تزوّجتُ ابنةَ رجلٍ ثري، معروفةً في عمّان بأنها الفتاة السمينة التي لا يريدها أحد

هناك شيء يجب أن تعرفه لكن بعد أن تسمعه، لن تعود تنظر إليّ بالطريقة نفسها أبدًا. ظلّت تنظر إليّ بعينين مرتجفتين لثوانٍ طويلة، وكأنها تحاول التراجع عمّا ستقوله. ثم رفعت طرف الفستان ببطء ورأيت الطويلة الممتدة أسفل بطنها. تجمّدتُ مكاني فورًا. لم أفهم شيئًا وقتها، لكن الطريقة التي كانت ترتجف بها جعلت الخوف يتسرّب إلى صدري دون سبب واضح.
جلست ببطء على طرف وهي تضم يديها بقوة، ثم قالت بصوت بالكاد خرج
قبل سنوات كنتُ مريضة جدًا.
أكملت وهي تتجنب النظر إليّ
كان عندي فشل حاد في الكبد والأطباء قالوا إنني لن أعيش إن لم أُجرِ عملية زراعة بسرعة.
ثم سكتت لحظة، وكأن الكلمات تخنقها.
وأبي فعل أي شيء حتى يُبقيني حيّة.
في البداية لم أفهم لماذا شعرتُ بالبرد يسري داخل جسدي فجأة.
لكن الحقيقية جاءت عندما نطقت اسم أخي.
شعرتُ وكأن اختفى من عروقي بالكامل.
حدّقتُ فيها غير مصدّق.
حتى أنني ظننت للحظة أنني سمعت الاسم خطأ.
لكنها بدأت تبكي وهي تهز رأسها
أنا لم أكن أعرف شيئًا وقتها أقسم بالله.
ثم أكملت بصوت متقطع
في الليلة نفسها دخل أخوك المستشفى بعد كبير.
توقّف نفسي للحظة.
أما هي فكانت ترتجف أكثر وهي تتابع
كان هناك متبرع مناسب نادر جدًا والأطباء قالوا إن الوقت لا يكفي لإنقاذ الحالتين.
شعرتُ وقتها بشيء داخل صدري.
ماذا تقولين؟
خرج صوتي أعلى مما توقعت.
تراجعت للخلف فورًا وكأنها خافت مني.
ثم همست
أبي استخدم نفوذه حتى تحصل عمليتي على الأولوية.
لم أشعر بنفسي إلا وأنا بيدي حافة الطاولة الصغيرة بجوار .
الكأس الزجاجي وتحطم فوق الأرض.
لا
خرجت مني الكلمة كأنها .
لا لا تقولي هذا.
كانت تبكي بصمت وهي تضم ذراعيها إلى صدرها كطفلة خائفة.
ثم بدأت تحكي.
عندما
-
رجعت البيت بدري 3ساعاتمنذ يومين
-
كنت رايحة لأبنيمنذ يومين
-
شاي القرنفل بالجنزبيلمنذ 3 أيام
-
محامية اسكندريةمنذ 4 أيام
كانت في السادسة تقريبًا، دخلت المستشفى في حالة جدًا.
وكان والدها مستعدًا لفعل أي شيء حتى لا ابنته الوحيدة.
كبرت وهي ترى أباها بطلاً.
الرجل الذي كان يحملها بنفسه بين المستشفيات.
الرجل الذي لم يترك ليلة واحدة.
الرجل الذي كان يرتجف خوفًا عليها أكثر منها.
قالت وهي تبكي
كنت أظنه أفضل إنسان في الدنيا.
ثم ابتلعت ريقها بصعوبة وأكملت
لكن قبل سنوات سمعت شجارًا بينه وبين طبيب قديم داخل مكتبه.
رفعت عينيها نحوي للحظة قصيرة قبل أن تخفضهما مجددًا.
الطبيب كان خائفًا منه وكان يكرر اسم أخيك أكثر من مرة.
سكتت قليلًا.
وبعدها دخلت مكتب أبي عندما كان خارج المنزل.
تنفّست بصعوبة.
وجدت ملفًا طبيًا قديمًا مخفيًا داخل درج مقفل.
شعرتُ بقبضتي تنغلق دون إرادة.
قالت وهي تبكي
اختفى كل شيء حولي للحظة.
صوتها.
الغرفة.
حتى نفسي.
ثم أكملت بصوت مكسور
عرفت وقتها أن والدِي دفع أموالًا للمستشفى حتى تُغلق القصة بسرعة وحتى لا تصل لأي جهة رسمية.
كانت دموعها تنزل بصمت.
الممرضة التي حاولت الاعتراض طُردت بعدها بأيام.
شعرتُ بالغثيان.
لأول مرة لم أعد أرى رجلًا ثريًا فقط
رأيت رجلًا خاف على ابنته لدرجة بها حياة عائلة كاملة.
قالت وهي تمسح دموعها المرتجفة
ومنذ تلك اللحظة انهارت حياتي بالكامل.
لم تستطع كره أبيها.
ولم تستطع مسامحته أيضًا.
وهنا بدأت مأساتها الحقيقية.
دخلت في اكتئاب حاد.
انعزلت عن الناس.
وكان الطعام الشيء الوحيد الذي يمنحها شعورًا قصيرًا بالأمان كلما انهارت نفسيًا.
ومع السنوات بدأ وزنها يزداد بشكل واضح.
أما الناس
فلم يعرفوا شيئًا من الحقيقة.
كل ما رأوه فتاة بدينة ومنطوية تدخل مصحات نفسية أحيانًا وتختفي لفترات طويلة.
وبدأت الإشاعات تنتشر حولها بشكل .
مرة يقولون إنها مجنونة.
ومرة يقولون إنها ناقصة.
وبعضهم كان يلمّح بأنها ليست عذراء أصلًا بسبب العمليات والعلاج والمصحات التي تدخلها.
وفي إحدى المرات
سمعت بنفسها امرأة تهمس في عرس قريب لها
أكيد أبوها يخفي مصيبة.
ثم ضحكت الأخرى قائلة
لو كانت طبيعية لتزوجت منذ زمان.
حبست نفسها بعدها أسبوعًا كاملًا داخل غرفتها.
أما هي
فكانت تسمع كل ذلك وتسكت.
قالت بصوت منخفض
مع الوقت بدأت أصدقهم أنا أيضًا.
ورغم كل شيء
كان والدها يحبها فعلًا.
لكن بطريقة مشوّهة ومؤذية.
كان يحاول علاجها باستمرار.
يجلب لها أطباء نفسيين.
يسافر بها أحيانًا للخارج.
ويغضب بجنون إذا سمع أحدًا يسخر منها.
لكنه في الوقت نفسه
كان السبب الحقيقي في كل ما .
ولهذا أصبحت مؤلمة جدًا.
هي لا تستطيع لأنه أبوها الذي تربّت على حبه وطاعته.
وهو لا يستطيع الاعتراف بما فعله لأنه أقنع نفسه لسنوات أنه فقط أنقذ ابنته.
وعندما اقترب عمرها من الثلاثين
بدأ يخاف أكثر.
ليس لأنها ستبلّغ عنه.
هو يعرف أنها لن تفعل ذلك أبدًا.
بل لأنه رأى الذنب ببطء كل يوم أمام عينيه.
وكان يريد تزويجها لرجل محترم يعيدها للحياة قليلًا ويُسكت كلام الناس في الوقت نفسه.
لكنها رفعت عينيها نحوي أخيرًا وقالت
لكنه اختارك أنت تحديدًا لسبب آخر.
شعرتُ بقلبي ينقبض.
كان يعرف من تكون.
سكتت لحظة.
ويعرف أن عائلتك هي العائلة التي خسرت طفلها يوم نجاتي.
اختفى الهواء من الغرفة.
أظنه كان يحاول أن يعوّض شيئًا لا يمكن تعويضه.
ثم أضافت بصوت موجوع
لكن بطريقة أنانية ومشوّهة.
وعندما فهمتُ كل ذلك داخل تلك الغرفة
لم أعرف ماذا أشعر.
كره؟؟
شفقة؟
كل شيء اختلط بشكل مرعب.
كنت أريد أن أصرخ في وجهها
وكيف ما زلتِ تحبينه بعد كل هذا؟!
لكنها سبقتني وهي تبكي
كنت أريد أن أخبرك قبل الزواج لكنني كلما رأيت صورة أخيك في بيتكم كنت أجبن.
ثم همست بصوت مرتعش
وخفت أكثر أن تكره أبي أمامي لأنني رغم كل شيء ما زلت أحبه.
تلك الجملة وحدها كانت كافية لتكسر شيئًا داخلي.
لأنها كانت حقيقية بطريقة جدًا.
هي ليست فتاة شريرة.
ولا امرأة تخطط من أبيها.
ولا بطلة ستقف أمام الناس .
هي فقط ابنة كبرت وهي ترى أباها الرجل الذي أنقذ حياتها
ثم اكتشفت متأخرة أن حياتها بُنيت فوق طفل آخر.
ومنذ ذلك اليوم
وهي تعيش بين حبٍّ لا تستطيع
وذنبٍ لا تستطيع احتماله.
ظلّت تبكي بصمت، بينما كنتُ عاجزًا حتى عن النظر إليها.
كل شيء داخل رأسي كان مختلطًا بشكل .
أخي.
أمي.
صورة أخي الصغيرة وهو يركض خلفي في الحارة بضحكته العالية.
السنوات التي عشناها في الفقر.
ونظراتها المرتعبة.
وذلك الرجل الذي أحبّ ابنته لدرجة بها حياة غيره.
شعرت فجأة أن الغرفة أصبحت أضيق من أن أتنفس داخلها.
وقفت دون أن أقول شيئًا.
رفعت رأسها نحوي بسرعة، وكأنها فهمت ما سأفعله.
وقالت بصوت مكسور
أنا آسفة
لكنني لم أعرف كيف أرد.
لأنني في تلك اللحظة
لم أكن قادرًا على كرهها بالكامل.
ولا قادرًا على مسامحتها.
أخذت معطفي وغادرت الفندق.
وخلفي
بقي صوت بكائها يلاحقني حتى باب المصعد.
عدتُ تلك الليلة إلى بيت أمي.
أما هي
فعادت صباح اليوم التالي إلى بيت والدها.
ومنذ تلك اللحظة
بدأ كل شيء بيننا يتغيّر.
مرّت الأيام بعد ليلة الزفاف ببطء ثقيل، وكأن الوقت نفسه أصبح مترددًا في التحرك.
لا أنا استطعتُ أن أتعامل معها كزوجة طبيعيّة
ولا هي استطاعت أن تنظر إليّ دون ذلك الخوف القديم داخل عينيها.
وفي كل ليلة كنت أحاول إقناع نفسي أنني أكرهها
لكن صورة انهيارها داخل الفندق لم تكن تفارقني.
كانت تبكي وكأنها تحمل عمرًا كاملًا فوق صدرها.
حتى أمي بدأت تلاحظ تغيّري.
صرتُ أكثر صمتًا.
أعود من العمل وأجلس ساعات دون كلام.
وفي إحدى الليالي سألتني بهدوء
هل البنت؟
رفعتُ عيني نحوها، لكنني لم أعرف ماذا أقول.
لأن الحقيقة كانت أعقد من كلمة .
قلت أخيرًا
لا أعرف يا أمي.
ولأول مرة منذ سنوات
شعرت أنني متعب من الكره نفسه.
مرّ أسبوعان كاملان دون أن أراها.
وخلال تلك الفترة كنت أستيقظ أحيانًا على صورة أخي داخل رأسي دون سبب.
طفل صغير يضحك
ثم يختفي فجأة تحت ملاءة بيضاء داخل مستشفى بارد.
كنت أحاول إقناع نفسي أنني أكرهها.
لكن الكره
نفسه بدأ يستنزفني ببطء.
ثم اتصل بي والدها.
صوته كان هادئًا، لكنه لم يحمل تلك القوة التي اعتدت سماعها فيه.
بدا متعبًا بشكل غريب.
قال فقط
هي لا تأكل منذ أيام وأظن أنها تحتاج أن تتحدث معك.
كدت أرفض فورًا.
جزء داخلي كان ما يزال يريد أن يصرخ في وجهه
أنت السبب.
لكن شيئًا آخر داخلي
شيئًا أكثر تعبًا من الغضب
دفعني للذهاب.
وعندما دخلت بيتهم
شعرت لأول مرة أن ذلك القصر ليس مريحًا كما كنت أتخيل دائمًا.
كان واسعًا أكثر من اللازم.
صامتًا أكثر من اللازم.
باردًا بطريقة غريبة.
كأن الحزن يعيش داخله منذ سنوات.
حتى الخدم كانوا يتحركون بهدوء مبالغ فيه
كأن الجميع يخاف إيقاظ شيء ثقيل نائم داخل الجدران.
وجدتها جالسة قرب النافذة.
ترتدي عباءة سوداء واسعة تخفي جسدها بالكامل، وتضم يديها داخلها كأنها تحاول الاختباء من العالم كله.
بدت أضعف بكثير من آخر مرة رأيتها فيها.
وجهها كان شاحبًا بشكل أخافني للحظة.
وعندما رفعت عينيها نحوي
خفضتهما فورًا.
جلستُ أمامها دون مقدمات طويلة.
كنت أعرف أنني لو ترددت
فلن أسأل أبدًا.
ثم قلت مباشرة
أخي بسبب العملية فعلًا؟
تجمّد وجهها بالكامل.
ورأيت الرعب يمر داخل عينيها للحظة قصيرة.
وبعد ثوانٍ طويلة
بدأت تبكي بصمت.
قالت وهي تهز رأسها ببطء
نعم
شعرتُ وقتها وكأن شيئًا انكسر داخلي من جديد.
ورغم أنني كنت أعرف الحقيقة تقريبًا
إلا أن سماعها بصوت واضح كان مختلفًا تمامًا.
كأن الجرح فُتح مرة أخرى أمامي.
أكملت بصوت متقطع
أبوك لم يكن يعرف التفاصيل كاملة في البداية لكنه بدأ يشك بعد فترة.
ثم بدأت تحكي لأول مرة بهدوء حقيقي.
في الليلة التي دخلتُ فيها غرفة العمليات كان أخوك في الطابق نفسه.
شعرتُ ببرودة ظهري.
أما هي فأكملت وهي ترتجف
حالتي كانت ميؤوسًا منها تقريبًا والأطباء قالوا إنني لن أعيش دون زراعة عاجلة.
سكتت لحظة طويلة.
وفي الليلة نفسها دخل أخوك المستشفى بعد .
اختفى الصوت من الغرفة.
حتى أنني توقفت عن التنفس للحظة.
قالت وهي تبكي
كان ما يزال حيًا
ثم أغلقت عينيها بقوة وكأنها لا تحتمل الكلمات.
لكن الطبيب المسؤول أخبر والدي أن فرص نجاته ليست كبيرة وأن توافق الأنسجة بيننا نادر بشكل شبه مستحيل.. وإذا تمت العملية ستنعدم فرصة نجاته.
شعرتُ بيدي تنقبضان ببطء.
رفعت عينيها نحوي أخيرًا.
وكان داخلهما رعب قديم لم يمت.
الطبيب هو من اقترح الأمر.
لم أفهم في البداية.
لكنها همست بعدها مباشرة
اقترح أخذ جزء من الكبد قبل إعلان وفاته رسميًا.
شعرتُ بالغثيان فورًا.
ونهضت من مكاني حتى الطاولة الصغيرة بقدمي.
ماذا؟
خرج صوتي مخنوقًا.
أما هي فبدأت تبكي بشكل أقوى.
أبي وافق
وضعت يدها فوق فمها وهي ترتجف.
كان مرعوبًا من ان يفقدني وكان مستعدًا لفعل أي شيء حتى لا .
شعرتُ أن الغرفة تدور حولي.
أخي
كان ما يزال حيًا.
تلك الفكرة وحدها كانت كافية لتمزيقي من الداخل.
أكملت وهي تبكي
بعدها تم التلاعب بالتقارير وأُعلن أسرع مما كان يجب.
لم أعد قادرًا على النظر إليها.
أما هي فأكملت بصوت محطم
والطبيب أخذ أموالًا ضخمة مقابل صمته ثم اختفى بعدها من المستشفى تمامًا.
شعرتُ وقتها أنني أختنق.
لأول مرة
لم أعد أرى ما حدث مجرد خطأ.
بل جريمة كاملة.
قالت وهي تمسح دموعها المرتجفة
وعندما بدأ أبوك يشك حاول والدي احتواء الأمر بالمال.
ضحكتُ فجأة دون إرادة.
ضحكة قصيرة ومكسورة.
لأنني استطعت تخيّل أبي بوضوح.
رجل بسيط بملابس مليئة بغبار البناء
وخلف عينيه خوف هائل على ابنه
ثم يأتي أحدهم ليضع المال أمامه وكأن طفلًا يمكن استبداله بورق.
قالت بعدها بسرعة وكأنها تخاف من شيء آخر
ثم والدك بعد ذلك بفترة في العمل
ورفعت عينيها نحوي فورًا.
لكن أقسم بالله لم يكن مدبرًا.
سكتت قليلًا ثم همست
أحيانًا الحياة تكون ظالمة بما يكفي دون مؤامرات.
تلك الجملة بقيت تدور داخل رأسي طويلًا.
لأنها كانت حقيقية بشكل .
أخي فعلًا بسبب ما فعله والدها.
هذه الحقيقة لم تعد مجرد شك.
لكن أبي
لم .
كان مجرد رجل فقير أتعبه الحزن والعمل والخوف حتى يومًا من فوق البناء وانتهى كل شيء.
وذلك كان موجعًا أكثر.
لأنني طوال سنوات كنت أبحث عن وحش واضح أكرهه
لكن الحقيقة كانت أقذر من ذلك.
رجل خائف على ابنته.
طبيب بلا ضمير.
وطفل فقير لم يكن أحد سيسأل عنه طويلًا.
ثم حياة كاملة انهارت بعدها وحدها.
سكتُّ طويلًا.
ثم سألتها فجأة
هل تكرهينه؟
ارتجفت شفتاها فورًا.
وكأن السؤال مزّقها من الداخل.
ثم همست بعد صمت طويل
كل يوم ثم أحبه من جديد.
تلك كانت أول مرة أفهم فيها حقيقة عذابها فعلًا.
بعد ذلك اليوم بدأت أراها بشكل مختلف.
خارج شكلها.
وخارج كلام الناس.
وخارج كل الإشاعات التي لاحقتها عمرها كله.
رأيت إنسانة تعيش داخل عقوبة مستمرة منذ سنوات.
كانت بالكاد تنام.
وتتناول أدوية نفسية منذ مراهقتها.
وأحيانًا كنت أسمعها تستيقظ مذعورة من بعد كوابيس لا تخبرني عنها.
وتشعر بالذنب حتى وهي تضحك.
كأنها تعتذر عن وجودها نفسه.
وفي المقابل
بدأت هي ترى عالمي الحقيقي لأول مرة.
رأت أمي وهي تختنق ليلًا بسبب ضعف تنفسها.
رأت البيت الضيق القديم.
رأت الرطوبة على الجدران.
ورأت كيف كنت أعود من العمل ويدي مليئتين .
وفي إحدى المرات
رأتني أغيّر ضمادة يدي بعد يوم طويل في البناء.
كانت واقفة عند باب الغرفة بصمت.
ثم اقتربت ببطء وهي تنظر إلى الجرح المفتوح قرب أصابعي.
وفجأة
بكت.
قالت وهي تحدّق في يدي وكأنها ترى شيئًا لا تحتمله
كل هذا ونحن كنا نعيش هناك دون أن نشعر بأي شيء.
لم أعرف ماذا أقول وقتها.
لأنني لأول مرة شعرت أن أحدًا من عالمها يرى عالمنا فعلًا.
ليس كحكاية حزينة يسمعها الناس ثم ينسونها
بل كشيء حقيقي يمكن لمسه.
ومنذ ذلك اليوم بدأت تزور أمي كثيرًا.
في البداية كانت أمي متحفّظة معها بشكل واضح.
تراقبها بصمت طويل.
وكأنها تحاول أن تقرر هل تكرهها أم تشفق عليها.
لكنها مع الوقت بدأت تراها على حقيقتها.
امرأة خائفة أكثر مما هي مؤذية.
وفي إحدى الليالي
سمعت أمي تسعل بقوة داخل غرفتها.
وقبل أن أتحرك
وجدتها تركض نحوها.
جلست بجانبها تساعدها على التنفس وترتب الوسادة خلف ظهرها بيدين ترتجفان.
ثم بقيت مستيقظة قربها حتى الفجر.
وفي الصباح
سمعت أمي تقول لها بصوت متعب
أنتِ لستِ أباكِ.
تجمّدت ملامحها بالكامل لحظة سماع الجملة.
ثم بدأت تبكي بصمت وكأن أحدًا فتح جرحًا قديمًا داخلها.
ومع مرور الأيام
بدأ شيء غريب يتغيّر بيننا.
لم يكن حبًا.
ولم يكن غفرانًا.
بل نوعًا من الفهم البطيء والمؤلم.
صرنا نتحدث أحيانًا لساعات طويلة.
عن الخوف.
عن الوحدة.
عن الشعور بأن الحياة بدأت بشكل خاطئ منذ البداية.
هي كانت تخاف من الناس.
وأنا كنت أخاف أن أقترب منها أكثر مما ينبغي.
لأن جزءًا داخلي كان ما يزال يرى أخي كلما نظرت إلى الندبة أسفل بطنها.
لكن أكثر شخص تغيّر
كان والدها.
بعدما عرف أنني عرفت الحقيقة كاملة
لم يحاول تهديدي.
ولم يحاول شراء صمتي أيضًا.
بل بدا وكأنه تعب أخيرًا.
صار أكثر هدوءًا.
وأقل ظهورًا.
حتى خطواته داخل البيت أصبحت أبطأ.
وكأنه يحمل داخله ثقلًا قديمًا بدأ مع العمر.
وفي إحدى الليالي طلب أن نتحدث وحدنا.
جلس أمامي طويلًا دون كلام.
وكانت تلك أول مرة أشعر فيها أن الصمت بيننا أثقل من أي شجار.
ولأول مرة
لم أرَ رجل الأعمال الذي يخافه الجميع.
رأيت أبًا عجوزًا فقط.
لكن ذلك لم يجعلني أنسى شيئًا.
ثم قال بصوت متعب
أعرف أنك تكرهني.
لم أجب.
فأكمل بعد صمت قصير
ولو عاد الزمن سأفعل الشيء نفسه مرة أخرى حتى لا ابنتي.
شعرتُ بالغضب يشتعل داخلي فورًا.
حتى أنني نهضت من مكاني .
حتى لو كان الثمن طفلًا آخر؟!
رفع عينيه نحوي ببطء.
ولم يدافع عن نفسه.
ولم يبرر.
قال فقط بصوت محطم
في تلك الليلة كنت مستعدًا أن العالم كله حتى لا ابنتي.
كرهته أكثر في تلك اللحظة.
لكني فهمته أيضًا بطريقة أرعبتني.
لأنني أدركت فجأة أن بعض البشر
لا يرتكبون أسوأ أفعالهم بدافع الشر
بل بدافع الحب حين يتحول إلى خوف أعمى.
ثم قال وهو ينظر إلى الأرض
بعض الآباء يتحول حبهم إلى أنانية دون أن يشعروا.
سكت قليلًا ثم أكمل
الطبيب قال إن أخاك لن يعيش غالبًا وتمسكتُ بهذه الجملة كأنها عذر.
تنفّس بصعوبة.
دفعت مالًا وأغلقت أفواهًا وأقنعت نفسي أنني أنقذ ابنتي فقط.
ثم رفع عينيه نحوي أخيرًا
لكنني في الحقيقة كنت عائلة كاملة حتى لا أخسر ابنتي.
تلك كانت أول مرة يعترف فيها بشيء بهذا الوضوح.
ليس أمام الناس.
ولا أمام الشرطة.
بل أمامي أنا فقط.
وبشكل غريب
لم أشعر بالراحة بعد اعترافه.
لأن الاعتراف لا يعيد .
ولا يجعل الطفل الذي قبل سنوات يفتح عينيه من جديد.
بعدها بأشهر بدأت بها تستقر بطريقة غريبة.
لا نحن زوجان طبيعيان.
ولا نحن غريبان.
شيء معلّق بين الاثنين.
أحيانًا نقترب كثيرًا
ثم يعود الماضي فجأة ليقف بيننا كجدار بارد.
وأحيانًا كانت تستيقظ من وهي تبكي بعدما ترى طفلًا صغيرًا في أحلامها يناديها.
وفي بعض الليالي
كانت تضع يدها فوق الندبة أسفل بطنها وتظل صامتة طويلًا وكأنها تسمع شيئًا لا أستطيع سماعه.
أما أنا
فكنت أرى أخي كلما نظرت إلى تلك الندبة.
أراه يركض في الحارة القديمة
ثم يختفي داخل غرفة العمليات إلى الأبد.
وفي يوم ممطر
كانت عائدة مع والدها من زيارة طبيبها النفسي عندما وقع على الطريق السريع.
سيارة فقدت السيطرة وسط المطر بهم .
أصيبت هي بجروح خفيفة
لكن والدها دخل العناية المركزة.
وعندما وصلتُ إلى المستشفى
وجدتها جالسة على الأرض قرب باب الطوارئ تبكي كطفلة صغيرة.
كانت ترتجف بالكامل وتكرر بصوت مخنوق
لا أريد أن
لا أريد أن أخسره
حتى الممرضات لم يستطعن تهدئتها.
وفي تلك اللحظة فقط
فهمت حقيقة كله.
هي لا تدافع عنه لأنه بريء.
ولا لأنها نسيت ما فعله.
بل لأنه أبوها.
الرجل نفسه الذي حياة عائلة كاملة
هو نفسه الرجل الذي كان يحملها بين ذراعيه كل ليلة خوفًا عليها وهي صغيرة.
وفي مجتمعاتنا
الأب يبقى شيئًا متجذرًا داخل القلب بطريقة مرعبة.
حتى حين يتحول إلى جرح.
وبعد ساعات طويلة خرج الطبيب وأخبرنا أن حالته استقرت.
رأيتها تنهار وقتها من شدة البكاء.
وكأنها كانت تحبس أنفاسها طوال الليل.
لكن غيّره فعلًا.
بعد خروجه من المستشفى
لم يعد الرجل نفسه.
صار أهدأ.
وأقل سيطرة عليها.
حتى صوته أصبح أخف.
وكأنه أدرك أخيرًا أن يقترب من الجميع مهما امتلكوا من مال ونفوذ.
وفي إحدى المرات
سمعته يقول لها بهدوء
عيشي حياتك لا تعيشي داخل خطئي أنا.
تجمّدت يومها من .
لأنها كانت أول مرة أراه يعترف، ولو بطريقة غير مباشرة، أن ما فعله لم يكن مجرد تصرف أب خائف
بل خطيئة تطارد الجميع.
أما هي
فبدأت تتعافى تدريجيًا.
ليس من الماضي
بل من كرهها لنفسها.
بدأت تخرج أكثر.
تزور أمي أحيانًا.
وتساعد بعض العائلات الفقيرة بسرية تامة.
وفي كل مرة كانت ترى طفلًا مريضًا
كنت ألاحظ ذلك الوجع القديم يمر داخل عينيها للحظة.
ولأول مرة منذ عرفتها
رأيتها تضحك دون خوف.
ضحكة حقيقية
ليست معتذرة.
أما أنا
فاكتشفت أنني لم أعد أبحث عن .
لأن لن يعيد أخي.
ولن يغيّر شيئًا مما حدث.
وأدركت متأخرًا أن الكراهية الطويلة تشبه حمل حجر ثقيل داخل الصدر لسنوات
دون أن أبدًا.
وفي النهاية
لم نبقَ معًا لأننا نسينا ما حدث.
ولم نبقَ معًا لأن الماضي اختفى فجأة وكأن شيئًا لم يكن.
بل لأننا، بعد كل ذلك الألم، أصبح كل واحدٍ منا يرى الآخر بوضوح لا يمكن الهروب منه.
هي لم تعد بالنسبة لي ابنة الرجل الذي عائلتي.
وأنا لم أعد بالنسبة لها أخو الطفل الذي بسببها.
صرنا شخصين يحمل كلٌّ منهما بقايا قديمة
ويحاول فقط أن يتنفس بعدها.
لم تتحول إلى قصة حب مثالية كما يحدث في الحكايات.
حتى بعد سنوات
كانت هناك لحظات صمت طويلة بيننا.
لحظات يعود فيها الماضي فجأة دون إنذار.
أحيانًا كنت أستيقظ ليلًا وأتذكر أخي
فأبتعد عنها دون أن أشعر.
وأحيانًا كانت تنظر إلى والدها بصمت بعد
ثم تبكي وحدها لأنها لا تعرف كيف تحبه وتغفر له في الوقت نفسه.
لكن رغم كل شيء
كان هناك شيء حقيقي ينمو بيننا بهدوء.
شيء يشبه الرحمة.
الرحمة التي تأتي بعد التعب الطويل
بعد أن يكتشف الإنسان أن الكره المستمر صاحبه أكثر مما الآخرين.
ومع مرور الوقت بدأت تتغيّر فعلًا.
لم تعد تختبئ داخل العباءات الواسعة طوال الوقت.
ولم تعد تخاف من نظرات الناس كما كانت.
بدأت تخرج أحيانًا مع أمي إلى السوق.
تساعدها في البيت.
وتضحك معها على أشياء بسيطة جدًا، وكأنها تحاول تعويض عمر كامل ضاع منها وهي خائفة.
حتى أمي
التي ظننت يومًا أنها لن تستطيع النظر إليها
بدأت تراها بطريقة مختلفة.
كانت تقول لي أحيانًا
البنت متعبة يا ابني الدنيا أكلتها وهي حيّة.
أما والدها
فبعد أصبح أهدأ بكثير.
لم يعد ذلك الرجل الذي يفرض سيطرته على الجميع بصوته ونفوذه.
صار يبدو كرجل عجوز يحمل ذنبًا أكبر منه.
وأظن أنه فهم أخيرًا أن المال يستطيع شراء الصمت أحيانًا
لكنه لا يستطيع شراء راحة الإنسان من نفسه.
لم يعترف بما فعله أمام الناس.
ولم تحدث فضائح كبيرة.
لأن كهذه كانت الجميع دون أن تعيد طفلًا منذ سنوات.
فبقيت الحقيقة محصورة بيننا
ثقيلة
ومؤلمة
لكنها حقيقية.
وفي أحد الأيام، بعد أشهر طويلة من الصمت والتردد، عادت هي إلى بيتنا نهائيًا.
ليس كزوجة جاءت لتبدأ قصة حب.
بل كإنسانة تعبت من الهرب.
وفي تلك الليلة تحديدًا
جلسنا على الشرفة القديمة لبيت أمي.
كانت عمّان هادئة بشكل غريب.
والهواء البارد يحرّك طرف حجابها بصمت.
ثم قالت فجأة
هل تعتقد أننا نستطيع أن نعيش بشكل طبيعي يومًا ما؟
نظرت إليها طويلًا.
ثم قلت
لا أعرف لكن ربما نستطيع أن نعيش بسلام.
ولأول مرة منذ عرفتها
ابتسمت دون خوف.
ابتسامة صغيرة جدًا
لكنها كانت حقيقية.
بعدها بوقت طويل
صرنا نخرج أحيانًا معًا دون أن نهتم بكلام الناس.
بعضهم كان ما يزال يهمس عندما يراها.
وبعضهم ينظر إليها بشفقة قديمة.
لكنها لم تعد تنكسر كما كانت.
وكأنها أخيرًا فهمت أن حياتها ليست ملكًا لنظرات الآخرين.
وفي صباح شتوي هادئ
كانت تسير بجانبي في أحد شوارع عمّان القديمة، بعباءتها السوداء الواسعة، بينما الناس يمرّون حولنا بشكل عادي جدًا.
باعة القهوة ينادون بأصوات مرتفعة.
ورائحة الخبز الساخن تملأ المكان.
والمدينة تمضي في حياتها كأنها لا تعرف شيئًا عن كل الألم الذي عشناه.
لا أحد كان يهمس عنها هذه المرة.
لا أحد ينظر إليها كأنها البنت التخينة المعيبة.
مجرد امرأة عادية
تمشي بهدوء بجوار رجل عادي.
وحين نظرت إليها وقتها
أدركت أخيرًا أن بعض لا تُبنى على الحب وحده.
أحيانًا تُبنى على النجاة.
على شخصين كسرتْهما الحياة بطرق مختلفة
ثم وجدا نفسيهما يحاولان الوقوف معًا وسط الخراب.
وربما
كان ذلك كافيًا.






