كما يليق بي

تركها قبل الزفاف بليله واحده  بسبب وزنها الزائد  معللا ان الجميع يعايروه بجسدها..

كانت الحارة الشعبيّة تضجّ بالحياة كما لو أنّها كائن واحد يتنفّس ويضحك ويغ*ضب في آنٍ واحد. بيوت متقاربة، شرفات متلاصقة، ووجوه تعرف بعضها منذ الطفولة. وفي قلب تلك الحارة كانت تعيش حوريّة، فتاة عرفها الجميع بطيبتها ومرحها، غير أنّها كانت ممتلئة الجسد، فضلاً عن ملامح هادئة لا تجذب الأنظار إلا إذا وقفت تتحدث… فحينها وحده كان يلمع جمال روحها.

ورغم ثقتها الظاهرة أمام الناس، كانت تسمع كثيرًا من التعليقات الجـ,ـارحة في خفوت أو تصريح:

“لو كانت أنحف قليلًا لكانت جميلة”،

“لا بأس… المهم أنّها طيبة”.

لكنها لم تكن تبالي، أو هكذا كانت تدّعي.

ثم جاء اليوم الذي تغيّر فيه خط حياتها.

تقدّم شاب من أبناء الحارة يُدعى عِمْران لخطبتها. لم يكن سيئ الشكل، وكان يملك ثقة فاقت حجمه وقدرته، ورأت فيه حوريّة حينها حبًّا وملاذًا، فوافقت، وبدأت تستعد لزفافها كما تستعد الفراشات للولادة الأولى من الشرنقة.

غير أنّ عِمْران لم يكن يحبّها، بل كان يحبّ فكرة السيطرة عليها، ويعاملها كمنّة يمنحها لها، وكان كلما نظر إليها قال بنبرة متعالية:

“أنتِ طيبة يا حوريّة، لكن لو خسرتِ بعض الوزن، لكان الأمر أسهل عليّ أمام الناس”.

وكانت تبتسم محاولةً إخفاء ما يتك.سّر داخلها، ظنًا منها أنّ الزواج سيُصلح ما في قلبه من جفاء.

حتى جاء اليوم السابق لحفل الزفاف.

كانت حوريّة تختار فستانها، وتستعد لمستقبل كانت تظنه آمنًا، حين رنّ هاتفها، ورأت رسالة قصيرة من عمران تقول:

“لا أستطيع متابعة الأمر. لستُ قادرًا على الزواج بك. أنتِ فتاة طيبة، لكنني لست مستعدًا لتحمّل نظرات الناس. لقد أخطأت عندما أقنعت نفسي أنني قادر على تجاوز الأمر. سامحيني. ليس لنا نصيب.”

توقّفت الساعة.

كأن الزمن ألقى بنفسه أرضًا ورفض أن يتحرك.

في المساء، اجتمعت النساء في بيتها بالبكاء والصدمة، فقد كان الفرح في اليوم التالي، والفضـ,ـيحة سترتطم بالجدران كالصدى.

أمّها لطمَت وجهها مرارًا، وجارتها قالت بصوت مرتجف:

“إنه عارٌ يا ابنتي! ماذا سنقول للناس؟!”

لكن حوريّة لم تبكِ. جلسَتْ أمام مرآتها، ونظرت إلى وجهها طويلًا، ثم قالت بصوت هادئ يشبه الصبر وقد تجسّد:

“أنا لستُ قليلة، بل كنتُ أكبر من قلبه.”

وفي تلك اللحظة، لم تولد امرأة جديدة…

بل وُلدت ذاتها الحقيقية.

انسحبت من المدينة كلها، وسافرت إلى خالتها في الإسكندرية، حيث بدأت حياة لا علاقة لها بالماضي. عملت في متجرٍ لملابس المقاسات الكبيرة، وكانت تستقبل نساء جريحات مثلمها، يختبئن خلف أثواب سوداء بلا ثقة. وكانت تنصحهن بلطف، وتختار لهن ما يناسبهن، حتى قالت لها إحداهن في يوم بعد قياس فستان جعلها تشعر بالجمال:

“أنتِ لا تبيعين الثياب يا ابنتي… أنتِ تعيدين إلينا شيئًا فقدناه.”

وبتلك الجملة، تغيّر شيء في قلب حوريّة.

أدركت أنّ قيمتها ليست في مرآة المجتمع، بل في مرآة ذاتها.

فبدأت تهتمّ بصحتها، لا لتصبح نحيلة كعارضات الأزياء، بل لتنهض بخفّة، وتتنفّس جيدًا، وتحب جسدها كما هو.

قرّرت أن تعيش، لا أن تنتظر أن يقبلها أحد كي تعيش.

مرّت أربع سنوات.

صارت حوريّة امرأة فاتنة بوقارها، ممتلئة باعتدال، بشرتها تتلألأ، وابتسامتها لم تعد محاولة لإرضاء أحد، بل كانت ابتسامة مَن وجد أخيرًا طريقه.

كما بدأت مشروعًا خاصًا لبيع المل.ابس عبر الإنترنت، فصار اسمها معروفًا، وصار الناس يرسلون لها رسائل امتنان، لا رسائل سخ*رية.

وفي يومٍ عادي تمامًا…

تلقّت رسالة غير عادية.

من رقم تعرفه جيدًا.

كان عِمْران.

كتب يقول:

“حوريّة… أرجوكِ، أريد رؤيتك. لقد ندمت كثيرًا. حياتي لم تعد حياة بعد أن تركتكِ. سامحيني، وأعطني فرصة للعودة.”

لم تشعر بالغ*ضب.

ولا بالوجع.

بل شعرت بدهشة هادئة، تُشبه من يسمع اسمًا قديمًا لم يعد يعني له شيئًا.

وافقت على لقائه، لا لتعود، بل لتغلق الباب جيدًا.

وجلسا في مقهى على البحر.

فاقترب منها مذهولًا، كأنّه لا يصدق أنّ هذه المرأة أمامه هي نفسها الفتاة التي هجرها يومًا.

قال بصوت يختلط فيه الندم بالصدمة:

“لم أكن أعلم أنكِ ستصبحين هكذا… لقد أخطأت، وكنت أحمق. سامحيني، أو على الأقل… اسمحي لي أن أحاول إصلاح ما فعلته”.

فرفعت رأسها وقالت بصوت هادئ، كأنها تتحدّث من مكان أعلى من كل جراح الماضي:

“يا عمران… أنت لم تجـ,ـرحني يومًا لأنني لم أكن جميلة، بل جـ,ـرحتني لأنك أقنعتني أنّ قيمتي تتعلق بعين الناس، لا بعيني أنا. ولكنني الآن… لست بحاجة إلى رجل يخبرني كيف أبدو. بل إلى رجل يرى من أكون.”

ثم أضافت بابتسامة خفيفة:

“وأنت لم تكن ذلك الرجل.”

وعندما حاول أن يبرّر، قال لها:

“أتوسل إليكِ، امنحيني فرصة… أنا مستعد للركوع تحت قدميكِ إن لزم الأمر.”

فنظرَت إليه طويلًا وقالت:

“لا تركع لي، يا عمران… اركع أمام نفسك التي خذلتها.”

ثم نهضت، وعلى وجهها سلام لا يُشبه أي انت.قام.

وأدرك في تلك اللحظة أن خسارته لم تكن جسدًا تغيّر، بل قلبًا لم يعد له سبيل.

بعد أيام فقط، أعلن خطيبها الجديد، رجل وقور يعمل مهندسًا، تقدّم إليها وهو يقول لها بصوت يمتلئ صدقًا:

“لا أريدك لأنك أجمل النساء في عيون الناس… بل لأنك أجملهن في عيني.”

فتبسّمَت حوريّة، وفهمت أخيرًا أنّ السعادة لا تُنتزَع من الماضي، بل تُصنَع في الحاضر مع من يستحقّها.

وهكذا…

انتهت الحكاية لا بانتصار على رجل، بل بانتصار على وجعٍ قديم.

ولم تعد حوريّة تلك الفتاة التي كانت تنتظر أن يلتفت إليها أحد، بل صارت امرأة يلتفت إليها الناس… لأنها لم تعد تحتاج إليهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى