
عربيتي عطلت في طريق مقطوع في الصعيد، وهناك لقيت طليقتي اللي رميتها من 17 سنة قاعدة بتبيع بطيخ مع ولد عنده 16 سنة عنده نفس عيني وعصبية ملامحي.. في الوقت اللي أنا كنت رايح أوقع صفقة ملايين! وساعتها افتكرت جملة أمي البت دي مش من مستواك.. كنسلت الاجتماع وروحت أطلب الحقيقة.. بس اعتراف مكتوب وخط بخط إيد أمي كشف السر المرعب ومين اللي دمر عيلتي وشردنا كل السنين دي!
كريم زهران كان ماشي في طريق أسيوط الصحراوي، وعربيته الميرسيدس عطلت فجأة.. وبعد 10 دقايق، الراجل اللي يقدر يشتري فنادق ومشاريع بالملايين اكتشف إن طليقته اللي طردها من بيته في التجمع من 17 سنة، قاعدة تحت شمسية مطينة بتبيع بطيخ وكنتالوب!
كريم عنده 45 سنة، ويدير مجموعة شركات نقل وتصدير من القاهرة. في الصبح ده كان مسافر يوقع صفقة ب 50 مليون جنيه لما السواق قاله إن الموتور سخن ولازم يقفوا.
اضطروا يقفوا جنب فرشة فاكهة بسيطة على جنب الطريق. كريم نزل معصب، فك الكرافتة، وتمشى ناحية الفرشة عشان يطلب زجاجة مية ساقعة.
ورا صندوق الكنتالوب، كانت فيه ست بتفرز البضاعة.. لابسة جلابية بسيطة، ورافعة شعرها لور.
بعد إذنك يا حاجّة، فيه إزازة مية ساقعة؟
الست رفعت وشها..
كريم اتجمد مكانه!
دي منى..
نفس الست اللي اتجوزها وهوا عنده 26 سنة.. الست اللي رماها في الشارع وطردها من بيته قبل 17 سنة وهو متأكد إنها خانته!
منى وشها اصفر واتخضت
مش معقول..
منى..؟!
امشي من هنا!
وفجأة.. ظهر ولد شاب شايل قفص كرتون.. عنده حوالي 16 سنة.. طويل، أسمر من الشمس، عيونه عسلي غامق، ونفس نظرة كريم الحادة تماماً.
ماما، فيه إيه؟
كريم بص له وحس بضړبة مرعبة في صدره..
الولد ده عنده نفس عيونه!
اسمك إيه يا ابني؟ سأل بصوت مرتعش.
يوسف.. وحضرتك مالك؟!
منى قفلت عيونها بدموع
يوسف.. ادخل جوة حالا!
كريم عمل الحسبة في ثانية
17 سنة من يوم الطرد والافتراق..
و سنة عمر الولد!
وفجأة افتكر الليلة السوداء اللي طردها فيها.. الليلة اللي كانت فيها حامل في الشهور الأولى، وهو صدق كلام أمه إن الطفل ده مش ابنه وإنها على علاقة بغيره..
يا منى.. قولي لي إن اللي بفكر فيه ده غلط..
ملكش حق تسأل أصلًا!
كريم طلع رزمة فلوس من جيبه
خدي.. سامحيني وعوضي ابنك.
منى خبطت الفلوس بإيدها فوق التراب ونزلت على الأرض پغضب
فلوسك دي جت متأخرة 17 سنة.. ارحل من هنا!
يوسف بص لأمه وبص لكريم باستغراب
يا ماما، مين الراجل ده؟!
واحد من ماضينا الأسود يا ابني.
السواق جه وقال إن الجرّار وصل، بس كريم مسمعش كلمة واحدة.. ركب عربيته، كنسل اجتماع الصعيد الأسطوري، وحجز في فندق قريب بالمنطقة.
طوال الليل، كان عقله بيلف حولين صورة أمه تيسير.. الست اللي من 17 سنة جابت له جوابات مزورة وشهدت كڈب إنها شافت منى مع راجل تاني.. منى وقتها حلفت بكل المقدسات إنها بريئة، بس هو اختار يصدق أمه!
مسك تليفونه وضړب رقم أمه
يا ماما، عايز إجابة واضحة.. يوم ما طردت منى، كنتِ عارفة أنها حامل في ابني؟!
سكون طويل على الخط..
يا كريم يا حبيبي، الست دي ما كانتش نافعة لك..
كنتِ عارفة ولا لأ؟!
سكون أطول.. وقبل ما ترد، قفل السكة في وشها!
وفي نفس اللحظة، على بعد كيلومترات، كان يوسف قاعد قدام أمه في بيتهم البسيط
الراجل ده أبويا.. مش كده يا ماما؟!
منى ما قدرت تداري أكتر من كده ونزلت دموعها
أيوه يا يوسف..
الولد قبض على
إيده پغضب
يبقي بكرة الصبح لازم أروح أواجهه.. وأعرف ليه سابنا نتبهدل كل السنين دي!
منى بصت لابنها وهي مړعوپة.. مش خاېفة من رجوع كريم، دي كانت خاېفة من الحقيقة المرعبة اللي هتنكشف وتدمر كل حاجة لما يوسف يعرف مين السبب الحقيقي وراء طردهم!
يا ترى إيه الاعتراف اللي في جواب الأم القديم، وإزاي هيواجه يوسف أبوه المليونير بعد السنين دي كلها؟ الأحداث الجاية فيها صدمات مدمرة ورد اعتبار مش
الجزء الثاني
بقيت طول الليل سهران، عيوني ما غمضتش دقيقة واحدة. كل تفصيلة رجعت لي كأنها امبارح صرخات منى وهي بتترجاني أصدقها، دموعها اللي كانت بتجري على خديها، وأنا پقلعها الخواتم من إيدها وبقول لها بكل قسۏة اخرجي برة، ما لكيش مكان هنا. وسط كل ده، صوت أمي تيسير كان رنان في وداني البنت دي خاېنة يا كريم، الشهود شافوها، والجوابات معايا، ما تثقش فيها، أنا اللي بحبك وبخاف عليك.
وصدقتها.. طردت الإنسانة الوحيدة اللي كانت تحبني بصدق من غير فلوس ولا نفوذ، ورميتها في الشارع وهي حامل، ومشيت في طريقي مبسوط إني تخلصت منها. وكل السنين دي، وأنا بشتغل وأكبر وأبني إمبراطورية، كنت فاكر إنها عاشت حياتها ونسيتني، وإن الولد اللي معاها ده ابن راجل تاني. لحد ما النهاردة شفت يوسف.. وشفت في عينيه عيوني بالظبط، في نظراته عصبيتي، في ملامحه ملامحي اللي ما حدش غيري يورثها لولده.
الصبح بدري، ركبت سيارتي وروحت على نفس المكان. منى كانت موجودة، ويوسف معاها بيحمل الصناديق على عربتهم القديمة. لما شافني، وقف مكانه وشد على إيده بقوة
جيت تعتذر؟ ولا جيت تدفع لي فلوس تانية وتقول لي خليك في مكانك؟
صوته كان حاد ومباشر زيي بالظبط. نزلت من السيارة وقلت بهدوء
جيت أعرف الحقيقة كاملة. وأنا مستعد أدفع تمن كل غلط عملته.. لو سمحتوا، خليني أجلس معاكم دقائق بس.
منى شافت التعب في
عينيا، وأشارت لي على مقعد خشبي قديم جنب المحل
اتفضل. بس اعرف إن كلامك مش هيغير اللي مرينا بيه 17 سنة.
جلست قدامهم، وبدأت منى تحكي بصوت هادئ لكن كل كلمة فيها ألم عميق
يوم ما طردتني يا كريم، نزلت في الشارع الساعة واحدة بعد منتصف الليل، معايا محفظة صغيرة فيها هدومي فقط. ركبت أول أتوبيس لرجوع لأهلي في الصعيد، ولما وصلت هنا، اكتشفت إن أبي ماټ وأمي سافرت تعيش مع أخي في الخارج. مفيش حد لي هنا غير بيت قديم مهجور ورثته عن جدي. سكنت فيه، واكتشفت بعد أسبوع إنني حامل. كنت هعرف أروح فين؟ كنت هقول لمين؟ قلت لنفسي ربنا يكفيني، وهربي ابني، وهعلمه إن الكرامة أهم من كل حاجة. اشتغلت خياطة، وبعدين فتحت محل بقالة صغير، وبعدين بقت باعة فاكهة. ما شكتتش لأحد، وما طلبت منك ولا قرش طول السنين دي كلها. كنت خاېفة لو عرفت بوجوده تيجي تاخده مني. هو كل ما أملك في الدنيا.
دموع نزلت من عينيا وأنا بصوت ليوسف اللي كان ماسك دموعه بصعوبة
وأنتِ عملتي كل ده لوحدك؟
بوجود ربنا يا يوسف ردت وهي بتبوس على راسه وأنت كنت القوة اللي خلاني أصمد.
نظرت ليوسف وقلت له بصوت مرتعش
يا ابني.. ما عنديش عذر للي عملته. صدقت كلام غريب عنك وعن أمك، وخنت الأمانة اللي كانت بيني وبينها. أنا آسف.. آسف من كل قلبي.
يوسف بص لي بعمق، عينيه بتدرساني كأنه بيحاول يعرفني
آسف كلمة سهلة يا باشا. السنين اللي راحت مش بترجع.
أنا كبرت من غير أب، وأمي كانت بتعمل شغل يومها وليلها عشان تكلمني وتعلمني. ما محتاجينش منك حاجة. ارجعلع لعملك وصفقاتك، واحنا هنكمل حياتنا زي ما كنا.
قمت ومشيت، لكن هذه المرة مشيت وأنا عارف إن مش ممكن أمشي وأسيبهم تاني. فيه سر لازم أعرفه، وحق لازم أرجعه. رجعت للفندق، واتصلت بمحاميي القديم، وطلبت منه يجمع لي كل الأوراق القديمة من القضية اللي كانت بيني وبين منى قبل 17 سنة. وبعدين.. اتصلت بأمي تيسير.
عايزك في بيتنا القديم في مصر الجديدة غداً الصبح قلت بجدية تامة ولا تتأخري. الموضوع مش يقبل تأجيل.




