
الطفلة والمليونير – محمد نور (الجزء الأول)
جاء المليونير لجمع الإيجار… فصُدم برؤية طفلة مرهقة تخيط الثياب
-
سارة خليفهمنذ ساعتين
-
حضانة المبتسرينمنذ 21 ساعة
-
رقم مجهولمنذ يوم واحد
-
ابني الصغير شاورمنذ يوم واحد
أتى صاحب العقار المليونير وهو ممتلئ غضباً، مصمماً على طرد مستأجرة لم تدفع الإيجار منذ ثلاثة أشهر. لكن خلف باب الشقة، صُدم برؤية طفلة في السابعة من عمرها تخيط الثياب بحذر وأصابعها نازفة، بينما والدتها المريضة طريحة الفراش في الداخل. وبينما كان يكتشف السبب المفجع الذي يجعل كل درهم يمثل فارقاً بين الحياة والموت، وجد رجل الأعمال الثري نفسه مواجهاً لماضيه الأليم الذي قضى سنوات يحاول نسيانه… ولتغير هذه الطفلة الصغيرة إلى الأبد مفهوم النجاح والعائلة والرحمة في حياته.
نزل نعمان من سيارته الفارهة دون أن يكلف نفسه حتى عناء إغلاق بابها. كان يشعر بضيق شديد؛ فقد كان يومه حافلاً بالاجتماعات المملة، وزاد على ذلك اضطراره للذهاب بنفسه لجباية الإيجار من مستأجرة تأخرت عن الدفع لثلاثة أشهر كاملة. لم يكن يستوعب كيف يعجز الناس عن التعامل مع أمر بسيط كهذا.
سار في الممر الطويل للبناء القديم، وهو مبنى يصارع البقاء بأقل عمليات صيانة ممكنة. استقبلته أولاً رائحة الجبس الرطب، ومن مكان ما في الممر كان صوت خلاط قديم يعزف نغمته المزعجة في مطبخ أحدهم. وعندما وصل إلى الشقة رقم (4ب)، أخذ نفساً عميقاً وطرق الباب بقوة. لا إجابة. طرق مجدداً وبشدة أكبر. ثم سمع شيئاً… خطى صغيرة، حذرة ومترددة، تتقدم نحو الباب. انفتح الباب بضع سنتيمترات فقط.
ما رآه جعله يتسمر في مكانه. طفلة صغيرة، ربما في السابعة من عمرها، بشعر بني مشعث وعينين واسعتين تبدوان أكبر من وجهها النحيل، كانت تنظر إليه من الأسفل. شفتاها المتشققتان وثيابها الملطخة بخيوط ملونة كانا ينطقان بالبؤس. لم تنطق بحرف، اكتفت بالنظر إليه بالطريقة التي ينظر بها الطفل إلى شخص بالغ يتوقع منه التوبيخ.
جثا نعمان على ركبتيه، مأخوذاً بالموقف، وسألها عما إذا كانت والدتها في البيت. هزت الطفلة رأسها، لم تتكلم، بل اكتفت بنفي صامت. ظنّ أن الأم خرجت لشأن سريع، لكنه لاحظ خلف الطفلة ماكينة خياطة قديمة تعمل بالدواسة اليدوية، وعلى الطاولة بجوارها قصاصات قماش، وبكرات خيوط، وإبر. كانت الطفلة تخيط! لم تكن في المدرسة، ولا تلعب، ولا تشاهد أفلام الكرتون… كانت تخيط، وخزات الإبر تنتشر على يديها، وآثار الخيوط محفورة في أصابعها.
سألها بصوت خرج منه، رغماً عنه، أكثر رقة من المعتاد: «هل أنتِ بمفردكِ هنا؟». مترددةً، نظرت الطفلة إلى الأسفل وفتحت الباب أكثر قليلاً. لم يشأ نعمان الدخول دون إذن، فاكتفى بالميل بجسده ليرى أفضل.
كانت الشقة مظلمة، والستائر مسدولة، والهواء ثقيلاً. كرسي متهالك في الزاوية، وثلاجة يبدو أنها لم تُنظف منذ سنوات، وعلى الموقد قدر فيه بقايا طعام محترق. لكن ما صدمه بحق كان سريراً صغيراً في غرفة المعيشة، أغطية رقيقة، ولحاف ممزق، وبجواره علب أدوية فارغة. اتضحت الصورة أمامه دفعة واحدة. سألها دون أن يتحرك: «أمكِ مريضة؟». نظرت إليه الطفلة مجدداً، وأومأت برأسها، دون أن تزيد حرفاً.
لم يدرِ نعمان ماذا يفعل. لم تكن هذه المرة الأولى التي يرى فيها الفقر؛ فقد نشأ هو نفسه في حي شعبي فقير منذ زمن طويل، قبل أن يؤسس شركته، وقبل أن يوضع اسمه على عقود العقارات… يوم كانت أمه تجمّع القروش على طاولة مطبخ لا تختلف كثيراً عن هذه الطفلة. غير أن سنوات طويلة مرت منذ أن وقف وجهًا لوجه أمام فقر بهذا الخلاء والوضوح، وفوجئ كيف سرعان ما عاد إليه ذلك الشعور القديم؛ قهر طفل يعيش في عالم يعوزه كل شيء.
أخرج هاتفه متظاهراً بمراجعة أمر ما، وسأل الطفلة عن اسم والدتها. قالت بصوت خفيض: «سارة». ثم، وكأنها خجلت من الحديث، عادت إلى الخياطة بين يديها. سألها نعمان عن الإيجار، رغم أنه لم يعد يهمه في تلك اللحظة. قالت الطفلة إن والدتها تركت مظروفاً تحت الفراش، ثم ركضت دون أن تفلت الإبرة من يدها، وعادت بعد ثوانٍ بمظروف مجعد. فتحه نعمان… كان شبه فارغ، بضع ورقات نقدية صغيرة لا تتعدى بضعة دنانير. لم يقل شيئاً؛ فلم يكن هذا وقت الحديث عن المال.








