عام

غرفة الولادة

شهدت إحدى غرف الولادة حالة غير معتادة، بعد.ما وضعت سيدة شابة مولودًا بصفات جسدية غريبة، ما تسبب في حالة ذهول بين الطاقم الطبي واللحظة التي كان يُفترض أن تكون سعيدة تحولت سريعًا إلى موقف صاد.م لم يكن أحد مستعدًا له. كانت الأضواء البيضاء ثابتة في السقف، تنشر إضاءة باردة على المكان، بينما كانت جولي منهكة تمامًا، تتنفس بصعوبة، وجسدها مرهق بعد ساعات طويلة من الألم.

كانت تمسك بحواف السرير بقوة دون وعي، كأنها تتشبث بشيء ثابت، بينما جلست والدتها بجانبها تمسك يدها، وتهمس بكلمات تهدئة رغم القلق الواضح.
لم يتبقَّ سوى القليل، أنتِ على وشك الانتهاء.
لكن جولي لم تكن تستمع جيدًا، كان تركيزها منصبًا على حركة الأطباء والممرضات، الذين عملوا بسرعة، إلا أن نظراتهم المتبادلة لم تكن طبيعية تمامًا.
كانت هناك لحظات صمت قصيرة، ونظرات سريعة تتكرر بينهم، كأن هناك أمرًا غير مفهوم، أو شيئًا لا يرغب أحد في قوله بصوت مسموع.
بمجرد انتهاء الولادة، ساد صمت غريب في الغرفة، صمت غير مريح وثقيل، وكأن جميع الموجودين لاحظوا الشيء ذاته في اللحظة نفسها دون تفسير واضح.
رفعت جولي رأسها بصعوبة، تحاول قراءة وجوههم، وقالت بصوت ضعيف بالكاد يُسمع، بعد مجهود كبير واستنزاف واضح في طاقتها.
أريد أن أراه.
ترددت الممرضة لحظة، ثم اقتربت وهي تحمل الطفل، وكانت حركتها أبطأ من المعتاد، وكأنها تحاول التماسك قبل أن تقترب أكثر.
ما إن نظرت جولي إليه حتى شهقت دون وعي، لأن ما رأته لم يكن يشبه أي طفل رأته من قبل طوال حياتها.
كان مولودها مغطى بشعر واضح وكثيف، ليس الزغب الخفيف المعتاد، بل شعر داكن وخشن، يمتد على كتفيه وصدره وجزء من ظهره.
لم يكن وجهه واضحًا بالكامل، لكن عينيه كانتا مفتوحتين، ثابتتين بشكل غير مريح، ونظرته

مقالات ذات صلة

مباشرة وحادة، كأن فيها وعيًا يتجاوز عمره.
وضعت والدتها يدها على فمها فورًا، ولم تستطع إخفاء رد فعلها، فخرجت منها كلمة واحدة بشكل تلقائي، تعبر عن صد.مة حقيقية.
يا إلهي…
في اللحظة نفسها، تراجعت إحدى الممرضات للخلف واصطد.مت بصينية أدوات، فسقطت منها أداة معدنية على الأرض بصوت حاد كسر الصمت فجأة.
فُتح الباب بسرعة، ودخل إيثان وهو يلهث، أنفاسه متسارعة، وعيناه تتحركان بقلق بين جولي والطفل، في إشارة واضحة إلى وصوله على عجل.
أنا هنا… هل هو بخير؟
حاولت جولي التحدث، لكن صوتها لم يخرج، فاكتفت بالنظر نحو الممرضة، التي استدارت نحوه وعرضت عليه الطفل دون أن تنطق بكلمة.
تباطأت خطواته، ثم توقف فجأة، وتغيرت ملامحه بشكل واضح، واختفى اللون من وجهه تدريجيًا وهو يستوعب ما يراه أمامه.
ما هذا؟
قالها بنبرة حادة، لم تكن سؤالًا بقدر ما كانت رفضًا وعد.م تصديق، وكأنه غير قادر على ربط ما يراه بأي تفسير منطقي.
نظرت إليه جولي بقلق، وقالت بصوت مرتجف، محاولة التمسك بأي شعور طبيعي بينهما رغم انهيار كل شيء حولها.
إيثان…
تراجع خطوة إلى الخلف، وارتفع صوته قليلًا جولي… ماذا حدث؟
إنه ابننا.
هز رأسه فورًا وقال لا، هذا ليس ابني… ما هذا أصلًا؟
حاول الطبيب التدخل بهدوء الطفل حالته مستقرة
قاطعه بسرعة لا يهمني ذلك، ما أراه أمامي ليس طبيعيًا.
تقطعت أنفاس جولي، وجسدها لا يزال مرهقًا من الولادة، وقالت بصوت منخفض يكاد يختفي
لا تقل ذلك…
نظر إليها بعد.م تصديق لا أقل ذلك؟ هل ترين هذا طبيعيًا؟ انظري إليه جيدًا.
أنا أنظر… إنه ابني.
قال بنبرة أكثر حدة إذًا أخبريني من والده الحقيقي.
صمتت لحظة، ونظرت إليه بذهول، ثم قالت
أنت والده.
هز رأسه رافضًا، وبدأ يتراجع نحو الباب لا أفهم ما يحدث، لكنني لن أستمر في شيء كهذا.
إيثان، انتظر.
لا.
قالها بحسم، نظر إلى الطفل مرة أخيرة، ثم إلى جولي بنظرة تحمل رفضًا واضحًا، واستدار وغادر، وأغلق الباب خلفه بقوة.
سقطت جولي على السرير، وجسدها يرتجف بالكامل، لكنها لم تستطع الحركة أو الكلام من شدة الصد.مة.
أصدر الطفل صوتًا خافتًا، أشبه بأنين صغير، فتقد.مت الممرضة بهدوء، ووضعته بين ذراعي جولي بحذر شديد.
في البداية لم تستجب، ثم بدأت ذراعاها تتحركان ببطء، وتلتفان حول جسده الصغير، وكأنها تستوعب وجوده تدريجيًا رغم كل شيء.
شعرت بدفئه ووزنه ونبض قلبه المنتظم، فانسابت د.موعها، ليس من الخوف أو التعب، بل من إحساس أعمق لا يمكن تفسيره بسهولة.
فتح الطفل عينيه مرة أخرى، ونظرت إليه جولي، وللحظة لم ترَ الفراء، ولم تلاحظ نظرات الممرضات أو أثر رحيل إيثان، بل رأت فقط ابنها.
انحنت نحوه ببطء، وطبعت قبلة خفيفة على جبينه الصغير، وكأنها تحاول تثبيت هذه اللحظة في ذاكرتها رغم كل ما يحيط بها من اضطراب.
سأعتني بك.
أصدر صوتًا خافتًا، بينما تحركت يده الصغيرة حتى أمسكت بطرف ثوبها الطبي، وتشبثت به، فانهارت جولي باكية دون محاولة لإخفاء مشاعرها.
خارج الغرفة، استمرت الحياة بشكل طبيعي، لكن داخلها بدأ عالم جديد، ليس كما خططت له، ولا كما تخيلته، بل عالم حقيقي وقاسٍ، لكنه عالمها.
قبل أن ينهار كل شيء، وقبل أن يضيق عالمها ليقتصر على جدران غرفة الولادة والصمت الذي تركه إيثان خلفه، تذكرت جولي لقاءاتهما الأولى في قاعة المحاضرات، ونظرات سريعة كانت تتكرر دون كلام، لكنها كانت كافية لخلق رابط لم يتمكن أي منهما من تجاهله.
كانا يتشاركان أكواب قهوة رديئة في الحرم الجــ ـامعي، ويقضيان ليالي طويلة في الدراسة داخل المكتبة، حيث تلامست أصابعهما صدفة تحت الطاولة.
وكان كل منهما يتظاهر بأن تلك اللحظات لا تعني شيئًا، رغم أنهما كانا يدركان في أعماقهما أنها تعني كل شيء بالفعل.
التقت جولي بإيثان خلال عامها الثاني في الجــ ـامعة، وكان هادئًا بطبعه، طموحًا، ومركزًا على مستقبله بطريقة لفتت انتباهها منذ البداية.

أعجبت بإصراره، وبالطريقة التي كان يتحدث بها عن بناء حياة مختلفة، أكبر وأفضل من تلك التي نشأ فيها داخل ظروف بسيطة وصعبة.
كان يحمل عبء تغيير واقعه على عاتقه، وكأنه المسؤول الوحيد عن ذلك، وفي البداية شعرت جولي أنها محظوظة لكونها جزءًا من حياته.
بعد التخرج، انتقلا للعيش معًا في شقة صغيرة بغرفة واحدة في أطراف المدينة، وبدأ كل منهما حياته العملية بخطوات متواضعة.
حصلت جولي على وظيفة في شركة تصميم محلية، بينما عمل إيثان في مجال المبيعات داخل شركة تقنية ناشئة، وكان يعود إلى المنزل متأخرًا معظم الأيام.
رغم تعبه، كان دائمًا يتحدث عن المستقبل، يرسم خططًا وأفكارًا على المناديل أثناء العشاء، ويصف حياة لم يصل إليها بعد لكنه كان مصممًا عليها.
كانت جولي تستمع إليه، تبتسم، وتدعمه بصمت، معتقدة أن هذا هو ما يفعله الحب، أن تكون حاضرًا حتى عند.ما لا تكون الأمور واضحة.
لكن مع مرور الوقت، ومع سعيه المستمر نحو النجاح، بدأ يبتعد عنها تدريجيًا، دون أن يلاحظ أو يعترف بذلك بشكل مباشر.
أصبح أكثر توترًا ونفاد صبر، خاصة عند.ما لم تستطع مجاراته في سرعته، بينما كانت هي تكتفي بالحاضر وتجد معنى في التفاصيل البسيطة.
كانت تستمتع بترتيب المنزل، والتخطيط لعطلات قصيرة، وقضاء وقت هادئ معه، بينما كان هو منشغلًا بالتحكم في كل شيء يتعلق بمستقبلهما.
بدأت الخلافات بينهما بأمور صغيرة، مثل المصاريف أو عملها، ثم تطورت لتشمل رؤيتهما المختلفة للحياة، وما يعتبره كل منهما نجاحًا أو استقرارًا.
لاحقًا، أصبحت النقاشات تدور حول فكرة إنجاب الأطفال،
شهدت إحدى غرف الولادة حالة غير معتادة، بعد.ما وضعت سيدة شابة مولودًا بصفات جسدية غريبة، ما تسبب في حالة ذهول بين الطاقم الطبي
واللحظة التي كان يُفترض أن تكون سعيدة تحولت سريعًا إلى موقف صاد.م لم يكن أحد مستعدًا له.
كانت الأضواء البيضاء ثابتة في السقف، تنشر إضاءة باردة على المكان، بينما كانت جولي منهكة تمامًا، تتنفس بصعوبة، وجسدها مرهق بعد ساعات طويلة من الألم.
كانت تمسك بحواف السرير بقوة دون وعي، كأنها تتشبث بشيء ثابت، بينما جلست والدتها بجانبها تمسك يدها، وتهمس بكلمات تهدئة رغم القلق الواضح.
لم يتبقَّ سوى القليل، أنتِ على وشك الانتهاء.
لكن جولي لم تكن تستمع جيدًا، كان تركيزها منصبًا على حركة الأطباء والممرضات، الذين عملوا بسرعة، إلا أن نظراتهم المتبادلة لم تكن طبيعية تمامًا.
كانت هناك لحظات صمت قصيرة، ونظرات سريعة تتكرر بينهم، كأن هناك أمرًا غير مفهوم، أو شيئًا لا يرغب أحد في قوله بصوت مسموع.
بمجرد انتهاء الولادة، ساد صمت غريب في الغرفة، صمت غير مريح وثقيل، وكأن جميع الموجودين لاحظوا الشيء ذاته في اللحظة نفسها دون تفسير واضح.
رفعت جولي رأسها بصعوبة، تحاول قراءة وجوههم، وقالت بصوت ضعيف بالكاد يُسمع، بعد مجهود كبير واستنزاف واضح في طاقتها.
أريد أن أراه.
ترددت الممرضة لحظة، ثم اقتربت وهي تحمل الطفل، وكانت حركتها أبطأ من المعتاد، وكأنها تحاول التماسك قبل أن تقترب أكثر.
ما إن نظرت جولي إليه حتى شهقت دون وعي، لأن ما رأته لم يكن يشبه أي طفل رأته من قبل طوال حياتها.
كان مولودها مغطى بشعر واضح وكثيف، ليس الزغب الخفيف المعتاد، بل شعر داكن وخشن، يمتد على كتفيه وصدره وجزء من ظهره.
لم يكن وجهه واضحًا بالكامل، لكن عينيه كانتا مفتوحتين، ثابتتين بشكل غير مريح، ونظرته

مباشرة وحادة، كأن فيها وعيًا يتجاوز عمره.
وضعت والدتها يدها على فمها فورًا، ولم تستطع إخفاء رد فعلها، فخرجت منها كلمة واحدة بشكل تلقائي، تعبر عن صد.مة حقيقية.
يا إلهي…
في اللحظة نفسها، تراجعت إحدى الممرضات للخلف واصطد.مت بصينية أدوات، فسقطت منها أداة معدنية على الأرض بصوت حاد كسر الصمت فجأة.
فُتح الباب بسرعة، ودخل إيثان وهو يلهث، أنفاسه متسارعة، وعيناه تتحركان بقلق بين جولي والطفل، في إشارة واضحة إلى وصوله على عجل.
أنا هنا… هل هو بخير؟
حاولت جولي التحدث، لكن صوتها لم يخرج، فاكتفت بالنظر نحو الممرضة، التي استدارت نحوه وعرضت عليه الطفل دون أن تنطق بكلمة.
تباطأت خطواته، ثم توقف فجأة، وتغيرت ملامحه بشكل واضح، واختفى اللون من وجهه تدريجيًا وهو يستوعب ما يراه أمامه.
ما هذا؟
قالها بنبرة حادة، لم تكن سؤالًا بقدر ما كانت رفضًا وعد.م تصديق، وكأنه غير قادر على ربط ما يراه بأي تفسير منطقي.
نظرت إليه جولي بقلق، وقالت بصوت مرتجف، محاولة التمسك بأي شعور طبيعي بينهما رغم انهيار كل شيء حولها.
إيثان…
تراجع خطوة إلى الخلف، وارتفع صوته قليلًا جولي… ماذا حدث؟
إنه ابننا.
هز رأسه فورًا وقال لا، هذا ليس ابني… ما هذا أصلًا؟
حاول الطبيب التدخل بهدوء الطفل حالته مستقرة
قاطعه بسرعة لا يهمني ذلك، ما أراه أمامي ليس طبيعيًا.
تقطعت أنفاس جولي، وجسدها لا يزال مرهقًا من الولادة، وقالت بصوت منخفض يكاد يختفي
لا تقل ذلك…
نظر إليها بعد.م تصديق لا أقل ذلك؟ هل ترين هذا طبيعيًا؟ انظري إليه جيدًا.
أنا أنظر… إنه ابني.
قال بنبرة أكثر حدة إذًا أخبريني من والده الحقيقي.
صمتت لحظة، ونظرت إليه بذهول، ثم قالت
أنت والده.
هز رأسه رافضًا، وبدأ يتراجع نحو الباب لا أفهم ما يحدث، لكنني لن أستمر في شيء كهذا.
إيثان، انتظر.
لا.
قالها بحسم، نظر إلى الطفل مرة أخيرة، ثم إلى جولي بنظرة تحمل رفضًا واضحًا، واستدار وغادر، وأغلق الباب خلفه بقوة.
سقطت جولي على السرير، وجسدها يرتجف بالكامل، لكنها لم تستطع الحركة أو الكلام من شدة الصد.مة.
أصدر الطفل صوتًا خافتًا، أشبه بأنين صغير، فتقد.مت الممرضة بهدوء، ووضعته بين ذراعي جولي بحذر شديد.
في البداية لم تستجب، ثم بدأت ذراعاها تتحركان ببطء، وتلتفان حول جسده الصغير، وكأنها تستوعب وجوده تدريجيًا رغم كل شيء.
شعرت بدفئه ووزنه ونبض قلبه المنتظم، فانسابت د.موعها، ليس من الخوف أو التعب، بل من إحساس أعمق لا يمكن تفسيره بسهولة.
فتح الطفل عينيه مرة أخرى، ونظرت إليه جولي، وللحظة لم ترَ الفراء، ولم تلاحظ نظرات الممرضات أو أثر رحيل إيثان، بل رأت فقط ابنها.
انحنت نحوه ببطء، وطبعت قبلة خفيفة على جبينه الصغير، وكأنها تحاول تثبيت هذه اللحظة في ذاكرتها رغم كل ما يحيط بها من اضطراب.
سأعتني بك.
أصدر صوتًا خافتًا، بينما تحركت يده الصغيرة حتى أمسكت بطرف ثوبها الطبي، وتشبثت به، فانهارت جولي باكية دون محاولة لإخفاء مشاعرها.
خارج الغرفة، استمرت الحياة بشكل طبيعي، لكن داخلها بدأ عالم جديد، ليس كما خططت له، ولا كما تخيلته، بل عالم حقيقي وقاسٍ، لكنه عالمها.
قبل أن ينهار كل شيء، وقبل أن يضيق عالمها ليقتصر على جدران غرفة الولادة والصمت الذي تركه إيثان خلفه، تذكرت جولي لقاءاتهما الأولى في قاعة المحاضرات، ونظرات سريعة كانت تتكرر دون كلام، لكنها كانت كافية لخلق رابط لم يتمكن أي منهما من تجاهله.
كانا يتشاركان أكواب قهوة رديئة في الحرم الجــ ـامعي، ويقضيان ليالي طويلة في الدراسة داخل المكتبة، حيث تلامست أصابعهما صدفة تحت الطاولة.
وكان كل منهما يتظاهر بأن تلك اللحظات لا تعني شيئًا، رغم أنهما كانا يدركان في أعماقهما أنها تعني كل شيء بالفعل.
التقت جولي بإيثان خلال عامها الثاني في الجــ ـامعة، وكان هادئًا بطبعه، طموحًا، ومركزًا على مستقبله بطريقة لفتت انتباهها منذ البداية.
أعجبت بإصراره، وبالطريقة التي كان يتحدث بها عن بناء حياة مختلفة، أكبر وأفضل من تلك التي نشأ فيها داخل ظروف بسيطة وصعبة.
كان يحمل عبء تغيير واقعه على عاتقه، وكأنه المسؤول الوحيد عن ذلك، وفي البداية شعرت جولي أنها محظوظة لكونها جزءًا من حياته.
بعد التخرج، انتقلا للعيش معًا في شقة صغيرة بغرفة واحدة في أطراف المدينة، وبدأ كل منهما حياته العملية بخطوات متواضعة.
حصلت جولي على وظيفة في شركة تصميم محلية، بينما عمل إيثان في مجال المبيعات داخل شركة تقنية ناشئة، وكان يعود إلى المنزل متأخرًا معظم الأيام.
رغم تعبه، كان دائمًا يتحدث عن المستقبل، يرسم خططًا وأفكارًا على المناديل أثناء العشاء، ويصف حياة لم يصل إليها بعد لكنه كان مصممًا عليها.
كانت جولي تستمع إليه، تبتسم، وتدعمه بصمت، معتقدة أن هذا هو ما يفعله الحب، أن تكون حاضرًا حتى عند.ما لا تكون الأمور واضحة.

لكن مع مرور الوقت، ومع سعيه المستمر نحو النجاح، بدأ يبتعد عنها تدريجيًا، دون أن يلاحظ أو يعترف بذلك بشكل مباشر.
أصبح أكثر توترًا ونفاد صبر، خاصة عند.ما لم تستطع مجاراته في سرعته، بينما كانت هي تكتفي بالحاضر وتجد معنى في التفاصيل البسيطة.
كانت تستمتع بترتيب المنزل، والتخطيط لعطلات قصيرة، وقضاء وقت هادئ معه، بينما كان هو منشغلًا بالتحكم في كل شيء يتعلق بمستقبلهما.
بدأت الخلافات بينهما بأمور صغيرة، مثل المصاريف أو عملها، ثم تطورت لتشمل رؤيتهما المختلفة للحياة، وما يعتبره كل منهما نجاحًا أو استقرارًا.
لاحقًا، أصبحت النقاشات تدور حول فكرة إنجاب الأطفال،
الفكرة وحدها كانت كفيلة بخلق عقدة ثقيلة في داخلها لا تستطيع تجاهلها.
كان يستحق أن يعرف، هكذا أقنعت نفسها، رغم كل ما حدث بينهما، ورغم الصمت الطويل الذي فصل حياتيهما مؤخرًا.
بعد عدة أيام من نوم متقطع وطعام بالكاد يُؤكل، جلست جولي على سريرها، تمسك هاتفها، وتحدق في اسمه لفترة طويلة.
ترددت، ثم كتبت بسرعة قبل أن تتراجع
مرحبًا، أحتاج أن أتحدث معك، الأمر مهم.
لم يرد في تلك الليلة، وبقي الهاتف صامتًا حتى الصباح، حين استيقظت على رسالة قصيرة لا تحمل أي مشاعر واضحة.
حسنًا.
اتفقا على اللقاء في مطعم صغير يقع في منتصف المسافة بين منطقتيهما، مكان هادئ شبه فارغ، يحمل طابعًا قديمًا يبعث شعورًا مختلطًا بين الحنين والكآبة.
وصل إيثان متأخرًا بضع دقائق، بدا مرهقًا كعادته، لكن كان هناك شيء إضافي في عينيه، إرهاق أعمق لم تلاحظه من قبل.
هل كل شيء على ما يرام؟
سألها وهو يجلس أمامها، لكنها لم تجب فورًا، بل أخرجت ورقة مطوية من حقيبتها، ووضعتها بهدوء على الطاولة بينهما.
نظر إليها باستغراب، ثم التقطها ببطء، وبدأت عيناه تتحركان على ما كُتب فيها، بينما كانت ملامحه تتغير تدريجيًا مع كل لحظة تمر.
توقف عند السطر الأخير، وبقي صامتًا لثوانٍ، كأنه يحاول استيعاب المعنى الكامل لما يقرأه دون أن يرفع نظره عنها.
رفعت جولي عينيها نحوه، تنتظر ردّ فعل لم تستطع التنبؤ به، بينما امتدّت اللحظة أطول مما تحتمل، محمّلة بكل الاحتمالات الممكنة.
ظلّ إيثان صامتًا لثوانٍ، وعيناه مثبتتان على الورقة، كأن الكلمات تحتاج وقتًا لتتحول من حروف إلى حقيقة لا يمكن إنكارها.
ثم رفع نظره إليها ببطء، وقال بصوت منخفض أكثر هدوءًا مما توقعت هل أنتِ متأكدة؟ وكأن سؤاله لم يكن شكًا فيها، بل محاولة لاستيعاب الأمر.
أومأت جولي برأسها دون تردد، وقالت بثبات يخفي توترًا واضحًا التحليل أكّد ذلك، وقد حسبت كل شيء لا يوجد خطأ.
تنهد إيثان ببطء، وأسند ظهره إلى المقعد، وأدار نظره بعيدًا عنها للحظة، كأنه يرتّب أفكاره قبل أن يتخذ موقفًا لا رجعة فيه.
حسنًا قالها أخيرًا، ثم أضاف بعد صمت قصير لن نترك الأمر هكذا سنتعامل معه معًا.
لم تكن نبرته عاطفية، ولا حتى مطمئنة، بل بدت أقرب إلى قرار عملي، التزام فرض نفسه عليه أكثر من كونه رغبة حقيقية.
ورغم ذلك، شعرت جولي بشيء من الارتياح، ربما لأن أسوأ ما توقّعته لم يحدث، ولم يتركها تواجه هذا الواقع وحدها.
ومن تلك اللحظة، لم يعد ما بينهما مجرد عـ ـلاقة معلّقة، بل تحوّل إلى واقع جديد يتشكّل بهدوء، يومًا بعد يوم، دون أن يفهمه أيّ منهما تمامًا.
عاد إيثان تدريجيًا إلى حياتها، لا كعودة كاملة، بل كحضور محسوب، زيارات متكررة، ومكالمات مقتضبة، واهتمام يتركز حول شيء واحد فقط.
الطفل.
مرّت الأسابيع الأولى سريعًا، بين المواعيد الطبية والفحوصات الروتينية، بينما كانت جولي تحاول التكيّف مع التغيرات التي تطرأ على جسدها.
كان إيثان حاضرًا في كل زيارة، يجلس إلى جانبها، يستمع إلى الطبيب، يسأل أحيانًا، لكنه نادرًا ما كان ينظر إليها أثناء الحديث.
كان قريبًا لكنه لم يكن معها.
لاحظت جولي ذلك، لكنها اختارت الصمت، ربما لأنها لم تكن تملك طاقة لمواجهة جديدة، أو لأنها تخشى فقدان ما تبقى.
ومع مرور الوقت، بدأ شيء آخر يتسلل بهدوء.
الأسئلة.
في أحد المواعيد، وبعد انتهاء الفحص، قال الطبيب بنبرة عادية معدل نمو الجنين أسرع قليلًا من المتوسط، لكن هذا يحدث أحيانًا.
لم تهتم جولي كثيرًا، لكنها لاحظت نظرة إيثان، الطريقة التي ركّز بها على الشاشة، وكأنه يحاول قراءة ما وراء الكلمات.
في طريق العودة، ظل صامتًا، ثم قال فجأة هل أنتِ متأكدة من المواعيد؟
نظرت إليه باستغراب، ثم أجابت بهدوء نعم لماذا تسأل؟
هزّ كتفيه بخفة لأن الطبيب قال إنه أكبر قليلًا.
لم يكن اتهامًا صريحًا، لكنه لم يكن سؤالًا عابرًا أيضًا، بل شيء بين الاثنين، شيء لم تستطع تجاهله بسهولة.
وهل في ذلك مشكلة؟ قالت محاولة تبسيط الأمر، هناك أطفال ينمون أسرع من غيرهم، الأمر طبيعي.
لم يعلّق، واكتفى بإيماءة خفيفة، وعاد الصمت بينهما، لكنه لم يكن صمتًا مريحًا كما كان من قبل.
بدأت جولي تلاحظ التغير تدريجيًا.
نظراته أصبحت أطول.
أسئلته أدق.
وتعليقاته، رغم بساطتها، تحمل شيئًا خفيًا، كأنه يعيد حساب كل شيء.
في إحدى الليالي، بينما كانت جولي جالسة على السرير، دخل إيثان الغرفة، وتوقف عند الباب، ثم قال
هل قلتِ إننا بعد الحفلة، لم نلتقِ مجددًا؟
رفعت نظرها إليه، وشعرت بعد.م ارتياح، لكنها أجابت بثبات نعم لماذا؟
تردد لحظة، ثم قال لا شيء أحاول فقط ترتيب التوقيت.
وضعت الهاتف جانبًا، وقالت بهدوء إيثان، ماذا تريد أن تسأل تحديدًا؟
نظر إليها، ثم أشاح بعينيه وقال لا شيء.
لكنها أدركت أن هناك شيئًا.
ومع ذلك صمتت.
مرّت الشهور ببطء ثقيل، كل شيء يبدو طبيعيًا من الخارج، لكنه مشدود من الداخل بشكل لا يُرى بسهولة.
كان إيثان موجودًا، يساعد، يرافقها إلى المواعيد، يشتري ما يلزم، لكنه لم يعد كما كان، حتى في أبسط التفاصيل.
لم يعد يتحدث عن المستقبل.
لم يعد يضع خططًا.
أصبح كل شيء مرتبطًا بالحاضر فقط بالطفل.
أما جولي، فكانت تحاول التمسك بأي إحساس بالاستقرار، تقنع نفسها أن ما يحدث مجرد قلق مؤقت، وأنه سيزول مع الوقت.
لكن في داخلها، كان هناك شعور خافت يقول غير ذلك.
حتى جاء ذلك اليوم.
كانت الأضواء البيضاء ثابتة في السقف، تنشر إضاءة باردة في الغرفة، بينما كانت جولي مستلقية على السرير، تتنفس بصعوبة، وجسدها منهك بعد ساعات طويلة من الألم.
كانت تمسك بحواف السرير بقوة، بينما جلست والدتها إلى جانبها، تهمس بكلمات لم تعد تسمعها بوضوح.
كل ما كانت تراه هو حركة الأطباء والممرضات، سرعتهم، نظراتهم، والصمت الذي يتكرر بينهم بشكل غير مريح.
لم يكن صمتًا عاديًا.
كان صمتًا يحمل شيئًا لم يُقال.
ومع اللحظة الأخيرة، ومع انتهاء الولادة، ساد ذلك الصمت فجأة، ثقيلًا، واضحًا، وكأن الجميع توقف في اللحظة نفسها.
رفعت جولي رأسها بصعوبة، تبحث في وجوههم عن إجابة، وقالت بصوت ضعيف أريد أن أراه.
ترددت الممرضة لحظة، ثم اقتربت ببطء، تحمل الطفل بين ذراعيها، حركتها أبطأ من المعتاد، وكأنها تستعد لشيء لا يمكن تفاديه.
وما إن وقع نظر جولي عليه حتى انحبس نفسها.
لم يكن يشبه أي طفل رأته من قبل.
كان جسده مغطى بشعر داكن وكثيف، ليس زغبًا خفيفًا، بل شيء واضح وخشن يمتد على كتفيه وصدره.
وعيناه مفتوحتان.
ثابتتان.
تنظران مباشرة.
تراجعت والدتها بصد.مة، ووضعت يدها على فمها، بينما سقطت أداة معدنية من يد إحدى الممرضات، كاسرة الصمت بصوت حاد.
وفي تلك اللحظة، فُتح الباب بسرعة.
دخل إيثان، أنفاسه متسارعة، وعيناه تتحركان بقلق، حتى استقرتا على الطفل.
توقف.
تغيرت ملامحه.
اختفى اللون من وجهه تدريجيًا، وكأنه يرى شيئًا لا يستطيع تفسيره.
ما هذا؟
لم تكن مجرد كلمة.
كانت رفضًا.
إنكارًا.
ثم تراجع خطوة إلى الخلف، وقال بوضوح
هذا ليس ابني.
سقطت الجملة في الغرفة كشيء حاد، مزّق الصمت وترك أثره في كل من سمعه، دون أن يجرؤ أحد على الرد فورًا.
نظرت إليه جولي، وعيناها متسعتان، كأنها لم تستوعب ما قاله، أو ربما رفضت أن تستوعبه في تلك اللحظة تحديدًا.
إيثان خرج صوتها ضعيفًا، مكسورًا، بالكاد يُسمع، كأنها تحاول الإمساك بشيء ينهار أمامها دون إنذار.
هزّ رأسه ببطء، وعيناه لا تزالان
معلقتين بالطفل، ثم قال بنبرة أكثر حدّة انظري إليه جيدًا هل ترين هذا طبيعيًا؟
ارتجفت أنفاسها، لكنها لم تُبعد نظرها عن الطفل، وقالت بصوت متقطع إنه ابننا.
ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي دفء، أقرب إلى عد.م تصديق واضح، ثم قال ابننا؟ هل تظنين أنني سأصدق ذلك بسهولة؟
تدخل الطبيب أخيرًا، محاولًا تهدئة الموقف، وقال بنبرة مهنية الطفل حالته مستقرة، وما نراه قد يكون حالة وراثية نادرة
قاطعه إيثان بسرعة، دون أن ينظر إليه لا يهمني التفسير الآن، ما أراه أمامي ليس طبيعيًا.
أغمضت جولي عينيها للحظة، وكأنها تحاول جمع ما تبقى من قوتها، ثم فتحتها مجددًا وقالت لا تقل ذلك أرجوك.
نظر إليها مباشرة هذه المرة، وفي عينيه شيء لم تره من قبل، شيء أقرب إلى القسوة منه إلى الغضــ . ــب إذًا أخبريني من والده الحقيقي؟
ساد صمت ثقيل، حتى بدا أن الهواء نفسه قد توقف، ونظرت إليه جولي بذهول خالص، غير قادرة على استيعاب السؤال.
أنت والده. قالتها ببطء، كل كلمة تخرج وكأنها تحمل وزنًا أكبر من قدرتها.
هزّ رأسه رافضًا، وتراجع خطوة أخرى نحو الباب، كأنه يريد الابتعاد عن المشهد بالكامل لا هناك خطأ ما، ولا أنوي أن أكون جزءًا منه.
إيثان، انتظر
لا. قالها بحسم، دون أن يمنحها فرصة أخرى للكلام.
ألقى نظرة أخيرة على الطفل، نظرة سريعة، مترددة، ثم نقلها إلى جولي، قبل أن يستدير ويغادر الغرفة، مغلقًا الباب خلفه بقوة.
اهتز جسد جولي بالكامل، وسقطت على الوسادة، أنفاسها غير منتظمة، وكأنها خرجت لتوها من معركة لم تكن مستعدة لها.
اقتربت والدتها منها بسرعة، لكن جولي لم تستجب، بقيت ساكنة، عيناها مثبتتان في الفراغ، غير قادرة على البكاء أو الكلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى