عام

طفلة صغيرة

عرضت على مدير أمها 21 جنيه مقابل يوم راحة… اللي عمله بعدها كسر قلب كل اللي شافه “يا فندم… ممكن تسيب ماما ترتاح يوم واحد بس؟” الصوت الصغير طلع من آخر المحل الفخم. كان هادي لدرجة إنه تقريبًا اختفى وسط الموسيقى الهادية… وصوت الحركة… وريحت الجلد الجديد. محل ريڤاس للأحذية كان في منطقة راقية… كل حاجة فيه بتلمع:

 

مقالات ذات صلة

فاترينات زجاج.
أرضيات رخام.
جزم أسعارها أكتر من إيجار ناس كتير.

كل حاجة متصممة تبان مثالية.

حتى أمل.

واقفة ورا الكاونتر… بتبتسم للزبائن كأن جسمها مش بيصرخ من التعب.

عندها 30 سنة.

شعرها مربوط بإحكام… رسمي بيخبي حاجات

محدش المفروض يشوفها:

من الوقوف طول اليوم.
هالات تحت عينيها مخبية بالمكياج.
خفيفة في إيديها من الإرهاق.

بالنهار… بتبيع جزم غالية.
وبالليل… بتخيط لحد الفجر.

ودايمًا…

أم لوحدها عشان تعيش.

في الورقة:

بنت صغيرة ماسكة إيد ست.

البنت ملونة…

لكن الست باهتة.

لمى بصّت لأمها…

وشافتها وهي بتنزل تجيب علبة تقيلة.

وشافت الألم في وشها…

وبعدين شافت الابتسامة اللي بعدها… كأن مفيش حاجة.

في اللحظة دي…

لمى قامت.

دخلت المكتب من غير ما تعرف إنه.

ورا مكتب كبير…

كان قاعد كريم ريڤاس—صاحب الشركة.

35 سنة.

بدلة شيك.

وعيون باردة.

راجل متعود الكل يسمع كلامه.

ما شافش طفلة خائفة…

شاف .

“إنتي مش مفروض تبقي هنا.”

لمى طلعت من جيبها شوية عملات وورقة مكرمشة.

ومدتهم بإيديها:

“أنا معايا فلوس قليلة… بس هاخدها لو خليت ماما ترتاح يوم واحد بس.”

كريم بص على الفلوس…

وبعدين عليها.

“مين مامتك؟”

“أمل…” قالت
“ضهرها بيوجعها… ومابتنامش… وبتخيط كتير… امبارح نامت على الماكينة، وأنا حطيت مخدة تحت راسها.”

وشه ما اتغيرش.

لمى همست:

“يا فندم… لو فضلت تشتغل كده…

المكتب سكت تمامًا.

بس كريم ما اتهزش.

“مين سمح لطفلة تدخل هنا؟!” قال بعصبية.

أمل سمعت صوته…

وقلبها وقع.

جريت على المكتب وهي :

“أنا آسفة جدًا يا فندم… كان ظرف طارئ… الجارة ماقدرتش تقعد معاها… مش هتتكرر.”

كريم وقف:

“أنا مشغّلك عشان تمثلي البراند… مش تحولي المكان لحضانة.”

“فاهمة…”

“الزبون بيدفع مقابل الكمال… مش مشاكل شخصية.”

أمل وطّت راسها وخبّت إيديها المتعورة:

“حاضر يا فندم.”

لمى رسمةها:

“بس ماما بتتعب أوي…”

“يلا يا لمى…” أمل قالت بخوف.

كريم فضل يبص عليهم…

وهم ماشيين.

لاحظ حاجة لأول مرة:

هي مش ماشية مكسورة…

هي ماشية بتحارب عشان ما تقعش.

تاني يوم…

فتح ملفها عشان .

السبب واضح:

طفل في الشغل.
مخالفة.
أداء متراجع.

بس لما دخلت عليه…

وشها شاحب…

وشاف على ضماد إيدها…

قال:

“أمل… بخصوص امبارح…”

شدّت نفسها:

“لو سمحت ما تفصلنيش… أشتغل أكتر… مش محتاجة راحة…”

كريم اتفاجئ:

“أنا مش بفصلك.”

بصّت له باستغراب.

“خدي بكرة إجازة.”

الخوف ظهر فورًا:

“لا! لو غبت هيتبدل مكاني… لو ارتحت هخسر… ولو خسرت الشغل هنتطرد… بنتي محتاجة دوا… أنا أقدر أشتغل…”

وساعتها…

انهارت..

مش شفقة…

عياط حد شايل الدنيا بإيد مجروحة ومش قادر يكمل.

كريم قفل الملف بهدوء:

“إجازة مدفوعة.”

أمل اتجمدت:

“بجد؟”

“آه… خدي بنتك… روحي الحديقة… نامي… ارتاحي.”

خرجت مش فاهمة ده معجزة… ولا فخ.

بعد الضهر…

كريم ساق عربيته من غير هدف.

لحد ما وصل جنب حديقة.

وشافهم.

أمل نايمة على الدكة… وحاضنة بنتها حتى وهي نايمة.

ولمى قاعدة جنبها بهدوء… بتقرا.

كأنه فاهمة إن راحة أمها حاجة مقدسة.

كريم قرب بهدوء…

ولمى أول ما شافته، كان لسه هتتكلم—

“ششش…” قال لها.

وشال الجاكيت بتاعه وحطه عليها.

وساب جنبهم شوكولاتة وعيش حلو.

ورجع عربيته…

وفجأة…

ذكريات .

أمه.

كانت بتخيط لحد الفجر…

ضهرها مكسور…

إيديها مجروحة…

اليوم اللي وقعت فيه على الماكينة وهو عنده 13 سنة ومقدرش يساعدها.

حط راسه على الدركسيون:

“أنا بنيت نفس الحاجة اللي …”

ولأول مرة من سنين…

في المكان ده….

بس اللي عمله تاني يوم…

كان هيغيّر حياة أمل ولمى للأبد.

ومش كل الناس في شركته…

كانوا مستعدين يقبلوا ده.
عاد كريم إلى مكتبه في اليوم التالي، لكنه لم يعد ذلك الرجل “الآلي” الذي يحسب كل شيء بالأرقام. كان وجه أمه وهي تنام على ماكينة الخياطة يطارده في كل ركن. استدعى مدير الموارد البشرية، ومدير الفرع الذي تعمل به أمل.

“أمل السعدني،” قال كريم وهو ينظر للملف، “الست دي بتشتغل هنا بياعة، وبالليل بتخيط لحسابها عشان تكفي مصاريف بنتها. إزاي إحنا كشركة كبيرة مش عارفين إن عندنا مواهب زي دي؟”

المدير ارتبك: “يا فندم، إحنا بنهتم بالأداء في الصالة بس، حياتها الشخصية مش شغلنا.”

كريم المكتب بيده: “لا، شغلنا! من اللحظة دي، أمل السعدني مش بياعة. أمل هتتنقل لقطاع التصميم والجودة. الست اللي بتخيط للفجر عشان تعيش، أكيد بتعرف في تفاصيل الجلد والخياطة أكتر من أي حد قاعد ورا مكتب.”

المواجهة في صالة العرض

في اليوم التالي، رجعت أمل للشغل وهي ، فاكرة إن “كريم بيه” غير رأيه وقرر يرفدها. كانت واقفة بتمسح فاترينة العرض وإيدها ، لما دخل كريم ومعه وفد من المديرين.

توقفت أمل عن العمل ونكست رأسها: “أنا جاهزة للشغل يا فندم.. وآسفة لو الإجازة

عطلت حاجة.”

كريم قرب منها، وبص لـ لمى اللي كانت قاعدة في المخزن بتراقب من بعيد. نادى على لمى، البنت جت وهي خايفة، فطلع كريم من جيبه الـ 21 جنيه والورقة المكرمشة ورجعهم لها.

“يا لمى، الـ 21 جنيه دول قيمتهم عندي أكبر من ملايين الشركة دي كلها،” قال كريم بصوت مسموع لكل الموظفين والزبائن. “والدتك مش هتاخد يوم راحة واحد.. والدتك هتاخد راحة من ‘الوقفة’ دي طول العمر.”

التفت لأمل وقال: “أنتي من النهاردة (مراقبة جودة وتصميم) في قسم الجلود. مكتبك هيكون في الدور الإداري، ومرتبك هيتضاعف 4 مرات. وقررت كمان إن الشركة تفتح (حضانة نهارية) في المبنى لكل الموظفات اللي ظروفهم زيك، عشان مفيش طفلة تضطر تستخبى في مخزن تاني.”

المؤامرة المرتدة

طبعاً، القرار ده معجبش “نادر”، نائب المدير، اللي كان شايف إن كريم “ضعف” وإن الشركة مش جمعية خيرية. نادر حاول يجمع توقيعات من باقي الشركاء عشان يعترضوا على القرار ويحرجوا كريم، بحجة إن أمل “غير مؤهلة” تعليمياً للمنصب ده.

في اجتماع مجلس الإدارة، وقف نادر وقال بثقة: “يا كريم بيه، البراند بتاعنا عالمي، مينفعش واحدة (خياطة) تمسك قسم الجودة، دي إهانة لتاريخنا!”

كريم بص له ببرود وطلع “شنطة قماش” قديمة وحطها على التربيزة. “الشنطة دي فيها

قميص، أنا اشتريته من (أمل) بالصدفة من خلال وسيط امبارح. القميص ده فيه غرز خياطة وتفاصيل، الماركات اللي بنتعامل معاها في إيطاليا مبيعرفوش يعملوها.”

فتح القميص، والكل ذهب من دقة الشغل وجماله. “أمل مش بس مؤهلة، أمل هي (الأصل). وإذا كان حد فيكم شايف إن مساندة الناس (ضعف)، يبقى مكانه مش في شركتي.”

نهاية الوجع وبداية الحلم

أمل استلمت وظيفتها الجديدة. لأول مرة من سنين، ضهرها مكنش بيوجعها. بقت تقعد على مكتب، وتشوف بنتها لمى بتلعب في الحضانة اللي تحت مكتبها بالظبط.

في يوم، كريم دخل عليها المكتب لقاها بتصمم حذاء صغير جداً، لونه وردي.

“ده لمين يا أمل؟” سألها بابتسامة.

ردت والدموع في عينيها: “ده لـ لمى.. أول مرة أعمل لها حاجة وأنا مش مستعجلة، وأنا مش خايفة من بكرة.”

لمى قامت وجريت على كريم، رجله وقالت له: “شكراً إنك مخليتش ماما تختفي.”

كريم وطى وباس راسها، وحس إن الـ 21 جنيه دول كانوا “تمن” رجوعه لإنسانيته اللي ضاعت وسط الأرقام والفلوس. القصة مخلصتش عند ترقية، القصة بدأت لما الطفلة الصغيرة علمت الملياردير إن “الراحة” مش رفاهية، دي حق.. وإن القلوب اللي بتشيل الوجع بسكات، هي اللي بتستاهل أحسن عوض في الدنيا.

وأمل؟ أمل بقت من أشهر مصممين الأحذية في المنطقة، وحكايتها

بقت ملهمة لكل ست بتحارب لوحدها، وبقت دايماً تقول: “رزقي جالي بدعوة بنتي.. وجبر خاطري جه من راجل عرف يشم ريحة تعب أمه في عرق إيدي.”

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى