عام

رفض اهلي دفع مصاريف

أمي، نادية المنصوري، كان عندها دايمًا عشق غريب للجمهور…
أول حاجة لاحظتها وأنا داخلة قاعة الفرح الفخمة في القاهرة الجديدة ما كانتش الورد الأبيض المستورد، ولا النجف الكريستال، ولا الحرير الغالي اللي مغطي الجدران…
كانت هي.
واقفة في نص القاعة… بتجمع الانتباه حواليها كأنها نجمة العرض.
ابتسامتها متقنة… لكن عينيها فاضية.
كنت عارفة إنها مش هتفوّت فرصة زي دي.
ما شفتهمش بقالـي 9 سنين.
9 سنين من الصمت…
غير شوية كلام يوصلني من بعيد، أو دعوة الفرح الرسمية اللي وصلتني أخيرًا.
افتكرت أرميها…
لكن احتفظت بيها.
مش علشان أفرح…
علشان أعرف: هل اتغيروا؟
أول 3 دقايق… جاوبتني.
دخلت القاعة ببدلتي العسكرية.
ما لبستش مدني…
لأنها كانت درعي.
الأزرار بتلمع… النياشين بتحكي قصص… أماكن ناس كتير في القاعة ما يعرفوش حتى يشيرو لها على الخريطة.
الناس بدأت تبص…
وأمي حسّت.
لفّت…
ابتسمت…
وبعدين… أول ما شافتني، ابتسامتها اتجمدت.
بصّت من جزمة البوت لحد وشي…
وباحتقار قالت بصوت عالي: “إيه اللي جابك هنا؟ واحدة عسكرية زيك بتبوّظ الشكل!”

ضحكوا…
ضحكة ضعيفة…
ضحكة ناس خايفة تبقى الهدف الجاي.
أبويا سكت.
كعادته.
أختي ميار اتجمدت جنب التورتة الضخمة…
ابتسامتها كانت على وشك تتكسر.
لكن العريس…
كان بيبص لي أنا.
مباشرة.
عينه على اسمي: “سارة المنصوري”
وأخد نفس حاد… كأنه اتخبط.
وفجأة…
“كفاية!”
صوته قطع القاعة كلها.
الموسيقى وقفت.
الناس سكتت.
أمي حاولت تسيطر: “دي بنتي الكبيرة… بتحب تعمل مشاهد…”
لكن هو تجاهلها.
وقرب ناحيتي…
وقال: “إنتوا عارفين دي مين أصلاً؟!”
أمي ضحكت بسخرية: “طبعًا… بنتنا اللي هربت علشان مش قد المسؤولية.”
هنا…
صوته اتغير.
بقى أخطر.
أهدى… لكن مرعب.
وقال: “لو ما كانتش نزلت في الطين… أنا كنت ميت دلوقتي.”
الصمت ساعتها…
كان تقيل.
مش مجرد سكوت…
كان صدمة.
أبويا أخيرًا اتكلم: “إيه الكلام ده يا كريم؟”
أختي حاولت تمسكه: “كريم… كفاية…”
لكن هو بعد إيدها.
وقال: “أنا بحاول أفهم… إزاي تهينوا قدام الناس… الشخص اللي أنا مديون له بحياتي؟!”
كلهم سكتوا.
وبدأ يحكي…
“كنت في أفغانستان…
هجوم مفاجئ… انفجار ضخم…
العربية بتاعتي اتقلبت…
كنت محبوس… رجلي

مقالات ذات صلة

متكسرة… ودمي بينزف…”
صوته بدأ يهتز…
“كنت بموت… حرفيًا.”
بصّ لي…
وقال: “وهي… دخلت النار علشاني.”
القاعة كلها كانت بتسمع.
ولا نفس بيتاخد.
“كسرت الزجاج… سحبتني… ربطت الجرح… فضلت معايا في التراب…”
“كانت بتكلمني… علشان ما أفقدش الوعي…”
“لحد ما الإسعاف وصل.”
وبعدين بصّ لهم…
بنظرة كلها احتقار:
“أنا عايش بسببها.”
أختي وشّها اتغير…
مش صدمة…
لا.
ذنب.
هو لاحظ.
وقال: “إنتِ كنتي عارفة… صح؟”
هي بدأت تعيط: “أنا… كنت فاكرة مجرد قصة… ما ربطتش…”
لكن الحقيقة كانت واضحة.
هي كانت عارفة… وسكتت.
قال بصوت مكسور: “أنا بقالي سنتين بحكي عن البنت اللي أنقذتني…”
“ولا مرة قلتوا لي إنها أختكم؟!”
أمي فقدت أعصابها: “إنت بتبوّظ فرحك بسبب دراما قديمة!”
هو ضحك…
ضحكة باردة:
“أنا فاهم كفاية… فاهم إن أنضف إنسانة هنا… اتعاملت كأنها ولا حاجة.”
وبعدين…
فكّ ربطة عنقه.
الناس شهقت.
أختي مسكته: “إنت بتعمل إيه؟!”
بصّ لها…
وقال:
“أنا مش هتجوز في العيلة دي.”
كل حاجة انهارت.
أمي بتصرخ…
أختي وقعت تعيط…
أبويا بيحاول يسيطر…
والناس بتصور…
أما أنا؟

مشيت.
خرجت من القاعة…
والهوا كان أنضف بكتير.
سمعت صوت ورايا: “يا كابتن!”
لفّيت…
كان كريم.
وقف جنبي وقال: “إنتِ ما كنتيش مضطرة…”
قلت له بهدوء: “ولا إنت.”
سكت شوية…
وقال: “أنا مدين لك… مش بس بحياتي… بسكوتي اللي ما استحملتوش النهارده.”
بعدها…
كل واحد راح في طريقه.
بعد 3 أسابيع…
أبويا كلّمني.
قال إنه ندمان…
وإنهم كانوا شايفين إني قوية زيادة…
وإن أختي “كانت محتاجة دعم أكتر”.
نفس التبرير القديم…
بشكل جديد.
قال إنه هيبعت فلوس…
تعويض.
خدتها…
بس ما صرفتهاش عليا.
عملت بيها منحة…
لبنات زيي…
اتقال لهم “اعتمدي على نفسك”…
وهم كانوا في الحقيقة متروكين.
وسمّيتها باسم واحدة من زمايلي…
مش باسم عيلتي.
بعدها بشهور…
وصلني جواب من كريم:
كتب إنه ساب أختي…
وتبرع للمنحة.
وفي الآخر كتب:
“شكرًا إنك ما سيبتنيش… لا في الحرب… ولا في الفرح.”
احتفظت بالجواب.
جنب الأول.
هل ندمت إني روحت الفرح؟
أبدًا.
ما كسبتش عيلة…
لكن كسبت حاجة أهم:
الدليل.
إن اللي حصل… كان حقيقي.
وإن قيمتي…
ما ينفعش حد ينكرها.
أمي سألتني: “إيه اللي جاب واحدة

عسكرية زيك هنا؟”
الإجابة كانت بسيطة:
رجعت… بس علشان أخليهم يشوفوا حقيقتي.
وبعدها…
مشيت.
المرة دي…
من غير ما أسيب ورايا أي حاجة.

تمت حكايات محمد عبده

شارك

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى