
طبق الفول.. وحساب السنين بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
اللحظة اللي طارق رفع فيها غطاء الحلة وسأل أمه ببساطة إنتي لسه عايشة كدة رغم ال 100 ألف جنيه اللي شيرين مراتي بتبعتهم لك كل شهر؟، في اللحظة دي، فيه حاجة جوا الحاجة نادية اتهدت تماماً.
لأنها في الثانية دي، استوعبت إن الفقر اللي كانت عايشة فيه السنة اللي فاتت مكنش نصيب وقدر، ولا كان قلة حيلة من الزمن.. كان غدر. والغدر ده كان واقف قدامها في المطبخ، على بعد خطوتين من البوتاجاز.
كان صبّاحية يوم العيد في حارة من حواري طنطا، والبرد كان بيدخل من شقوق الشباك الخشب كأن البيت مبني من الذكريات مش من الطوب. الحاجة نادية كانت صاحية من قبل الفجر، كالعادة، ركبها تعباها من الروماتيزم، وبالها مشغول بحاجة واحدة بس ابنها طارق جاي يزورها.
كنست السلم.. نفضت التراب من الأركان.. مسحت مفرش الطبلية البلاستيك اللي مرسوم عليه ورد ودبل لونه من كتر الغسيل. نورت اللمبة السهاري الصغيرة اللي بقالها سنين عندها، مش فرحة بالعيد، بس عِند في الحزن.
مكنش فيه لا ديك رومي.. ولا لحمة.. ولا حتى كحك وبسكويت طازه من الفرن. الحاجة الوحيدة اللي قدرت تحطها على النار هي شوية الفول اللي الجمعية الشرعية إدتهملها ليلة العيد، مع كيس رز صغير، وحتة جبنة، وباكو بسكويت شاي شالته للتحلية.
الفول كان بيغلي ببطء، مالي المطبخ بريحة الرضا اللي تشبّعك وفي نفس الوقت تكسر قلبك.
نادية لبست عبايتها الكحلي، العباية اللي شكلها لسه مستور لو محدش دقق في الأطراف الدايبة. سرحت شعرها بمية، عدلت صورة جوزها الله يرحمه على الحيطة، وحطت جنبه أحدث صورة لابنها وعيلته.
-
شجاعة ممرضةمنذ 7 ساعات
-
خفاشمنذ 7 ساعات
-
قرار جمهورىمنذ 7 ساعات
-
لم يحضر احد مناقشة الماجستيرمنذ 13 ساعة
طارق، بابتسامة خفيفة، ولابس بدلة غالية وساعة بتلمع. شيرين، مراته، رفيعة ومرسومة، بملامح تخليكي تحسي إنها قرفانة حتى وهي بتتصور. والحفيدين، لبسهم شيك لدرجة إنهم باينين كأنهم طالعين من إعلان تليفزيون.
عايشين في الشيخ زايد، في فيلا من اللي شبابيكها إزاز واصل للأرض، وأرضياتها مفيش فيها ذرة تراب، وسفرتها تشيل 12 فرد. في حين إن نادية قضت آخر 9 شهور وهي بتحشر قماش قديم
في حلق الشباك عشان البرد مايقسمش ضهرها وهي نايمة.
مكانتش بتشتكي. أو على الأقل، ده اللي كانت بتقوله لنفسها. كانت بتقول إن الضنا ليه حياته.. والأحفاد بيكبروا.. والمدن الكبيرة بتسرق الوقت. والأم اللي عندها أصل مابتشحتش الحنية ولا تطلب المساعدة كأنها حالة إنسانية.
كررت الكلام ده لنفسها لدرجة إنها صدقته.
الأسبوع اللي فات، طارق كلمها زي عادتهبسرعة، وهو مستعجل. قال لها إن عندهم عزومة عمل مهمة ليلة العيد وميقدرش يتأخر. بس وعدها إنه هيجيلها بدري يوم العيد الصبح. هيقضي اليوم معاها.
نادية مسكت في الوعد ده كأنها ماسكة في طرف توب بينقذها من الغرق. مسكت فيه عشان ماتفكرش إنها أكلت فتة فول لوحدها ليلة العيد والبيوت التانية كانت مليانة ضحك وعزومات.
العربية السوداء الفخمة وقفت قدام البيت الساعة 11 الصبح. ضخمة.. بتلمع.. شكلها غريب جداً في الحارة اللي الستات فيها لسه بيكنسوا قدام بيوتهم بمقشة جريد.
نادية جريت على الباب وهي لسه لابسة المريلة. أول ما شافت طارق نازلطويل، شيك، ريحة برفانه سبقت خطواتهقلب الأم عمل اللي دايما بيعمله، مهما كان مهجور. اتفتح على الآخر.
يا أمي! نادى عليها وحضنها. الحضن ده كان هيخليها تعيط. وراه، العيال جريوا عليها وحضنوا رجلها، وطلعت شيرين في الآخر، لابسة نظارة شمس رغم إن الجو غيم، وجزمة مفيش عليها عفرة تراب، وشنطة إيد تمنها ممكن يشتري عفش بيت نادية كله بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
إزيك يا طنط ، شيرين قالتها بابتسامة صفراء، ومالت براسها كأنها بتبوس الهوا بعيد عن وش نادية.
دخلوا البيت. ومع دخولتهم، دخل الكسوف. البيت كان تلاجة. الدهان مقشر. الكنبة مكسورة من جنب. والبيت كله كان باين عليه الفقر.
العيال قعدوا يتفرجوا باستغراب، وشيرين كانت بتبص للأوضة بنظرات فحصمش بتشوف، دي كانت بتقيّم.
نادية خدتهم للمطبخ. المطبخ أدفا، كدبت عليهم.
طارق قعد على الكرسي الخشب اللي والده كان بيقعد يقشر عليه برتقال زمان. شيرين ملقلعتش البالطو بتاعها حتى. فضلت واقفة بتبص في موبايلها، وصوابعها مليانة خواتم.
نادية عرضت عليهم قهوة بصوت فجأة بقى واطي وضعيف في بيتها. صبي لي يا أمي، طارق قالها. الريحة حلوة أوي.. عاملة لنا إيه؟بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
كانت لسه هترد. بس هو قام وراح للبوتاجاز. رفع غطاء الحلة وبص للي جواها.
في الأول ابتسم، كأنه لقى حاجة مكنش متوقعها. بعدين الابتسامة اتغيرت. بقت مرتبكة. مشدودة. وبعدين قال الجملة اللي شقلبت حياة أمه.
فول؟ سأل باستنكار. بعدين لف وبص لها.
يا أمي.. في البرد اللي في بيتك ده، إنتي بجد قادرة تعيشي بال 100 ألف جنيه اللي شيرين بتبعتهم لك كل شهر؟ ده المفروض يعيشوكي ملكة يغطوا أكلك، ودفاية، وحبذا لو جبتي واحدة تساعدك في البيت كمان!
نادية حست بوش في ودنها غطى على صوت غليان الفول. عينيها غيمت. المعلقة الخشب وقعت من إيدها على التربيزة بصوت قوي.
طارق كان لسه باصص لها، مش فاهم إنه لسه كاشف حاجة بشعة. شيرين رفعت عينيها ببطء من الموبايل. ملامحها اتغيرت حاجة بسيطة. بس كانت كفاية. كفاية عشان نادية تفهم.
فلوس إيه يا ابني؟ نادية سألت، والكلمة طلعت بالعافية.
طارق كشّر. الفلوس اللي بنبعتها يا أمي، قال بصوت مذهول. كل شهر. لمصاريفك. شيرين بتبعت لك التحويلات دي بقالها سنة وزيادة.
نادية هزت راسها ببطء. هزت راسها كأنها بتنكر حاجة أكبر بكتير من مجرد فلوس.
لأ يا ابني، همست. مفيش مليم جالي. لولا الشيخ عبد الحميد والجمعية الشرعية اللي بيبعتولي شنطة رمضان والعيد.. مكنتش عرفت آكل إيه.
السكوت اللي جه بعد الكلمة دي كان من النوع اللي بيغير العائلات للأبد. شيرين كانت واقفة في مدخل المطبخ، وشها بقى أبيض، والنظارة في إيدها.
طارق لف وبص لها. ونادية شافت وشه وهو بيتغير قدام عينيها. لخبطة.. شك.. وبعدين حاجة سودة أوي ظهرت في عينيه.
شيرين، قال بهدوء مرعب، فلوس أمي فين؟
ضحكت ضحكة صفراء كدابة. يا طارق، بلاش دراما أرجوك. طنط نادية أكيد مابقتش تركز وتايهة.
سألتك الفلوس فين؟
شيرين ربعت إيدها أنا عملت التحويلات اللي قلت لي عليها. لو مامتك مابتعرفش تدير الفلوس اللي بتجيلها، دي مش مشكلتي.
نادية رجعت خطوة لورا. كل كلمة من مرات ابنها كانت كأنها حجر بيتحدف في وشها.
طارق بص لأمه. وبعدين بص لمراته. ولثانية واحدة، شافت الشك في عينيه تجاهها هي أمه.
الشك ده وجعها أكتر من الجوع. أكتر من البرد. أكتر من الإهانة. حست إن حياتها كلها بقت في قفص الاتهام.
يا أمي، طارق قال بحذر، كأنه مش متأكد إنتي متأكدة؟ يمكن غيرتي الحساب أو نسيتي..
نسيتي. مقالش الكلمة التانية. بس الكلمة كانت واقفة معاهم في المطبخ.
خرفتي. عجزتي. تهتي. مالكيش لازمة.
الشك ده هو اللي أدى لنادية قوة لا الغضب ولا الكسوف قدروا يدوهالها. من غير ما تعلي صوتها، لفت، ودخلت أو,ضتها، فتحت الدولاب القديم اللي شايلة فيه ورق جوزها الله يرحمه، وطلعت دفتر التوفيرالدفتر اللي الشيخ عبد الحميد ساعدها تفتحه عشان ينزل فيه معاش السادات الصغير.
رجعت المطبخ وحطت الدفتر على المفرش البلاستيك جنب حلة الفول.
افتحه، قالت بجمود.
طارق فتحه. فرّ في الورق.
مفيش أي حاجة تانية. الرصيد الأخير كان يا دوب يكفي زيت وزيت وفول لأسبوعين لو صرفت بالمللي.
نادية حطت إيدها العروق فيها بارزة فوق الدفتر. صوابعها كانت ناشفة من الروماتيزم، وشكلها خشن أوي جنب إيد ابنها الناعمة اللي مابتعرفش غير مسكة القلم والكي بورد
طارق بيفرّ في الورق تاني، المرة دي ببطء، كأن الأرقام ممكن تتكسف على دمها وتتغير من مكانها.. بس مفيش حاجة اتغيرت. المعاش الهزيل بتاع الحكومة موجود، تبرع صغير من الجمعية الشرعية موجود، وشوية أرقام حزينة لمساعدة في تمن الدوا موجودة.. لكن ال 100 ألف جنيه اللي بيقول إنه كان بيبعتهم كل شهر بقاله سنة؟ كأنهم حتة من ألف ليلة وليلة، ملهمش أي أثر.
كنتِ قاعدة بتبصي لوشه وهو بيتغير في كل ثانية.. الصدمة كانت الأول، بعدها عدم التصديق، وبعدها اللحظة اللي وجعتك بجد.. لمحة شك صغيرة شفتيها في عين ابنك، كأنه بيسأل نفسه لثانية واحدة هي أمي كبرت وخرفت ونسيت الفلوس؟. الكلمة دي وجعتك أكتر من وجع الجوع اللي شفتيه الشهور اللي فاتت.
شيرين قالت بسرعة وهي بتحاول تلم الدور أكيد غلطة بنك.. أو يمكن طنط فتحت حساب تاني ونسيت. يا طارق، ده اللي كنت بحاول أقولهولك، هي مابقتش مركزة الفترة دي، السن
برضه له أحكامه.
لفيتي وشك وبصيتي لها بتركيز.. مبصتيلهاش كأنها مرات ابنك، ولا الست الشيك اللي ريحة برفانها ملت البيت المتواضع ده وخنقت ريحة التقلية.. بصيتي لها بصفتها الست اللي سابتك تاكلي فول بدمعة تحت شباك بيخر مية، وهي بتمثل إنها شايلة همك وخايفة لحسن تبردي في الشتا.
قلتِ بهدوء وانكسار أنا صحيح فقيرة يا بنتي.. بس لسه عقلي في راسي ومخرفتش.
المكان كله سكت. طارق قفل دفتر التوفير بخبطة قوية، وبص لمراته بصه لأول مرة يكون فيها فهم. مكنتش نظرة جوز لمراته، كانت نظرة راجل اكتشف إن فيه حد بيمثل الحنية وهو بيسرق لقمة أمه من قدامها بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
قال بصوت واطي ومرعب وريني التحويلات يا شيرين. شيرين محركتش شعرة إنت بتتكلم بجد؟ إنت هتعمل كدة هنا؟ قدام العيال؟
كأن العيال هما المشكلة.. كأن قلة الأصل مش هي الإهانة.. كأن أرضية المطبخ المكسرة وطبق الفول هما اللي كسفوها مش عملتها السودة. شفتي طارق وهو بيجز على سنانه، والشرر بيطير من عينه.
نادى على ابنه الكبير يا إبراهيم.. خد أخوك ياسين وادخلوا استنوني في الصالة. الواد الكبير وقف متردد، هو كبير كفاية إنه يفهم إن الكبار بيكدبوا لما بيبقوا هاديين زيادة عن اللزوم. ياسين الصغير كان ماسك عربية لعبة وبص لباباه ولأمه ولكِ، وهو مش فاهم حاجة. كنتِ هتطلبي من طارق يسيبهم، بس رجعتِ في كلامك.. لازم العيال يعرفوا الطمع شكله إيه قبل ما يتزوق ويلبس لبس شيك ويدخل حياتهم باسم الأهل.
أول ما العيال خرجوا، شيرين قلعت قناع الكنّة المطيعة اللي كانت لبساه سنين، وقالت بزهق ونفخة عملت اللي كان لازم يتعمل! إنت محسسني إني اشتريت يخت.. دي مصاريف البيت يا طارق.
طارق بصلها بذهول إنتي بتقولي إيه؟
رفعت راسها لفوق بتبجح، والوش الحقيقي ظهر.. مكنش فيه خوف، كان فيه عناد. وش الست اللي شايفة إنها صاحبة حق لدرجة إنها مابقتش شايفة بشاعة كلامها. قالت بحدة قلت إن أمك مش محتاجة كل الفلوس دي كل شهر! خليك صريح مع نفسك.. كانت هتصرفهم في إيه؟ هتجيب بيهم ملايات حرير
ولا جبنة مستوردة؟ دي ست عايشة لوحدها في أوضتين وصالة ومابتخرجش من باب البيت. في حين إننا عندنا عيال، ومظاهر اجتماعية، وتبرعات لذكرى جواز أهلك، ورحلات المدرسة لغات، ونادي..
طارق قاطعها بصوت كأنه طلقة أبويا ميت يا شيرين. الكلمة نزلت عليها زي القلم. شيرين بربشت بعينيها وقالت إنت فاهم قصدي. قال لها لأ.. أنا شكلي مكنتش فاهم حاجة خالص.
كنتِ واقفة جنب البوتاجاز، ساندة بإيدك على الرخامة لأن الدنيا بدأت تلف بيكِ. دخان الفول كان طالع بينكم كأنه شاهد على كل اللي بيحصل. افتكرتِ الشهور اللي فاتت كنتِ بتقسمي الحباية نصين، وتنامي بالشراب والجاكت عشان توفري في فاتورة الكهرباء والغاز، وبتمثلي إن العيش الناشف بتاع الجامع مكفيكي.. وكنتِ بتقولي لنفسك طار
ق ابني مشغول بس قلبه أبيض.
أبيض.. الكلمة دي طلعت ضعيفة أوي دلوقتي.
طارق فتح الدفتر تاني، مش عشان يشوف، لكن عشان يمسك أعصابه لا ينفجـ,ر. سألها وهو باصص في الورق كام يا شيرين؟ سكتت.. والسكوت كان هو الاعتراف. كام يا شيرين؟ انطقي!
نفخت بملل معرفش.. شوية راحوا لحساب البيت، وشوية لمصاريف مدرسة العيال، وشوية لرحلة الجونة عشان مكافأة الشغل بتاعتك مكنتش نزلت، وكان شكلي وحش أوي قدام صحباتي وإحنا بننزل ليفيل الأوتيل..
طارق رفع راسه فجأة رحلة الجونة؟ حدفت إيدها في الهوا يا سيدي جرا إيه! إحنا مابنتكلمش في ملايين، دي قرشين محطوطين لواحدة مكانتش تعرف أصلاً إنهم موجودين!
حسيتِ ببرودة في قلبك اللحظة دي.. مش من قسوتها، إنتي عرفتي قسوتها من أول يوم دخلت فيه مطبخك وبصت لحياتك بقرف. البرودة كانت من نفسك.. لما افتكرتِ إنك كنتِ بتدافعي عنها سنين وتقولي يمكن تعبانة، يمكن بنات البندر طبعهم كدة، ماتظلميهاش يا نادية يا بنتي. لكن الحقيقة إن الأذى كان قاعد معاكِ على نفس الطبلية سنين وهو مستني اللحظة دي.
طارق قام من الكرسي فجأة لدرجة إنه عمل صوت مزعج على الأرض قومي.. هنمشي حالاً. شيرين ضحكت بذهول نعم؟ إحنا لسه واصلين! قلت هنمشي!
إنت مش هتهزقني قدام أمك عشان خاطر الورق الهبل ده..
زعق فيها بصوت سكت ساعة الحيطة إنتي سرقتي أمي! صوته كان بيترعش من الغل. سبتيها عايشة بالمنظر ده وإنتي بتقوليلي كل شهر إنها بتقولك كتر خيرك وتسلم إيدك يا طارق!
هنا نفسك انقطع.. رفعتِ راسك بصدمة قالتلك إيه؟ طارق مقدرش يبص في عينك من الخزي.. كتافه نزلت لتحت وبان عليه الهم كل شهر يا أمي.. كانت بتقولي إنها حولت لك الفلوس. كانت بتقول لي إنك بكيتي من الفرحة أول مرة، وإنك مش عاوزاني أشيل همك، وإنك حلفتيها ماتقوليش قدامي عشان مكنتيش عاوزاني أصرف مبالغ زي دي عليكي..
غمضتِ عينك. المطبخ اختفى من قدامك.. وافتكرتِ كل مكالمة تليفون في السنة اللي فاتت. كل إزيك يا ماما؟ سريعة، وكل رد منك ب الحمد لله يا ضنايا ماتشغلش بالك. كل لحظة كنتِ فاكرة فيها إن بعده عنك ده مشاغل الدنيا، ومكنتيش تعرفي إنه كدبة متفصلة بالمللي من الست اللي واقفة قدامك دلوقتي وبتبصلك بمنتهى البجاحة كأنك إنتي اللي غلطانة.
فتحتِ عينك، لقيتي شيرين بتبصلك بحقد وغل أهو ده اللي كنت خايفة منه، خلط الفلوس بالأهل.. بقيت أنا الشريره
دلوقتي عشان مشيت أمور البيت بذكاء!
كنتِ خلاص هتضحكي.. ضحكة يأس. شيرين سرقت 100 ألف جنيه في الشهر من أم جوزها، ولسه شايفة نفسها ضحية ل مشاعرك المجروحة.
طارق لسه مخلصش كلامه.. ولسه المواجهة في أولها
طارق بصلها بنظرة غريبة، كأنها أول مرة يشوفها على حقيقتها، وقال بصوت خالي من أي مودة إنتي ممشيتيش الأمور بذكاء.. إنتي سرقتيها، نهبتي أمي يا شيرين بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
الكلمة نزلت عليها كأنها صدمة كهرباء، يمكن لأن طارق قفل الباب قدام أي تمثيل أو دلع. شيرين نخرت بتبجح وقالت بحدة ماشي.. أيوة أخدت جزء من الفلوس! لأني عكس أمك، أنا عايشة في الدنيا الحقيقية.. الدنيا اللي كل حاجة فيها بتمن، والمنظر الاجتماعي فيها بيفرق، والعيال محتاجين أكتر من مجرد طبق فول وشوية كلام عن الرضا والصبر.
دي كانت اللحظة اللي طارق انكسر فيها بجد.. مسك ضهر الكرسي بقوة لدرجة إن الخشب طقطق تحت إيده، وقال بصوت واطي ومخيف اطلعي بره مطبخ أمي.
شيرين وقفت مكانها مذهولة.. في ثانية واحدة، استوعبت إن الخناقة اللي كانت فاكرة إنها هتديرها وتسيطر عليها، خرجت عن السيطرة. دي مابقتش ناقرة ونقير بين راجل ومراته هيصالحها بكلمتين أو عزومة بره.. ده كشف حساب لضميرها. طارق واقف في المطبخ اللي شهد جوعه وهو صغير، وافتكر بالمللي يعني إيه تضحية، قبل ما يبقى غني ويشتري راحة باله ويسلم ضميره لغيره.
قالت بصوت فيه هدوء مصطنع يا طارق.. بلاش دراما، متبقاش أوفر. شاور لها على الباب بصباعه خدي العيال وانزلي على العربية.. حالاً.
لثانية واحدة، كنتِ فاكرة إنها هتعاند وتجرب سلاحها القديم؛ جمالها، شياكتها، طريقتها في إنها تبان هي اللي عاقلة ومظلومة.. لكنها شافت وشه وعرفت حاجة إنتي عارفاها كويس طارق مبيطلبش.. طارق بيأمر.
شيرين لفت ومشت من غير ولا كلمة. سمعتي صوت كعب جزمتها الغالي وهو بيخبط في الصالة، وبعدها صوتها وهي بتنادي العيال بنبرة فرحة كدابة. دقيقة والباب اتقفل وراهم. السكوت اللي سابته وراها كان تقيل.. كأن للهوا وزن.
طارق محركش شعرة.. وإنتي كمان. مفيش صوت غير غليان الفول على النار، وصوت موتور الثلاجة القديم وهو بيزيق بتعب. البيت حسيته صغر، بس بقى أنضف.. الكدب ليه ريحة خنقة، ولما بيخرج، النفس بيرجع تاني.
طارق لف وبص لكِ.. كان باين عليه الهدد.. مش عشان جوازه اللي بينهار بس، ده عشان النسخة اللي كان عايش بيها في عالم الأغنياء اتدمرت في مطبخك، وظهر من تحتها الولد الصغير اللي كان بياكل عيش وملح على الطبلية دي ويحلف إنه لما يكبر هيشيلك في عينه.
قال بصوت مبحوح يا أمي.. والكلمة اتقطعت في زوره. هنا مكنش ينفع تمسكي نفسك.. إنتي معيطتيش لما ستات الجامع كانوا بيدولك أكياس مكرونة صدقة. معيطتيش لما كنتِ بتنامي والفرن شغال عشان يدفي الشقة شوية. معيطتيش لما ركبك كانت بتوجعك لدرجة إنك بتقعدي على السرير عشان تلبسي الشراب بإيديكي الاتنين.. لكن ابنك وهو واقف قدامك، تايه كأنه عنده 12 سنة ومهموم كأنه عنده 60؟ ده اللي فتح الجرح بجد.
قعدتِ على الكرسي قبل ما
بص لفوطة المواعين في إيده ثانية طويلة وقال بصوت واطي إنتي إزاي لسه بتحميني من إني أبقى قاسي؟ ابتسمتِ عشان إنت ابني.. وده مش هيبطل يبقى حقيقة حتى لو خذلتني في يوم. دموعه نزلت تاني، مسحها بسرعة وكمل تنشيف الأطباق.
الصبح كان الجو برد أوي.. طارق صحي بدري، وقعد على طبلية المطبخ ومعاه نوتة بيكتب فيها سخان جديد.. سقف الأوضة يتصلح.. طلبات البيت.. تنظيم الحسابات.. مواعيد الدكاترة.. محامي. كان بيكتب كأنه بيبني جسر كان مهدود.
بصيتِ له من قدام البوتاجاز وقلتِ متحولنيش ل مشروع يا طارق. بص لكِ بسرعة ده مش كدة خالص.
ممكن يبقى كدة.. الشعور بالذنب بيخلي الواحد كريم زيادة عن اللزوم في الأول، وبعدين بيزهق. أنا مش عاوزه شهر واحد من الإنقاذ الدرامي، وبعدها سنة تانية من السكوت.
وفي يوم مطير، لقوا علبة سمنة قديمة فيها صور زمان. المطبخ اتقلب متحف لتاريخ أبوهم.
بابا كان فقير؟ إبراهيم سأل بصدمة حقيقية وهو شايف صورة طارق وعنده 9 سنين، هدومه قديمة بس ضحكته مالية وشه قدام تورته معمولة في البيت. طارق كان قاعد على الأرض وساند ضهره على الكنبة، رد قبل ما أتكلم فقير جداً يا إبراهيم.
ياسين بص في صورة تانية وسأل طيب ليه ماما كانت دايماً بتمثل إن الفقراء ناس مش نضاف؟ السؤال نزل كأنه حجر في ترعة هادية. طارق مكدبش ولا زوق الكلام، قال لهم بصدق عشان فيه ناس بيخافوا يبقوا زي الحاجة اللي بيحكموا عليها.. وساعات لما الناس بيبقى معاها فلوس، بيستخدموها غلط عشان يداروا خوفهم. العيال هزوا راسهم، وقبلوا الحقيقة بحتت صغيرة لحد ما يكبروا ويفهموها كلها.
في يوم سبت من شهر مايو، طارق جه لوحده. لابس جينز وقميص عادي، وشايل شنط الخضار والفاكهة في إيده، وباين عليه إنه بدأ يسيب المنظرة بعيد وهو جاي. عملت القهوة، وقعدنا نفصص بسلة سوا زي ما كنا بنفصص الفول زمان. قال لي فجأة يا أمي.. أنا قررت أسيب الشركة الكبيرة.
ده فاجئني أكتر من أي حاجة تانية.
ليه يا ابني؟ بص للبسلة في إيده وقال لأني قضيت سنين بعمل فلوس وسط ناس بيتكلموا عن قيم العيلة وهما سايبين أمهاتهم للمساعدين والسكرتارية. بعد اللي حصل هنا، بقيت بشوف حاجات كنت بسميها عادي. أنا مش عاوزه عيالي يكبروا فاكرين إن الراجل يبقى ناجح لو اشترى 10 بيوت وهو مش عارف أمه بردانة ولا لأ.
المطبخ سكت.. وقلت له وهتعمل إيه؟ ابتسم جالي عرض من شركة أصغر في المنصورة. فلوس أقل، بس وقت أكتر.. وهنقل السكن هناك، هبقى قريب منك ومن العيال. مردتش عليه فوراً لأن عيني دمعت.. والحياة علمتني إن دموع الفرح مش ضعف. هزيت راسي وقلت دي اللي تتسمى حياة يا ابني.
العيد اللي بعده كان مختلف.. مش مثالي، لأن الحياة مش فيلم سينما، والوجع مش بيتمسح بكلمتين. لسه فيه قضايا، ولسه فيه أوقات طارق بيبص لي ب ذنب بيوجعني. ولسه فيه أيام ركبي بتوجعني وبقول يا ريت أبوه كان عايش يشوف ابنه وهو بيرجع لأصله.
لكن.. الشبابيك مابقتش تزيق بالليل من البرد. المخزن مليان. الدفاية جنمب السرير. الحساب فيه فلوس بتدخل باسمي وبمعرفتي. إبراهيم وياسين زينوا الشجرة الكبيرة ومنوروها. الشيخ عبد الحميد جه اتعشى معانا وجاب الكحك تاني، بس المرة دي ك تحلية مش ك نجدة.
ولما طارق رفع غطا حلة الفول ، ابتسم بطريقة
تانية خالص.
إنتي اللي عملتيه؟
أمال مين يعني؟
وبالسجق كمان؟
جرا إيه يا ابني.. ما أنا بقى عندي خيارات دلوقتي! العيال هيصوا كأنهم بياكلوا ديك رومي.. والحقيقة إن طعم الرضا أحلى بكتير.
شيرين مكنتش موجودة.. الغياب ده وجعنا عشان العيال، بس الغياب ساعات بيبقى أنضف من السم اللي بيتحط على التربية. وإحنا قاعدين بنشرب القهوة، طارق مسك إيدي وقال أنا لسه مش قادر أسامح نفسي إني مكنتش عارف.
بصيت له كتير.. برا، الهوا كان بيخبط في الشبابيك المتصلحة.. وجوا، الدفا كان حقيقي. الدفا مش ديكور، الدفا كرامة وستر. قلت له مش لازم تقضي بقيت عمرك بتعاقب نفسك.. اقضيه وإنت واخد بالك.
هز راسه كأنه بيجمع دروس مش أعذار، وقال أنا كنت هخسرك وأنا فاكر إني برعاكي. ضغطت على إيده لأ يا حبيبي.. إنت كنت هتخسر نفسك.. والحمد لله إنك رجعت لها من باب مطبخي.
عرفت وقتها إن أسوأ حاجة شيرين سرقتها مكنتش الفلوس.. كانت الوهم إن الحب اللي بيتبعت من بعيد بيوصل لوحده. الحب مبيوصلش لوحده.. لازم حد يشيله بإيده ويوصله. القصة مكنتش عن طبق فول ولا عن 100 ألف جنيه.. القصة كانت عن اللحظة اللي الابن بص فيها لتربيزة أمه، وحيطانها، وشتاها.. وشاف الحقيقة.
كل حاجة اتغيرت في اللحظة دي.. مش عشان بقى غني.. عشان لأول مرة من سنين.. بقى موجود.
الكاتبة نرمين عادل همام
تمت







