
تبنّيتُ أذكى طالب عندي بعدما وجدته ينام في مخزن المدرسة… وبعد سنوات، استدعاني على المسرح أمام آلاف الناس… ثم قال شيئًا لم أتوقعه أبدًا. عمري 52 سنة. مدرسة رياضيات في مدرسة ثانوية حكومية في الإسكندرية. لم أُنجب. زواجي انتهى بهدوء بارد بعد 18 سنة… كأننا كنا نؤجل الاعتراف بالحقيقة. كنت أعود إلى بيتي كل يوم، أضع حقيبتي على الطاولة، وأجلس في صمت طويل.
-
اختي يوم فرحيمنذ 3 ساعات
-
حلقوا شعريمنذ 3 ساعات
-
الممرضه حكايات صافي هانيمنذ 4 ساعات
-
بنتي كل ما تروح عند اهل ابوهامنذ 4 ساعات
إلى أن دخل حياتي… يوسف.
يوسف لم يكن مجرد طالب متفوق.
كان ظاهرة.
عقله يعمل بسرعة غريبة.
يحُل مسائل أكتبها للمتفوقين في الجامعة، وهو ما زال في تانية ثانوي.
كان يسألني أسئلة تجعلني أرجع أراجع مراجع قديمة.
كنت أقول لزميلاتي:
“الولد ده مشروع عالم.”
لكن في آخر سنة له في المدرسة… تغيّر.
بدأ يتأخر.
يرتدي نفس القميص أكثر من يوم.
عيونه فيها إرهاق مش طبيعي.
وفي يوم، اختفى.
لم يحضر الامتحان التجريبي.
قلبي لم يطمئن.
بعد انتهاء اليوم الدراسي، وأنا أجمع أوراقي، سمعت صوت حركة خفيفة من المخزن القديم خلف المعمل.
المكان الذي نضع فيه الديسكات المكسورة والأدوات القديمة.
اقتربت…
وفتحت الباب بهدوء.
رأيته.
كان جالسًا على الأرض، ظهره للحائط، ودفتر مفتوح على ركبته… يحل مسألة على ضوء مصباح صغير.
تجمدت في مكاني.
قلت بصوت مخنوق:
“يوسف؟!”
رفع رأسه بسرعة.
ولأول مرة… رأيت الخوف في عينيه.
قال بسرعة:
“مس هالة… بالله عليكي محدش يعرف.”
دخلت وأغلقت الباب.
سألته بهدوء حاولت أتمالكه:
“إنت بتعمل إيه هنا؟”
صمت.
ثم قال:
“مليش مكان أروحله.”
اتضح أن والده سافر وترك الأسرة، وأمه مريضة بالقلب وغير قادرة على العمل.
الإيجار متأخر، وصاحب الشقة طردهم مؤقتًا لحين الدفع.
كان يوسف ينام في المدرسة من أسبوعين.
يستيقظ قبل الحارس.
يغسل وجهه في حمام المعلمين.
ويدخل الفصل وكأن شيئًا لم يحدث.
كنت أشرح… وهو يحل مسائل التفاضل… وهو لا يعرف أين سينام الليلة.
رجعت البيت تلك الليلة… ولم أنم.
في الصباح، بدأت الإجراءات.
تكفلت بإيجار شقة صغيرة لهم.
تواصلت مع جمعية خيرية لتوفير علاج لوالدته.
سجلته في منحة للطلاب المتفوقين.
الناس تكلموا.
قالوا:
“ليه بتدخلي نفسك في مشاكل؟”
“هو مش ابنك.”
“إنتِ بتعوضي حاجة ناقصاكي.”
يمكن.
لكن الحقيقة إن في اللحظة اللي شفته فيها على أرض المخزن… عرفت إن القدر حطّه في طريقي لسبب.
السنين عدّت.
يوسف دخل هندسة قسم اتصالات، وبعدين منحة بره مصر.
كان بيكلمني كل أسبوع.
يقول لي:
“إنتِ السبب.”
وأرد عليه دايمًا:
“لا يا يوسف… إنت اللي اخترت تكمل.”
لحد ما جه اليوم ده.
دعوة رسمية وصلت باسمي.
مؤتمر علمي ضخم في القاهرة.
واحد من المتحدثين الرئيسيين… دكتور يوسف علاء.
قلبي كان بيدق بقوة وأنا قاعدة في الصفوف الأمامية.
طلع على المسرح.
بدلة رسمية.
شخصية واثقة.
تصفيق حاد.
بدأ كلامه عن مشروعه الجديد في تكنولوجيا الاتصالات الفضائية.
الناس مبهورة.
وفجأة… سكت.
بص ناحية الصف الأول.
وقال:
“في شخص موجود هنا… لو ما كانش وقف جنبي في أصعب لحظة في حياتي… ما كنتش هكون واقف هنا دلوقتي.”
القاعة سكتت.
ثم قال اسمي.
الأنظار كلها اتجهت لي.
إيدي كانت بترتعش.
قال:
“مس هالة… ممكن تطلعي المسرح؟”
طلعت.
وقفت جنبه.
ابتسم… لكن عينيه كان فيهم دموع.
قال في الميكروفون:
“الناس فاكرة إن النجاح بيبدأ بفرصة… لكن الحقيقة إن النجاح بيبدأ بحد يصدق فيك وإنت واقع.”
التصفيق دوّى.
كنت أظن أن اللحظة انتهت هنا.
لكن فجأة…
أخرج ظرفًا من جيبه.
وقال:
“وفي حاجة عمري ما حكيتها لحد… حتى ليها هي.”
بص لي… بنظرة مختلفة.
وقال:
“الحقيقة إن اللي حصل وقتها… ما كانش صدفة.”
اتجمدت.
القاعة كلها صامتة.
يوسف أخذ نفس عميق وقال:
“أنا ما كنتش نايم في المخزن بس علشان ما عنديش مكان…”
ثم سكت.
الناس بدأت تهمس.
وأنا قلبي بدأ يدق أسرع من أي وقت فات.
قال:
“كنت مستخبي…”
ثم نظر لي نظرة فيها ألم قديم.
“لأن في حد كان بيدور عليّ.”
والجملة دي… غيرت كل حاجة.
ترى مين اللي كان بيدور عليه؟
وهل كان في خطر أكبر مما تخيلت؟
وهل يوسف أخفى عني الحقيقة طول السنين دي؟
يوسف واقف على المسرح…
والقاعة كلها مستنية.
قال بصوت ثابت:
“كنت مستخبي… لأن في حد كان بيدور عليّ.”
الهمسات بدأت تزيد.
“الراجل ده ما كانش مجرد تاجر آثار… كان بيشتغل لحساب شبكة دولية… بتستخدم طلبة شاطرين في البرمجة عشان يشفروا معاملات غير قانونية.”
القاعة صمتت فجأة.
بص ناحيتي.
“وأنا كنت مشروعهم الجديد.”
قلبي اتقبـ .ـض.
“شافوا مسابقة علمية كنت كسبتها، وجابوا رقمي.
الأول كان عرض مغري… بعدين بقى تهديد.”
تنفّس ببطء.
“كنت نايم في المدرسة… مش علشان ماعنديش مكان…
لكن علشان كنت هربان منهم.”
واحد من الحضور سأل: “ليه ما بلغتش؟”
يوسف ابتسم ابتسامة قصيرة.
“بلغت… بس محدش صدق ولد عنده 17 سنة.”
أنا همست: “ليه ما قلتليش؟”
رد بدون ما يبص لي:
“لأني كنت عارف إنهم بيجمعوا معلومات عن أي حد قريب مني.”
سكت لحظة.
ثم قال الجملة اللي قلبت الجو:
“وهم كانوا عارفين اسمها.”
القاعة كلها بصّت لي.
“عرفوا إنها ساعدتني…
وابتدوا يراقبوها.”
دمّي ساقع.
“وفي الليلة اللي قررت أهرب فيها من البلد… حصل حاجة ما كنتش متوقعها.”
تجمّد صوته.
“واحد منهم دخل المدرسة.”
القاعة شهقت.
“كان فاكرني لسه هناك.
لكن مس هالة كانت نقلتني قبلها بيومين لشقة جديدة.”
بص لي لأول مرة.
“لو ما كانتش تصرفت بسرعة… يمكن كنت اختفيت للأبد.”
سكون ثقيل.
لكن يوسف ما خلصش.
قال:
“أنا مش جيت المؤتمر ده علشان أتكلم عن مشروع فضائي بس…
أنا جيت علشان أعلن حاجة تانية.”
أخرج الظرف.
فتحُه قدام الميكروفون.
“النهاردة… رسميًا… بدأنا تعاون مع جهة سيادية لتطوير نظام تتبع ذكي… يقدر يكشف شبكات الاتجار الرقمي وغسيل الأموال.”
القاعة تصفيق.
لكن يوسف قرب من الميكروفون وقال بصوت منخفض:
“لأن الشبكة دي… لسه شغالة.”
جسمي اتشد.
“والرسالة اللي وصلتني قبل ما أطلع المسرح… بتقول إنهم عارفين إني بتكلم.”
في اللحظة دي…
موبايله اهتز.
القاعة شايفة كل حاجة على الشاشة العملاقة وراه.
ظهر إشعار.
رقم مجهول.
فتح الرسالة.
وجهي اتجمد لما قرأ بصوت مسموع:
“فاكر إنك خرجت من اللعبة؟
إحنا لسه في أولها.”
القاعة تحولت من مؤتمر علمي… لساحة توتر.
يوسف رفع عينه ناحية الجمهور… ثم بص لي.
وابتسم.
ابتسامة غريبة… مش خوف…
تحدي.
وقال:
“أنا ما بقيتش لوحدي.”
وفجأة…
الأنوار انطفت.
صوت صرير خفيف من باب القاعة الخلفي.
حد دخل.
الأنوار انطفأت.
صوت صرير الباب الخلفي شقّ الصمت.
القاعة كلها اتجمدت.
بعد ثواني… اشتغلت إضاءة خافتة ناحية المدخل.
وشخص دخل.
خطواته ثابتة.
ظلّه طويل على الأرض.
يوسف ما اتحركش.
أنا كنت ماسكة طرف المنصة بإيدي المرتعشة.
لما قرب أكتر… قلبي وقف.
كنت أعرف هذا الوجه.
رغم السنين.
رغم الشيب اللي غطّى شعره.
همست بدون وعي:
“علاء؟…”
يوسف بص لي.
“تعرفيه؟”
صوتي خرج مكسور:
“ده… والدك.”
القاعة انفجرت همسات.
يوسف اتجمد.
الرجل وقف تحت المسرح مباشرة.
وقال بصوت هادي جدًا:
“مس هالة… ما توقعتش تشوفيني تاني.”
يوسف همس: “أنت قلتلنا إنك سافرت.”
الرجل ابتسم ابتسامة باردة.
“سافرت فعلًا… بس ما سبتكش.”
الصمت بقى تقيل.
“أنا كنت واحد من الناس اللي كانوا بيدوروا عليك.”
يوسف خطوة لورا.
“ليه؟!”
الرجل رفع عينه ليه.
“لأنك كنت أهم مشروع اشتغلت عليه.”
أنفاسي اتلخبطت.
“إيه الكلام ده؟!”
قال بهدوء مخيف:
“يوسف ما كانش صدفة.
ذكاءه مش طبيعي… لأنه متدرّب عليه من وهو طفل.”
يوسف صرخ: “إنت كنت بتعلّمني رياضيات علشان…؟!”
“علشان أجهزك.”
القاعة كلها مذهولة.
“الشبكة اللي بيحكي عنها… أنا كنت جزء منها.
وكنا محتاجين عقل زي عقله.”
يوسف صوته بقى واطي:
“طب وأمي؟”
الرجل سكت لحظة.
“مرضها… ما كانش طبيعي.”
رجلي كادت تخونني.
“إنت عملت فيها إيه؟!”
ردّ بدون تأثر:
“كنت محتاجك ضعيف… علشان تتحكم فيك.”
يوسف رجع خطوة… كأن الأرض بتنهار تحته.
“ولما رفضت… قررت أسيبك تختار.
كنت عايز أشوف… هل هتختار تبقى سلاح… ولا إنسان.”
أنا صرخت: “ده جنون!”
الرجل بص لي مباشرة.
“لا يا مس هالة.
ده اختبار.”
ثم قال الجملة اللي فجّرت كل شيء:
“وأنتِ كنتِ جزء منه.”
الدم تجمّد في عروقي.
يوسف التفت لي ببطء.
“يعني إيه؟”
الرجل قال بهدوء:
“لما لقيتيه في المخزن… ما كانش صدفة.
أنا اللي سيبت الباب الخلفي مفتوح.”
القاعة صامتة حد الاختناق.
“كنت عايز أشوف… هل حد هيختار ينقذه من غير مقابل.”
يوسف صرخ: “كنت بتجربني؟!”
“كنت بجرب العالم.”
ثم نظر لي.
“وانتي… نجحتي.”
لحظة صمت ثقيل.
ثم…
صوت صفارات سيارات شرطة خارج القاعة.
الرجل ابتسم.
“أنا جيت النهاردة… مش أهرب.”
مدّ إيده لورا.
ورفعها في الهواء.
“جيت أسلّم نفسي.”
يوسف مذهول.
“ليه؟!”
الرجل نظر له… لأول مرة بعين فيها شيء يشبه الندم.
“لأنك اخترت الطريق الصح…
وأثبت إن اللي زرعته… ما قدرش يقـ .ـتل إنسانيتك.”
الشرطة دخلت.
قيّدوه.
وهو خارج… بص ليوسف وقال:
“أنا خسرت…
بس أنت كسبت.”
لكن…
قبل ما يخرج من الباب…
التفت مرة أخيرة.
وقال بهدوء غامض:
“بس خليك فاكر…
أنا ما كنتش الكبير.”
تمت …








