
فضلت قاعدة على السرير مش قادرة أتحرك ولا حتى أرمش بعيني
كنت ببص لوش أحمد والدموع بتتجمع في عيني وأنا بحاول أستوعب اللي شايفاه
الراجل اللي عشت معاه سنين طويلة واللي كنت فاكرة إني عارفاه أكتر من نفسي طلع مخبي عني سر أكبر من قدرتي على الاحتمال
رفعت إيدي ببطء ناحية وشه وأنا بترعش
أحمد لاحظ حركة إيدي فرجع لورا بسرعة وكأنه خايف ألمسه
الحركة دي لوحدها خلت قلبي يتقبض
قلتله بصوت متقطع
إنت بتبعد عني ليه
رد وهو بيبص للأرض
عشان عارف إنك مش قادرة تستحملي الحقيقة
قلتله وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي
حقيقة إيه يا أحمد
إنت مين
أنا عشت معاك عشرين سنة وأنا فاكرة إني عارفاك
إزاي تبقى واقف قدامي دلوقتي وتخليني أحس إني أول مرة أشوفك فيها
رفع عينيه ليا وكانت الدموع مالية وشه
وقال
أنا أحمد يا مريم
جوزك وأبو ولادك
أنا نفس الشخص اللي كان بيقعد جنبك بالليل لما كنتي بتعيطي عشان مش قادرة تشوفي ولادك
أنا اللي كنت بمسك إيدك وإنتي بتتعلمي تمشي في البيت من غير ما تخبطي في الحاجات
أنا اللي كنت بوعدك كل يوم إني هرجعلك نظرك
لكن أنا كمان الشخص اللي كدب عليكي سنين طويلة
الكلمة الأخيرة نزلت عليا زي الس/كينة
كدب عليا
يعني إيه
إنت كنت بتكدب عليا في إيه
سكت شوية وبعدين قال
قبل ما أجاوبك عايزك تسمعيني للآخر
قلتله بحدة
أنا سمعتك عشرين سنة يا أحمد
دلوقتي دورك إنت اللي تتكلم
حط إيده على وشه وفضل ساكت شوية قبل ما يبدأ يحكي
قال إن الحقيقة بدأت قبل ما نتجوز بوقت طويل
قبل ما أعرفه أصلًا
وقبل ما أفقد نظري بسنين
وبعدين بصلي وقال
فاكرة الحادثة اللي فقدتي فيها نظرك
هزيت راسي وقلتله
طبعًا فاكرها
دي أكتر حاجة غيرت حياتي
قال
الولد اللي زقك عند المراجيح مكانش بيهزر معاكي زي ما كنتي فاكرة
بصيتله بصدمة
إنت بتقول إيه
كمل كلامه بصوت واطي
الولد ده كان ابني خالتي واسمه كريم
كان أكبر منك بكام سنة وكان معروف عنه إنه عصبي ومتهور
في اليوم ده كان بيتخانق مع بنت من الجيران وإنتي كنتي واقفة قريب منهم
لما حاولتي تبعديه عن البنت زعقلك وزقك بعنف
إنتي وقعتي وخبطتي راسك في الصخرة
بعد الحادثة أهلك أخدوكي المستشفى والموضوع اتسجل على إنه حادثة لعب عادية
لكن اللي إنتي متعرفيهوش إن كريم اختفى من المنطقة بعدها بفترة قصيرة
قلتله
وإنت عرفت الكلام ده منين
رد
عشان كريم كان ابن خالتي وأنا كنت أعرفه كويس
لكن دي مش الحقيقة كلها
أنا اتجوزتك بعد ما قابلتك في المستشفى بسنين
ولما اتكلمنا عن الحادثة لأول مرة عرفت إنك مش فاكرة شكل الولد اللي زقك
ولما سألتي عن اسمه قلتلك إني معرفش
مع إني كنت أعرفه
حسيت إن الدنيا بتلف بيا
لكن قبل ما أستوعب كلامه سألته
طيب وإيه علاقة ده بخوفي من العملية
إيه علاقة كريم بنظري اللي رجع
أحمد سكت طويلًا وبعدين قال
كريم مات من خمس سنين
وقبل ما يموت اعترف لوالدته بالحقيقة
والدته كلمتني وقالتلي كل اللي حصل بالتفصيل
لكن أنا مكنتش عايز أقولك
قلتله بغضب
ليه
عشان كنت خايف أواجهك بالحقيقة
ولا عشان كنت عايز تفضل مخبي عني كل حاجة
هز راسه وقال
فيه سبب تاني يا مريم
السبب الحقيقي اللي خلاني أترجاكي متعمليش العملية
أنا كنت خايف إنك لما ترجعي تشوفي تكتشفي حاجة عني أنا شخصيًا
بصيتله وأنا مش فاهمة
حاجة إيه
قرب مني خطوة وبعدين وقف مكانه
وقال
فاكرة أول مرة اتقابلنا في المستشفى
قلتله
أيوه
قال
إنتي وقتها سألتي إذا كنا اتقابلنا قبل كده
وقلتلك لأ
لكن الحقيقة إننا اتقابلنا فعلًا قبلها بسنين
في نفس اليوم اللي فقدتي فيه نظرك
قلبي بدأ يدق بسرعة
إنت كنت موجود يوم الحادثة
هز راسه ببطء
أيوه
كنت موجود
رجعت بظهري على المخدة وأنا بحاول أفتكر اليوم ده
كنت طفلة صغيرة وقتها
فاكرة المراجيح
وفاكرة إني وقعت
وفاكرة صوت الناس وهي بتجري ناحيتي
لكن مكنتش فاكرة أي حاجة تانية
قلتله
إنت كنت تعرفني قبل ما أفقد نظري
قال
كنت شاب صغير وقتها وكنت في آخر سنة في كلية الطب
كنت راجع من درس قريب من الحديقة وسمعت صوت صريخ
جريت أشوف فيه إيه ولقيتك واقعة على الأرض والناس حواليكي
حاولت أساعدك لحد ما الإسعاف وصلت
وبعدين رحت المستشفى أطمن عليكي
أول ما وصلت عرفت إنك فقدتي الوعي وإن إصابتك خطيرة
بعدها بأيام سألت عن حالتك وعرفت إنك فقدتي نظرك
قلتله
وبعدين
قال
وبعدين اختفيت من حياتك
مكنتش أعرفك ولا تعرفيني
ومر وقت طويل لحد ما قابلتك تاني في المستشفى اللي كنت بتدرب فيها بعد ما اتخرجت
وقتها إنتي كنتي جاية تتابعي مع دكتور متخصص
أنا شفتك وعرفتك على طول
لكن إنتي مكنتيش تعرفيني
سألته
طيب ليه مخبي عليا ده كله
رد بسرعة
عشان كنت خايف تفهمي الموضوع غلط
كنت خايف تفتكري إني قربت منك بدافع الشفقة
أو إني اتجوزتك عشان أحس إني أنقذتك
لكن مع الوقت حبيتك فعلًا
حبيتك يا مريم
ولما اتجوزنا كنت عايز أقولك الحقيقة أكتر من مرة لكن كل مرة كنت بتراجع
قلتله
يعني إنت كنت موجود في اليوم اللي حياتي اتغيرت فيه ومخبي عليا كل ده عشرين سنة
قال
أيوه
وبعدين سألته السؤال اللي كان بيخوفني من أول ما شفت وشه
طيب إيه اللي شوفته أنا في وشك وخلاك مرعوب كده
إيه اللي أنا مش قادرة أفهمه
أحمد نزل عينيه للأرض
وبعد لحظات طلع من جيبه صورة قديمة وحطها في إيدي
قال
بصي للصورة دي كويس
مسكت الصورة وأنا لسه بتعلم أركز في التفاصيل
كانت صورة قديمة لثلاثة شباب واقفين قدام مبنى الجامعة
أحمد كان واقف في النص
وعلى يمينه شاب تاني
أول ما ركزت في وش الشاب حسيت بقشعريرة في جسمي
كان فيه شبه غريب بينه وبين أحمد
مش مجرد شبه عادي
نفس شكل العينين
نفس الأنف
ونفس الابتسامة تقريبًا
بصيت لأحمد وقلت
مين ده
رد بصوت مبحوح
أخويا التوأم
اسمه محمود
حسيت إن قلبي وقف للحظة
إنت عندك أخ توأم
قال
كان عندي
محمود مات من سنين طويلة
وسكت شوية قبل ما يكمل
لكن فيه حاجة تانية لازم تعرفيها
محمود هو اللي كان موجود في الحديقة يوم الحادثة
مش أنا
بصيتله بعدم تصديق
إنت بتقول إن أخوك هو اللي زقني
قال
أنا معرفش هو زقك ليه بالضبط
كل اللي عرفته بعد سنين إن محمود كان موجود مع كريم يومها
والاتنين اتخانقوا قبل ما إنتي تقعي
محمود حاول يمنع كريم من إنه يأذيكي لكن حصل اللي حصل
بعدها محمود عاش عمره كله حاسس بالذنب
وكان بيحاول يساعدك من بعيد من غير ما تعرفي
قلتله
يساعدني إزاي
أحمد سحب كرسي وقعد قدامي
وقال
لما كبرت ودخلت كلية الطب بدأت أبحث عن حالتك القديمة
كنت عايز أفهم إذا كان فيه أمل ترجعي تشوفي
لكن كل مرة كنت بوصل لطريق مسدود
وبعد وفاة محمود لقيت في أوراقه جواب مكتوب ليكي
كان محتفظ بيه من يوم الحادثة
لكنه عمره ما قدر يبعته
سألته وأنا حاسة إن رأسي هتنفجر من كثرة المعلومات
والجواب فين
قام أحمد وفتح درج صغير في الكومودينو وطلع ظرف قديم
مدهولي وقال
هنا
فتحته بإيدي المرتعشة وبدأت أقرأ
كان مكتوب فيه
أنا آسف يا مريم
يمكن إنتي متعرفيش اسمي ويمكن عمرك ما تشوفيني
لكن أنا كنت موجود يوم ما حياتك اتغيرت
ومش هقدر أسامح نفسي إني مكنتش قادر أمنع اللي حصل
أنا حاولت أساعدك بعد الحادثة لكن مكنتش عارف أواجهك
لو جه يوم ورجعلك فيه نظرك أتمنى تكوني عايشة حياة سعيدة
وأتمنى تعرفي إنك مكنتيش تستاهلي اللي حصل ليكي
فضلت أبكي وأنا بقرأ الكلام
مش عشان سامحت محمود
ولا عشان فهمت كل حاجة
لكن عشان عرفت إن فيه ناس عاشت سنين وهي شايلة سر كبير ومحدش فيهم كان عنده الشجاعة إنه يواجهني بالحقيقة
قفلت الظرف وبصيت لأحمد
قلتله
كل ده كان ممكن أعرفه من زمان
ليه استنيت لحد النهارده
رد
عشان كنت جبان
كنت خايف أخسرك
وكنت فاكر إن السكوت هيحمينا كلنا
لكن لما عرفتي إن فيه عملية ممكن ترجعلِك نظرك حسيت إن كل الأسرار اللي دفنتها هتطلع للنور
قلتله
يعني إنت كنت رافض العملية عشان خايف أشوفك وأعرف الحقيقة
قال
أيوه
أنا كنت عارف إنك أول ما تشوفي صور محمود هتلاحظي الشبه بينا
وكنت خايف تفتكري إني هوأو إنك تفتكري إني أخويا وإنه هو اللي اتجوزك
بصيتله بذهول
إنت فاكر إني ممكن أعيش عشرين سنة معاك ومبقاش عارفة صوتك وطريقتك
إنت فاكر إني هتلخبط بينك وبين أخوك لمجرد إنكم توأم
أحمد سكت
وبعدين قال
أنا عارف إن كلامي ملوش عذر
لكن الخوف خلاني أتصرف بغباء
في اللحظة دي باب الأوضة اتفتح ودخل ابني الكبير يوسف ومعاه أخته الصغيرة ليلى
يوسف كان عنده حوالي تسع سنين وليلى عندها ست سنين
أول ما شافوني قاعدة وعيني مفتوحة وقف مكانه ومتحركش
قال بصوت مكسور
ماما
إنتي شايفاني
ابتسمت وسط دموعي ومديت إيدي ناحيته
تعالى يا حبيبي
جري عليا ورمى نفسه في حضني
فضلت ألمس وشه بإيدي وأبص لملامحه
كنت عايزة أحفظ كل تفصيلة فيه
عينيه
وشعره
وابتسامته
كل حاجة كنت محرومة منها
قلتله وأنا بعيط
أيوه يا يوسف
شايفاك يا حبيبي
شايفة عينيك وشعرك ووشك الجميل
يوسف مسح دموعه وقال
طب أنا شبه بابا ولا شبهك
ضحكت رغم كل اللي كنت بمر بيه
وقلتله
إنت شبه نفسك يا حبيبي
إنت أجمل حاجة في حياتي
ليلى قربت مني بحذر ورفعت إيديها الصغيرة ناحية وشي
وقالت
ماما هو أنا كمان هتقدري تشوفيني كل يوم
حضنتها وقلت
كل يوم يا روح ماما
هشوفك كل يوم وهفضل فاكرة وشك طول عمري
لكن وأنا بحضن ولادي كان أحمد واقف بعيد
ولأول مرة من سنين حسيت إن فيه مسافة كبيرة بيني وبينه
مسافة مش هتقدر الأيام تمحيها بسهولة
بعد ما الولاد خرجوا من الأوضة عشان يجيبوا لي شوية حاجات من البيت بصيت لأحمد وقلتله
أنا محتاجة أعرف كل حاجة
مش عايزة أسرار تاني
قال
هقولك كل حاجة
لكن قبل ما يكمل كلامه تليفونه رن
بص للشاشة واتغير لون وشه
سألته
مين
قال
المستشفى
رد على المكالمة وبعد ثواني سمعته بيقول
إيه
إزاي يعني
إمتى حصل الكلام ده
وبعدين قفل التليفون وبصلي
قلتله
فيه إيه
قال
فيه مشكلة في ملف العملية
الدكاترة اللي راجعوا التقارير اكتشفوا إن فيه بيانات قديمة ناقصة
وإنهم محتاجين نرجع المستشفى عشان يتأكدوا من تفاصيل حالتك
حسيت بالخوف
يعني العملية ممكن تفشل
قال بسرعة
لأ يا مريم
العملية نجحت فعلًا
لكن فيه حاجة في تاريخ إصابتك محتاجة مراجعة
فضلت أبصله وأنا حاسة إن القصة لسه مخلصتش
وبالفعل في اليوم التالي رجعنا المستشفى
الدكتورة سارة كانت مستنيانا في مكتبها
رحبت بيا وطلبت مني أقعد وبعدها فتحت الملف القديم
قالت
يا مريم فيه معلومة لازم تعرفيها
الإصابة اللي حصلتلك وإنتي طفلة كانت أخطر من اللي مكتوب في التقرير الأول
كان فيه تلف في جزء من الأنسجة المسؤولة عن الإبصار لكن مع مرور السنين ظهرت تغيرات خلت الأطباء يعتقدوا إن فيه فرصة للعلاج
العملية اللي عملناها كانت دقيقة جدًا والحمد لله النتيجة الأولية مبشرة
لكن لازم نتابع حالتك باستمرار عشان نتأكد إن نظرك مستقر
سألتها
يعني أنا هفضل أشوف
ابتسمت وقالت
إحنا متفائلين جدًا لكن محتاجين نتابعك بانتظام
وبعدين بصت لأحمد وقالت
وفيه حاجة تانية يا دكتور أحمد
إحنا لقينا في الأرشيف خطاب قديم متعلق بحادثة مريم
الخطاب ده كان متحطوط مع أوراق التحقيق القديمة
أحمد اتوتر بشكل واضح
سألها
خطاب من مين
الدكتورة قالت
من والد محمود وأحمد
كان الخطاب بيطلب إعادة فتح التحقيق في الحادثة لأن فيه شكوك إن سقوط مريم مكانش مجرد حادث عادي
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي
بصيت لأحمد وقلت
إنت كنت تعرف الكلام ده
رد بصوت واطي
كنت أعرف إن أبويا حاول يفتح الموضوع من زمان
لكن مكنتش أعرف إن الخطاب لسه موجود
الدكتورة طلعت نسخة من الخطاب وحطتها قدامي
كان مكتوب فيه إن محمود اعترف لوالده إنه كان بيتخانق مع كريم في الحديقة يوم الحادثة وإنه حاول يمنعه من الاقتراب مني
لكن مفيش دليل قاطع يثبت مين اللي تسبب في سقوطي
كل اللي كان واضح إن فيه تفاصيل اتدفنت بسبب خوف العيلة من الفضيحة
خرجت من المستشفى وأنا حاسة إن كل اللي كنت فاكره عن حياتي محتاج يتراجع من الأول
لكن أكتر حاجة وجعتني مكنتش الحادثة القديمة
كانت إن أحمد اختار يخبي عني الحقيقة وهو عارف قد إيه أنا محتاجة الصدق
في طريق العودة قلتله
أنا مش هطلب منك تشرحلي تاني ليه خبيت
أنا فهمت إنك كنت خايف
لكن خوفك ميديكش الحق تختار عني أنا أستحق أعرف إيه ومقدرش أعرف إيه
قال
عندك حق
قلتله
أنا كنت عمياء يا أحمد
لكن ده مكنش معناه إني مش فاهمة الدنيا
كنت محتاجة منك تبقى عيني اللي تثق فيها
مش الشخص اللي يقرر بالنيابة عني إيه اللي أشوفه وإيه اللي أفضل محرومة منه
أحمد بدأ يبكي وقال
أنا آسف يا مريم
عارف إن كلمة آسف مش كفاية
لكن أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أصلح اللي عملته
بصيت من شباك العربية للطريق اللي قدامي
لأول مرة أشوف الشوارع والمحلات والناس اللي ماشية على الرصيف
وبعدين قلتله
أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أسامحك ولا لأ
لكن فيه حاجة واحدة متأكد منها
أنا مش هرجع أعيش في الضلمة تاني
لا ضلمة عيني
ولا ضلمة الأسرار
مرت أسابيع وأنا بتعالج وبروح مواعيد المتابعة بانتظام
نظري بدأ يتحسن تدريجيًا وبقيت أقدر أتحرك في البيت بسهولة أكبر
كنت بقضي ساعات طويلة مع ولادي
أشوفهم وهما بيلعبوا
وأراقبهم وهما بيذاكروا
وأتعلم ملامحهم اللي كنت بتخيلها طول السنين
أما أحمد فكان بيحاول يقرب مني من غير ما يضغط عليا
كان بيجهز الفطار ويساعدني في مواعيد العلاج ويقعد يسمعني لما أتكلم
لكنه كان عارف إن الثقة اللي ضاعت مش هترجع بكلمتين
وفي يوم وأنا براجع الصور القديمة لقيت صورة ليا وأنا طفلة صغيرة قبل الحادثة
قعدت أتأمل وشي وأنا بحاول أتخيل الحياة اللي كنت هعيشها لو الحادثة دي محصلتش
أحمد دخل الأوضة وشافني ماسكة الصورة
قال
بتفكري في إيه
قلتله
بفكر في البنت الصغيرة اللي كانت في الصورة دي
كان نفسها تكبر وتشوف الدنيا وتعيش حياة عادية
ومكنتش تعرف إن حياتها هتتغير في لحظة
قعد جنبي وقال
لو أقدر أرجع الزمن كنت هعمل كل حاجة عشان أحميكي
بصيتله وقلت
إنت مكنتش موجود عشان تمنع الحادثة يا أحمد
ومش هحاسبك على حاجة معملتهاش
لكن هحاسبك على كل مرة اخترت فيها الكذب بدل الحقيقة
هز راسه وقال
فاهم
قلتله
أنا مش عايزاك تعيش باقي عمرك تعاقب نفسك
أنا عايزاك تتعلم إن الحب مش معناه إنك تخبي عن الشخص اللي بتحبه كل حاجة بتخوفك
الحب إنك تثق فيه وتسيبه يقرر بنفسه
فضل ساكت شوية وبعدين قال
تفتكري ممكن نبدأ من جديد
بصيتله طويلًا
وبعدين قلت
ممكن نحاول
لكن مش هنرجع زي الأول
هنبدأ من جديد بصدق
ومن غير أسرار
أحمد مسك إيدي وباسها وهو بيبكي
ولأول مرة من يوم العملية حسيت إن فيه فرصة حقيقية إننا نقدر نواجه اللي حصل
مش لأن الماضي اختفى
لكن لأننا أخيرًا بدأنا نتكلم عنه بصراحة
وبعد شهور من العلاج والمتابعة رجعت المستشفى عشان آخر فحص في المرحلة دي من علاجي
الدكتورة سارة فحصت عيني وبعدها ابتسمت وقالت
النتائج مطمئنة جدًا يا مريم
نظرك اتحسن بشكل كبير وده خبر ممتاز
لسه محتاجة تتابعي حالتك لكن تقدري ترجعي تمارسي حياتك بشكل طبيعي بالتدريج
خرجت من العيادة وأنا بضحك من الفرحة
أحمد كان مستنيني بره
أول ما شافني سألني
طمنيني
قلتله
الدكتورة بتقول إن حالتي مستقرة وإن فيه تحسن كبير
ابتسم وقال
الحمد لله
وبعدين وقف لحظة وقال
عارف إن فرحتي بالخبر ده مش هتمحي اللي حصل
لكن أنا سعيد عشانك
بصيتله وقلت
وأنا كمان سعيدة
عشان أخيرًا بقيت أقدر أشوف ولادي وأشوف حياتي بعيني
في نفس الليلة جمعت ولادي حواليا في الصالة
يوسف كان بيحكيلي عن المدرسة وليلى كانت بتوريني رسوماتها
مسكت رسمة ليلى وبصيتلها كويس
كانت راسمة بيت كبير وشمس وسماء زرقا وأربع أشخاص ماسكين إيدين بعض
سألتها
مين دول يا ليلى
قالت وهي بتضحك
إنتي وبابا وأنا ويوسف
إحنا عيلة واحدة
حضنتها وبوست راسها
وبعدين بصيت لأحمد اللي كان واقف عند باب الصالة
كان فيه حاجات كتير لسه محتاجة وقت عشان تتصلح
وكان فيه وجع مش هيروح في يوم وليلة
لكن في اللحظة دي فهمت إن حياتي مش لازم تفضل أسيرة للحادثة القديمة ولا للأسرار اللي اتخبّت عني
أنا مريم
الست اللي فقدت نظرها عشرين سنة
واللي فضلت تحلم إنها تشوف الدنيا من تاني
ولما الحلم اتحقق اكتشفت إن أصعب حاجة مش إني أفتح عيني وأشوف الوجوه
أصعب حاجة كانت إني أواجه الحقيقة اللي الناس اللي بحبهم خافوا يقولوهالي
ومن يومها قررت إن حياتي الجديدة هتكون مختلفة
هربي ولادي على الصراحة
وهعلمهم إن الخوف مش مبرر للكذب
وإن الإنسان ممكن يغلط ويخبي ويهرب من الحقيقة لكنه في النهاية لازم يتحمل نتيجة اختياراته
أما أحمد ففضل معايا
مش لأن كل حاجة اتنسيت
ولا لأن الثقة رجعت في يوم وليلة
لكن لأنه بدأ يثبتلي بأفعاله إنه مستعد يتحمل مسؤولية اللي عمله
ومع مرور الوقت بدأنا نبني علاقتنا من جديد خطوة خطوة
وفي يوم خرجت مع ولادي للحديقة لأول مرة بعد العملية
وقفت قدام المراجيح وبصيت للمكان اللي اتغيرت فيه حياتي وأنا طفلة
يوسف مسك إيدي وسألني
ماما إنتي زعلانة من المكان ده
بصيت للمراجيح وبعدين ابتسمت وقلتله
لأ يا حبيبي
أنا مش زعلانة من المكان
أنا بس فاكرة كل اللي حصل فيه
وبعدين ركبت ليلى المرجيحة وطلبت مني أزقها
وقفت وراها وبدأت أزقها بهدوء وأنا بضحك
كانت الشمس بتنور المكان والناس بتتكلم والأطفال بتجري في كل اتجاه
ولأول مرة من عشرين سنة حسيت إني مش مجرد واحدة رجعلها نظرها
حسيت إني رجعت أعيش حياتي من جديد
وفي اللحظة دي أحمد قرب مني وقال
مريم
بصيتله
قال
أنا عارف إنك لسه موجوعة مني
بس عايزك تعرفي إني عمري ما هطلب منك تنسي اللي حصل
كل اللي بطلبه إنك تديني فرصة أثبتلك إني أقدر أبقى الشخص اللي تستحقيه
فضلت أبصله شوية وبعدين قلتله
الفرصة مش وعد يا أحمد
الفرصة مسؤولية
ولو عايزنا نكمل لازم كل يوم تثبتلي إن الحقيقة عندك أهم من خوفك
هز راسه وقال
وعد
ابتسمت ابتسامة صغيرة ورجعت أبص لولادي وهما بيلعبوا
كنت عارفة إن المستقبل مش مضمون وإن فيه أيام صعبة ممكن تيجي
لكن كنت عارفة كمان إن المرة دي أنا مش هسيب الخوف يقرر مكاني
لأني بعد عشرين سنة من العمى اكتشفت إن الرؤية مش مجرد عين بتشوف
الرؤية كمان إنك تعرف الحقيقة وتقدر تواجهها حتى لو كانت مؤلمة
وإن الحب الحقيقي مش إنك تحمي اللي بتحبه من كل حاجة ممكن توجعه
الحب الحقيقي إنك تحترم حقه في إنه يعرف ويختار ويعيش من غير ما حد في ضلمة الأسرار
ومن يومها بقيت كل ما أبص في المراية أفتكر إن العملية رجعتلي نظري لكن الحقيقة هي اللي علمتني أشوف الناس على حقيقتها
تمت.. #مشيره_محمد




