.
نظرتُ إليه باستغراب.
قال بسرعة
قالت لا يصح أن نأتي كل يوم ويدنا فارغة.
للحظة شعرتُ بالخجل من نفسي.
الحاجة آمنة كانت دائمًا طيبة معي، حتى بعد الطلاق.
أخذتُ الكيس بصمت، ثم حملتُ الطفل من بين ذراعيه.
وفور أن ضممته إلى صدري، هدأ.
تمامًا كما حدث بالأمس.
راقبني مأمون طويلًا.
ثم قال بصوت منخفض
سبحان الله كأنه يعرفك.
تجاهلتُ كلامه وجلستُ على الكنبة.
لكن الحقيقة أن قلبي ارتجف.
لأنني أنا أيضًا بدأتُ أشعر أنني أعرفه.
مرت الأيام بعد ذلك بطريقة غريبة.
صار مأمون يأتي كل عصر تقريبًا.
أحيانًا يبقى ساعة.
وأحيانًا أقل.
كان يجلس بصمت أغلب الوقت، يشرب الشاي، بينما أرضع الطفل أو أحمله حتى ينام.
وفي كل مرة كان يغادر
كان البيت يعود أكثر وحدة من قبل.
بدأتُ ألاحظ تفاصيل صغيرة.
كيف ينام الطفل واضعًا يده قرب أذنه.
كيف يفتح فمه قليلًا أثناء
كيف يبحث عن صوتي إذا ابتعدتُ عنه.
وفي كل مرة كنتُ أقول لنفسي
لا تتعلقي به يا مريم.
لكني كنتُ أتعلق أكثر.
ذات مساء، بعدما غادر مأمون، اكتشفتُ أن قطعة القماش الصغيرة التي

يلف بها الطفل بقيت فوق الكنبة.
حملتها لأعيدها غدًا.
لكنني بقيتُ دقائق طويلة أضمها إلى صدري.
أشمّ رائحته.
ثم أبكي.
بعد نحو أسبوع، كنتُ جالسة بعد المغرب أرتب ملابس طه الصغيرة داخل الصندوق الخشبي، حين دوّى طرق قوي على الباب.
ظننتُ أن مأمون عاد لأنه نسي شيئًا.
لكن عندما فتحتُ الباب
وجدتُ رجلًا غريبًا يقف أمامي.
كان يرتدي جلابية بيضاء ويحمل ظرفًا بنيًا.
سألني أنتِ مريم عبد الرحيم؟
أومأتُ بصمت.
فمدّ الظرف نحوي وقال
ورق من المحكمة الشرعية.
شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي.
أخذتُ الظرف بيد مرتجفة.
ثم غادر الرجل بهدوء.
أغلقتُ الباب ببطء.
وبقيتُ واقفة في منتصف الصالة أحدّق في الظرف وكأنني أعرف ما بداخله.
جلستُ أخيرًا على الكنبة.
ثم فتحته ورقة طلاق.
عادل طلّقني رسميًا.
حتى دون أن يأتي بنفسه.
حتى دون أن يسأل كيف أعيش وحدي بعد ابني.
شعرتُ بشيء ثقيل يهبط فوق صدري.
وظللتُ أحدّق في اسمي المكتوب أعلى الورقة.
مريم عبد الرحيم.
ثم أسفلها مباشرة
مطلقة.
ضحكتُ فجأة. ضحكة قصيرة ومكسورة.
ثم بدأتُ أبكي.
ليس بسبب عادل وحده.
بل لأنني شعرتُ فجأة أن الدنيا كلها تُغلق أبوابها في وجهي مرة واحدة.
طفلي وزوجي تركني.
وطليقي يعود كل يوم بطفل امرأة أخرى كي أرضعه.
حتى حياتي نفسها لم تعد تشبهني.
وضعتُ الورقة فوق الطاولة.
ثم بكيتُ بصوت عالٍ لأول مرة منذ شهور.
بكاء امرأة تعبت من محاولة الصبر.
امرأة بدأت تصدّق فعلًا أنها

بلا حظ.
وفي وسط بكائي
بدأ صدري يؤلمني مجددًا بسبب امتلاء الحليب.
فضحكتُ وسط دموعي بمرارة أكبر.
حتى جسدي ما زال يرفض تصديق أنني لم أعد أمًا.
في اليوم التالي، لم يأتِ مأمون.
انتظرتُه رغم أنني كنتُ أرفض الاعتراف بذلك.
بعد العصر بقليل، كنتُ قد أعددتُ الشاي بالفعل.
وضعتُ كوبين فوق الصينية دون تفكير.
ثم انتبهتُ لنفسي فضحكتُ بمرارة.
ماذا أفعل؟
منذ متى بدأتُ أنتظر أحدًا أصلًا؟
مرّ الوقت بطيئًا.
وصوت الأطفال في الشارع بدأ يخفّ مع اقتراب المغرب.
لكن الباب لم يُطرق.
نظرتُ نحو الساعة القديمة المعلقة فوق الحائط للمرة العاشرة.
ثم قلتُ لنفسي بحدة
أفضل دعيه لا يأتي.
لكن قلبي لم يكن مقتنعًا.
حلّ الليل.
وكنتُ قد انتهيتُ من صلاة العشاء حين سمعتُ طرقًا سريعًا على الباب.
قفز قلبي .
فتحتُ الباب بسرعة
فتجمدتُ مكاني كانت الحاجة آمنة.
وخلفها مأمون يحمل الطفل بين ذراعيه، ووجهه شاحب بطريقة أخافتني فورًا.
قالت الحاجة آمنة بسرعة
الولد سخن من العصر.
مددتُ يدي فورًا نحو الطفل.
وحين لمستُ وجهه، شعرتُ في جلده الصغير.
ارتعبتُ.
يا ساتر يا رب
بدأ الطفل يبكي بصوت ضعيف ومتقطع.
ذلك البكاء نفسه الذي يجعل قلب المرأة يرتجف حتى لو لم تكن أمًا.
دخل مأمون بسرعة وهو مرتبك.
قال
أخذته إلى الصيدلية قالوا يجب الذهاب الى مستشفى.
لم أفكر حتى.
أخذتُ إسدالي بسرعة ولففته حولي، ثم حملتُ الطفل إلى صدري.
حتى الحاجة آمنة نظرت

إليّ لحظة وكأنها فهمت شيئًا لم أفهمه أنا بعد.
كانت شوارع الخرطوم شبه فارغة تلك الليلة.
الهواء رطب.
وأضواء السيارات تنعكس فوق الإسفلت المبلل.
جلس مأمون

في الأمام داخل الركشة، بينما بقيتُ أنا في الخلف أضم الطفل إلى صدري وأقرأ عليه المعوذات بصوت مرتجف.
كلما تأوّه
كنتُ أشعر أن قلبي يُعصر.
وصلنا إلى مستشفى بحري بعد منتصف الليل.
الرائحة نفسها.
الممرات نفسها.
حتى صوت الممرضات أعاد إليّ تلك الليلة التي فقدتُ فيها طه.
توقفتُ فجأة عند الباب.
وشعرتُ أن قدميّ لم تعودا قادرتين على الحركة.
لاحظت الحاجة آمنة ذلك، فوضعت يدها على كتفي وقالت بهدوء
ادخلي يا بنتي ربنا ما بكرر الوجع مرتين.
لكنني كنتُ خائفة.
خائفة من المستشفيات.
من الأسرّة البيضاء.
من كلمة
البقاء لله.
دخل الطبيب سريعًا وأخذ الطفل من بين ذراعي.
وحين ابتعد عني
شعرتُ كأن شيئًا يُنتزع من صدري بالقوة.
جلستُ على الكرسي المعدني البارد وأنا أرتجف.
أما مأمون، فكان يمشي ذهابًا وعودة بطريقة مجنونة.
يمرر يده فوق رأسه كل دقيقة.
وكلما فتح باب الغرفة، يرفع رأسه بفزع.
لأول مرة
لم أره كرجل كسرني قديمًا.
بل كرجل خائف فقط.
رجل يخشى أن يفقد آخر شيء تبقى له.
بعد نحو ساعة، خرج الطبيب أخيرًا.
قال إن الطفل أُصيب بالتهاب حاد بسبب ضعف التغذية، لكنه سيكون بخير إن شاء الله.
شعرتُ بأن الهواء عاد إلى صدري دفعة واحدة.
أما مأمون
فجلس فوق أقرب كرسي وأخفى وجهه بين يديه.
كان يبكي.
بصمت.
تلك المرة لم أشعر بالغضب منه.
ولا الكره.
فقط
التعب.
اقتربتُ منه ببطء.
ثم قلت
الحمد لله.
رفع رأسه نحوي.
وعيناه حمراوان من السهر والبكاء.
وقال بصوت
كنتُ خائفًا أن

أنا أيضًا لو جرى له شيء.
ساد الصمت بيننا طويلًا.
ثم جاءت الممرضة وأعادت الطفل إليّ.
وفور أن حملتُه
هدأ.
كأنه كان يعرفني فعلًا.
جلستُ أضمّه إلى صدري، وبدأ يرضع بهدوء وسط ضوء الغرفة الخافت.
راقبتني الحاجة آمنة طويلًا.
ثم قالت فجأة
ربنا عوّضك بيه يا مريم.
ارتجف قلبي.
رفعتُ رأسي نحوها بسرعة.
لكنها أكملت بهدوء
ليس لازم العوض يكون نفس الشيء الضاع أحيانًا ربنا يرسل رحمة جديدة فقط.
شعرتُ بالدموع تمتلئ عيني فورًا.
لأنني لأول مرة منذ طه
لم أشعر أنني أمسك بالحياة وهي تهرب مني.
بل شعرتُ أنها تعود ببطء.
قبل الفجر بقليل، خرجنا من المستشفى.
كان الطفل نائمًا فوق صدري بسلام، بينما الهواء البارد يلفّ شوارع الخرطوم الهادئة.
وحين وصلنا إلى البيت، فتحتُ الباب بهدوء ودخلت.
لكن مأمون بقي واقفًا عند العتبة.
نظرتُ إليه باستغراب.
ظل صامتًا لثوانٍ طويلة، ثم قال بصوتٍ متعب
لم أكن أعرف أن تربية طفل يمكن أن تُتعب الإنسان هكذا.
لم أُجب.
كنتُ ما أزال أضمّ الطفل إلى صدري وكأنني أخشى أن يختفي إذا ابتعد عني.
تنهد مأمون ومسح وجهه بكفّه، ثم قال
عندما طلّقتكِ ظننتُ أن المشكلة فيكِ.
ارتجف شيء داخلي.
لكنه أكمل دون أن ينظر إليّ
كنتُ أريد طفلًا وأردتُ امرأة أصغر وصدّقتُ أن الحياة ستكون أسهل.
ساد الصمت.
صمت ثقيل ومؤلم.
ثم قال بمرارة
لكن الحياة لا تعطي أحدًا كل شيء.
خفضتُ عيني نحو الطفل.
أما هو فبقي واقفًا مكانه كأنه يعترف بشيء تأخر كثيرًا.
قال أخيرًا
أنا لا أطلب منكِ أن تسامحيني يا مريم ولا أقول إنني كنتُ رجلًا جيدًا لكنني تعبت.
كانت تلك أول مرة يتحدث فيها بصدق منذ سنوات.
دون تبرير.
ودون كلام جميل.
فقط رجل مُنهك، يحمل طفلًا فقد أمه، ويبحث عن بيت لا يشعر فيه بالضياع.
أما أنا
فكنتُ امرأة فقدت طفلها وزوجها، وتعبت من مواجهة الدنيا وحدها.
لا حب كبير.
ولا كلمات تشبه الروايات.
فقط شخصان كسرتْهما الحياة بطرق مختلفة.
رفعتُ رأسي نحوه أخيرًا.
ثم قلتُ بهدوء
وأنا أيضًا تعبت يا مأمون.
نظر إليّ طويلًا.
ثم جلس أخيرًا على الكرسي القريب كأن التعب هزمه دفعة واحدة.
وفي تلك اللحظة
شعرتُ لأول مرة منذ شهور أن البيت لم يعد باردًا كما كان.
مرت الشهور ببطء بعد ذلك.
لم يتغير شيء فجأة.
ولم تتحول حياتنا إلى قصة مثالية.
كان مأمون يأتي كل يوم تقريبًا.
أحيانًا يحمل حفاضات.
وأحيانًا دواء.
وأحيانًا فقط يأتي لأنه لا يعرف كيف يُسكت الطفل وحده.
أما أنا
فكنتُ أرضعه وأعتني به، ثم أعيده إليه آخر الليل.
لكن شيئًا صغيرًا بدأ يتغير داخل البيت.
شيئًا يشبه الطمأنينة.
الحاجة آمنة صارت تزورنا كثيرًا.
تُعدّ العصيدة صباحًا.
وتضحك وهي تحمل الطفل وتقول
هذا الولد أعاد الروح للبيت.
حتى الجارات توقفن عن النظر إليّ بشفقة كما كنّ يفعلن بعد طه.
صار في البيت صوت.
حركة.
حياة.
وفي إحدى الأمسيات، بينما كنتُ أطوي ملابس الطفل الصغيرة، سمعتُه يضحك للمرة الأولى.
ضحكة قصيرة وخفيفة.
لكنها ملأت البيت كله.
تجمّدتُ مكاني.
ثم بدأتُ أبكي فورًا.
ليس لأنني تذكّرتُ طه هذه المرة
بل لأنني شعرتُ أن الله لم يتركني وحدي كما ظننت.
بعد نحو عام، جاءت الحاجة آمنة إلى بيتي صباحًا.
جلست أمامي فوق الحصير، ثم قالت مباشرة دون مقدمات
يا مريم الولد تعلّق بكِ، وأنتِ أيضًا لم تعودي قادرة على الابتعاد عنه.
خفضتُ رأسي بصمت.
فأكملت بهدوء
والناس بدأت تتكلم دخول وخروج مأمون كل يوم لم يعد مناسبًا.
كنتُ أعرف أنها محقّة.
في الحيّ، الكلام ينتشر أسرع من .
قالت الحاجة آمنة
مأمون يريد أن يعيدكِ إلى ذمّته إن وافقتِ.
رفعتُ عيني إليها فورًا.
لكنها لم تبتسم، ولم تحاول تزيين الأمر.
قالت بواقعية المرأة السودانية التي عاشت كثيرًا
لا أقول إنه ملاك ولا أنتِ ما زلتِ تلك البنت الصغيرة لكن أحيانًا الإنسان يحتاج بيتًا يستره فقط.
ساد الصمت طويلًا.
ثم نظرتُ نحو الطفل الذي كان يلعب قرب الباب.
كان يضحك وحده ويحاول الوقوف متعلّقًا بالكرسي.
وشعرتُ بشيء دافئ يتحرك داخلي ببطء.
ليس الحب.
بل الأمان.
ذلك الشيء الذي افتقدته طويلًا.
تمّ عقد القِران عصر يوم جمعة بسيط داخل البيت.
لا فستان أبيض.
ولا زغاريد كثيرة.
فقط شيخ الحي، والحاجة آمنة، واثنان من الجيران.
وكان الطفل جالسًا فوق ساقي طوال الوقت يعبث بطرف ثوبي.
وحين انتهى الشيخ من كتابة العقد، نظرتُ نحو مأمون.
لم يكن بيننا ذلك الحب المجنون الذي تتحدث عنه
النساء.
لكن كان هناك شيء أكثر هدوءًا.
احترام.
ونسخة متعبة من الرحمة.
شيء يشبه النجاة بعد غرق طويل.
وفي تلك الليلة، بعدما غادر الجميع، وبقي البيت هادئًا أخيرًا
كان الطفل نائمًا بيننا بسلام.
نظرتُ إليه طويلًا.
ثم أغمضتُ عيني للمرة الأولى منذ طه
دون خوف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى