منوعات

وصلت بنت زميلت

الجزء الثالث والأخير: الظرف اللي كشف الحقيقة

— مراتك اختفت يا أستاذ أحمد! وسابت بنتها لوحدها في البيت، وفيه فلوس ناقصة من حسابات الشركة… والأغرب إني لقيت ورقة مكتوب فيها اسم مريم!

قالها شريف في التليفون بصوت قلق.

أحمد بصلي، وأنا واقفة قدامه ماسكة الظرف الأبيض اللي نسيته في درج مكتبي من سنتين.

قال أحمد بجدية:

— أستاذ شريف، قبل ما تعمل أي حاجة، لازم تيجي عندنا حالًا. إحنا لقينا ظرف قديم ممكن يكون ليه علاقة بالموضوع كله.

شريف سأله بسرعة:

— ظرف إيه؟!

أحمد رد:

— لما تيجي هتفهم، بس لو سمحت اطمن على صوفي الأول، ومتسيبهاش لوحدها.

قفل أحمد التليفون، وبصلي.

— مريم، إنتِ متأكدة إن نهى هي اللي ادتلك الظرف ده؟

هزيت راسي وأنا بتترعش.

— أيوه يا أحمد، فاكرة اليوم كويس. كان عيد ميلاد ملك العاشر، وكنت مستعجلة أرجع أجهز التورتة.

بصيت للظرف تاني.

— بس أنا مش فاهمة ليه نهى ادتهولي، وليه قالتلي أحتفظ بيه لحد ما فانيسا تطلبه!

أحمد مد إيده وقال:

— هاتيه، خلينا نصوره من كل ناحية قبل ما نعمل أي حاجة.

صورنا الظرف، وحطيناه على الترابيزة.

بعد حوالي عشر دقايق، جرس الباب رن.

كان شريف.

دخل وهو شكله متعب، وعينيه حمرا من السهر.

أول ما شاف الظرف، وقف مكانه.

— إنتوا جبتوا ده منين؟!

قلت:

— نهى ادتهولي من سنتين، وأنا نسيته في الدرج.

قرب منه وبص على الكتابة.

وفجأة قال:

— الخط ده… أنا أعرفه!

أحمد سأله:

— خط مين؟

شريف رد بصوت متغير:

— ده خط نهى، مسؤولة الحسابات القديمة.

وبعدين رفع عينيه ليا.

— مدام مريم، الظرف ده ممكن يكون أهم دليل في الموضوع كله.

قلت بخوف:

— دليل على إيه؟! أنا مش عايزة غير إن اسمي يطلع من المشكلة دي.

شريف قعد وقال:

— أنا لازم أحكيلكم الحقيقة من أولها.

بدأ شريف كلامه وهو بيبص في الأرض.

— من حوالي سنتين ونص، دخلت مع شريك ليا في معرض عربيات. الشغل كان ماشي كويس، وبدأنا نكبر ونفتح فرع تاني.

سكت لحظة وكمل:

— فانيسا كانت بتشتكي إني مش بقعد معاها كتير، وبتقول إني مهتم بالشغل أكتر منها.

قلت:

— وده خلاها تعمل كل ده؟

هز راسه.

— أنا مش ببررلها، بس بحكيلكم اللي حصل.

وبعدين كمل:

— من حوالي سنة، بدأت ألاحظ إن فيه مصاريف غريبة بتتسجل في الحسابات. مبالغ صغيرة في الأول، وبعدها مبالغ أكبر.

أحمد سأله:

— وكنت بتراجع الحسابات بنفسك؟

قال:

— للأسف كنت سايب أغلب التفاصيل لنهى، لأنها كانت شغالة معانا من أول يوم.

اتنهد.

— لما العجز كبر، طلبت مراجعة شاملة، واكتشفنا إن فيه مستندات ناقصة وتحويلات مش واضحة.

قلت:

— وفانيسا دخلها إيه في الموضوع؟

شريف بصلي وقال:

— فانيسا كانت بتزور المعرض كتير، وكانت صاحبة نهى جدًا. وأنا كنت فاكر إنهم مجرد أصحاب.

وبعدين طلع ورقة من الملف اللي معاه.

— النهارده اكتشفت إن فيه مبالغ اتصرفت باسم خدمات ونقل ومشتريات، من غير مستندات كافية تثبت إنها حصلت فعلًا.

أحمد قال:

— يعني لسه مش معروف مين المسؤول؟

شريف هز راسه.

— بالظبط، وعلشان كده مش هتهم حد من غير دليل.

وبعدين بص للظرف.

— لكن يمكن اللي جواه يساعدنا نفهم.

أحمد قال:

— الأفضل نفتح الموضوع كله قدام محامي، ونوثق اللي معانا.

وافق شريف.

واتصلنا بمحامي يعرفه أحمد، اسمه الأستاذ حسام.

حكينا له باختصار.

طلب مننا نحتفظ بالظرف زي ما هو، ونروح له في المكتب، علشان نفحص المستندات ونحدد الإجراء القانوني المناسب.

لكن قبل ما نتحرك، حصلت المفاجأة.

تليفون شريف رن.

كان رقم فانيسا.

رد بسرعة وفتح السماعة.

— إنتِ فين يا فانيسا؟!

جالنا صوتها وهي بتعيط.

— شريف… أنا آسفة.

قال بانفعال:

— آسفة على إيه؟! على العربية؟! ولا الفلوس؟! ولا الكلام اللي حصل من سنتين؟!

قالت بصوت مخنوق:

— أنا كنت خايفة.

— خايفة من إيه؟!

سكتت.

وبعدين قالت:

— من نهى… ومن كريم.

شريف اتجمد.

— كريم؟! هو ده سبب خروجك معاه بالعربية الفجر؟

قالت:

— أيوه، بس والله مش زي ما إنت فاهم!

شريف رد:

— طب فهميني!

وفجأة قالت جملة قلبت كل حاجة:

— كريم كان بيهددني يا شريف… وكان معاه صور ومستندات تثبت إني أخدت فلوس من حسابات الشركة!

فضلنا كلنا ساكتين.

شريف سألها:

— يعني إنتِ فعلًا أخدتِ فلوس من الشركة؟

فانيسا بدأت تعيط.

— أيوه… بس مش كل الفلوس اللي ناقصة!

شريف حط إيده على راسه.

— يا نهار أبيض!

كملت بسرعة:

— أنا بدأت بمبالغ صغيرة، وكنت بقول لنهى تسجلها على مصاريف تانية. كنت ناوية أرجعها لما تتحسن ظروفي.

شريف قال بانفعال:

— ظروفك؟! أنا عمري ما قصرت معاكي في حاجة!

ردت:

— كنت بصرف كتير، وعليا أقساط وحاجات إنت متعرفهاش… وكنت خايفة أقولك.

قلت من غير ما أحس:

— وفلوس مواصلات صوفي؟!

سكتت فانيسا.

شريف قال بمرارة:

— حتى فلوس مواصلات بنتك كنتِ بتاخديها، ومريم هي اللي كانت بتوصلها ببلاش!

فانيسا همست:

— عارفة إني غلطت.

قلت وأنا مش قادرة أتحكم في دموعي:

— غلطتي؟! إنتِ استغليتيني سنتين، ولما احتجتك يوم واحد، أهنتي بنتي قدامي!

قالت:

— مريم، أنا آسفة.

رديت:

— اعتذارك مش هيمسح دموع بنتي يا فانيسا.

سكتت.

وبعدين قالت:

— أنا عارفة إنك مش هتسامحيني بسهولة، بس والله ما كنت أقصد أدخلك في الموضوع.

أحمد اتدخل:

— أمال ليه طلبتي منها تسلّم الأظرف؟

فانيسا ما ردتش.

شريف قال بحدة:

— ردي يا فانيسا!

قالت وهي بتعيط:

— علشان نهى قالتلي إن مريم هي اللي كانت بتسلّم الأظرف، وممكن نثبت إن الموضوع كان شغل خاص بيها.

حسيت إن الغضب مالي قلبي.

— يعني كنتوا مستعدين تضروا سمعتي علشان تنقذوا نفسكم؟!

قالت:

— أنا كنت مرعوبة!

رديت:

— والخوف يديكي الحق تظلمي واحدة مالهاش ذنب؟!

ما ردتش.

شريف سألها:

— وإنتِ فين دلوقتي؟

قالت:

— عند أختي.

— وكريم فين؟

سكتت شوية.

— مش عارفة… بعد المشكلة مشي وسابني.

شريف قال:

— اسمعيني كويس، مفيش هروب ولا كلام غير واضح تاني. لازم نتعامل مع الموضوع رسميًا، وكل واحد يتحمل مسؤولية اللي عمله.

وفجأة فانيسا قالت:

— شريف… فيه حاجة لازم تعرفها عن نهى.

— إيه؟

— نهى كانت بتاخد جزء من الفلوس لنفسها، ولما أنا حاولت أبعد عن الموضوع، هي وكريم ضغطوا عليا بالمستندات القديمة.

شريف سألها:

— وعندك دليل؟

قالت:

— عندي رسائل وتحويلات… بس خايفة.

رد شريف بحزم:

— احتفظي بكل حاجة، ومتمسحيش أي رسالة. والمحامي هو اللي هيحدد الخطوة الجاية.

وقفل المكالمة.

بعد ساعة، كنا قاعدين في مكتب الأستاذ حسام.

حكينا له كل اللي حصل من البداية.

من يوم ما فانيسا رفضت تركب ملك في العربية، لحد رسائل الضغط والظرف القديم.

المحامي سمعنا بهدوء.

وبعدين قال:

— أول حاجة، يا مدام مريم، لازم نفرق بين إنك سلمتي أظرف بالفعل، وبين إنك كنتِ عارفة محتواها أو مصدر الفلوس.

قلت بسرعة:

— أنا والله ما كنت أعرف إن فيها فلوس أصلًا!

قال:

— وده يتحدد من الأدلة والمستندات، مش من مجرد كلام أي طرف.

وبعد مراجعة الأوراق، اتضح إن الظرف كان يحتوي على مستندات قديمة تثبت أن مريم لم تكن طرفًا في أي معاملات مالية، وأن توقيعاتها غير موجودة على أي مستند.

كما تم العثور على رسائل وتحويلات بين فانيسا ونهى، ساعدت في كشف حقيقة التعاملات المالية.

وبعد استكمال الإجراءات الرسمية، تم توضيح مسؤولية كل شخص أمام الجهات المختصة، وخرج اسم مريم من الموضوع بالكامل.

أما فانيسا، فاضطرت تواجه نتيجة اختياراتها، بينما تم استكمال التحقيق في باقي الأمور المتعلقة بالشركة.

وبعد فترة، قابلتني فانيسا وقالت:

— مريم، أنا آسفة.

رديت بهدوء:

— أنا مش هنسى اللي حصل، لكن مش هفضل شايلة في قلبي كراهية ليكي.

بصتلي باستغراب.

قلت:

— التسامح مش معناه إننا نرجع زي الأول. أحيانًا التسامح معناه إنك تكملي حياتك من غير ما تحملي جواكي وجع قديم.

سكتت.

وبعدين قالت:

— ينفع أشوف ملك وأعتذرلها؟

بصيت ناحية أوضة بنتي.

كانت قاعدة بتذاكر.

قلت:

— هسألها الأول. لو حبت تقابلك، ده قرارها.

دخلت لملك.

قعدت جنبها وقلت:

— يا حبيبتي، طنط فانيسا بره وعايزة تعتذرلك عن اللي حصل.

ملك بصتلي باستغراب.

— هي زعلانة مني؟

قلت:

— لأ يا روحي، هي عارفة إنها غلطت في حقك.

سكتت شوية.

وبعدين قالت:

— ممكن أطلع أكلمها؟

ابتسمت.

— طبعًا.

خرجت ملك معايا.

أول ما فانيسا شافتها، قامت وقفت.

قربت منها وقالت:

— ملك، أنا آسفة جدًا على اللي عملته معاكي يوم المطر.

ملك بصتلها وسكتت.

فانيسا كملت:

— إنتِ ماكنتيش غلطانة، وأنا اللي اتصرفت بطريقة وحشة.

ملك سألتها بصوت صغير:

— يعني إنتِ مش بتتكسفي مني؟

فانيسا حطت إيدها على بقها وبدأت تعيط.

— لأ يا حبيبتي… أنا اللي المفروض أراجع نفسي على اللي عملته.

ملك قالت:

— أنا يومها كنت خايفة أكون وسختلك العربية، مع إني كنت بحاول أنضف جزمتي.

فانيسا ردت:

— عارفة، وإنتِ ماكنتيش محتاجة تعملي أي حاجة علشان تستحقي إني أعاملك كويس.

وبعدين قالت:

— ممكن تسامحيني؟

ملك بصتلي.

أنا ما اتدخلتش.

بعد لحظة، قالت:

— أنا مش زعلانة زي الأول… بس مش عايزة أركب عربيتك تاني.

فانيسا هزت راسها.

— ومن حقك يا حبيبتي.

ابتسمت ملك ابتسامة صغيرة، ورجعت أوضتها.

وإن المعروف الحقيقي مش بيتقاس بسعر العربية، ولا بنوع الفرش، ولا بالفلوس اللي في البنك.

المعروف بيتقاس بالرحمة اللي في القلب.

أما فانيسا؟

فهي اتعلمت الدرس بالطريقة الصعبة.

العربية اللي كانت خايفة على فرشها من شوية مية، اتضررت.

والفلوس اللي كانت بتجري وراها، دخلتها في مشاكل كبيرة.

والست اللي كانت بتعتبر مساعدتها حق مكتسب، كانت هي نفسها اللي حاولت تظلمها لما اتزنقت.

لكن أكتر حاجة فضلت في بالي من الحكاية كلها، كانت جملة أحمد يومها:

“فيه فرق بين اللي بيقدر المعروف، واللي بيعتبره واجب عليكي.”

دلوقتي بقيت أفهمها كويس.

وبقيت عارفة إن مساعدة الناس شيء جميل، لكن مش معنى إن قلبي طيب إني أسمح لأي حد يستغلني أو يكسر خاطر بنتي.

لأن الطيبة عمرها ما كانت ضعف… والكرامة عمرها ما كانت غرور.

والإنسان اللي بيستغنى عن الناس علشان شوية مظاهر، ممكن ييجي عليه يوم يحتاج فيه نفس الإيد اللي رفض يمد إيده ليها.

تمت بحمد الله.

بقلم الكاتبة أسما السيد

حكايات الكاتبة أسما السيد — قصة حصرية للموقع الإلكتروني.

جميع حقوق النشر محفوظة — ممنوع النسخ أو إعادة النشر دون إذن.

وسؤال لكل اللي قرأوا الحكاية:

لو كنتوا مكان مريم، وبعد سنتين من المعروف جارتكم رفضت توصل بنتكم في المطر علشان خايفة على فرش عربيتها… كنتوا هتسامحوها بعد كل اللي حصل، ولا كنتوا هتقطعوا علاقتكم بيها نهائي؟

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى