عام

هل يجوز للأبن

يُعدّ التعامل مع الميت وتجهيزه من الأمور العظيمة في الشريعة الإسلامية التي تُعنى بحفظ كرامة الإنسان وصيانة حرمته حيّاً وميّتاً. ومن أبرز الأسئلة التي تتردد في أذهان الكثيرين عند وفاة الأم: هل يجوز أن يغسل الابن أمه بعد وفاتها؟ خاصة في حالات معينة كعدم وجود بنات أو قريبات، أو لظروف خاصة تحول دون حضور النساء لتغسيلها. في هذا المقال المفصل، نضع بين أيديكم آراء الفقهاء وأهل العلم حول هذه المسألة، مدعومة بالضوابط الشرعية المعتبرة.

 

الأصل الشرعي في تغسيل الميت: الستر والخصوصية
تتفق المذاهب الفقهية الإسلامية على أن الأصل العام في تغسيل الميت هو أن يتولى الرجل غسل الرجل، وتتولى المرأة غسل المرأة؛ وذلك رعايةً للستر والحياء وصيانةً لخصوصية الميت حتى بعد وفاته. فالمرأة أدرى بأحوال النساء وأعرف بما يناسبها، والرجل كذلك.

ولكن الشريعة الإسلامية شريعة يسر ومرونة، راعت حالات الضرورة والحاجة الاستثنائية، ووضعت قواعد وضوابط محددة لتنظيم هذه الأمور بما يحقق مصلحة الميت ويحفظ كرامته دون إفراط أو تفريط.

حكم تغسيل الابن لأمه في الفقه الإسلامي
عندما نتطرق إلى حالة تغسيل الابن لأمه، نجد أن الفقهاء قد بحثوا هذه المسألة بدقة متناهية، لا سيما إذا لم توجد امرأة تقوم بهذا الواجب:

جواز ذلك عند الضرورة والحاجة الملحة: ذهب عدد من أهل العلم إلى جواز أن يقوم الابن بتغسيل أمه إذا لم توجد امرأة تقوم بذلك نهائياً، وذلك لأن علاقة الأم بابنها هي علاقة محرمية دائمة لا تنقطع بالموت، ولأن المقصود الأساسي هو القيام بحق الأم الميتة وصيانتها وإكرامها ودفنها بطريقة شرعية صحيحة.

اعتبار المحرمية وتقدير الظروف: يرى بعض الفقهاء أن وجود المحرمية بين الابن وأمه يخفف الحكم عند الحاجة القصوى، بشرط الالتزام التام بالضوابط الشرعية الصارمة، مثل غسلها من وراء حائل أو قماش سميك، وألا يُكشف من جسدها الطاهر إلا ما تدعو إليه الضرورة القصوى لتنظيف البدن.

الأولويات والأحوط في الشرع قبل لجوء الابن للتغسيل
على الرغم من قول بعض أهل العلم بالجواز عند عدم وجود نساء، إلا أن هناك مراتب وترتيبات أولى بالرعاية والاتباع حرصاً على الاحتياط ومزيد من الستر:

البحث عن نساء من الأقارب أولاً: ينبغي للمحيطين بالمتوفاة أن يبحثوا أولاً عن امرأة من محارمها أو قريباتها لتولي هذا الأمر؛ كأخت المتوفاة، أو عمتها، أو خالتها، أو ابنة أخيها، أو زوجة الابن إن كانت متقنة لأحكام التغسيل الشرعي ولديها الخبرة الكافية.

الاستعانة بامرأة مأمونة من غير المحارم: إن لم توجد قريبة، يمكن الاستعانة بامرأة أجنبية مأمونة ومن أهل الخبرة والديانة للقيام بتغسيل الأم.

اللجوء إلى الابن عند انعدام البدائل: فإذا لم توجد امرأة مطلقًا، ولم يكن هناك أي سبيل آخر لتغسيل الأم، هنا ينتقل الحكم إلى ما أجازه بعض أهل العلم للابن من تولي تغسيل أمه، بشرط مراعاة الضوابط الكاملة وأن يكون الهدف الأساسي هو أداء الواجب الشرعي البحت وتكريم الأم.

مكانة تكريم الميت في الإسلام
إن العناية بالميت وتجهيزه في الإسلام ليسا مجرد إجراءات شكلية أو عادات اجتماعية، بل هما من أعظم الحقوق التي أوجبها الشرع الحنيف على الأحياء تجاه أمواتهم. وقد ورد في السنة النبوية الشريفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: “كسر عظم الميت ككسره حيّاً”، وهو حديث عظيم يدل دلالة واضحة على أن حرمة الإنسان وبقء كرامته وصيانته بعد وفاته تظل باقية تماماً كما كانت في حياته.

لهذا السبب، فإن عدم وجود نساء قادرات على تغسيل الأم لا يُسقط حقها في الغسل والتجهيز، وهنا يأتي دور الابن البار الذي يحرص على ستر أمه وإكرامها وفق الأطر والحدود الشرعية المقررة، بعيداً عن أي إهمال أو تقصير في حقها.

الضوابط الشديدة لتغسيل المحرم (في حال الضرورة)
إذا تقرر الجواز في حالة الضرورة القصوى وانعدام البدائل النسائية، فإن هناك شروطاً وضوابط لا بد من التزامها بدقة:

وجود حائل سميك: يجب أن يتم التغسيل من وراء حائل أو ثوب ساتر يمنع مباشرة البشرة بالنظر أو اللمس المباشر لغير الضرورة.

غض البصر والتحفظ: الاقتصار فقط على غسل المواضع التي تحتاج إلى تنظيف وتطهير، مع غض البصر قدر المستطاع.

النية الخالصة: أن يكون الدافع الأساسي هو أداء الأمانة وتبرئة الذمة وبر الأم في قبرها، لا سيما وأن بر الوالدين يستمر حتى بعد وفاتهما بالدعاء والاستغفار وإنفاذ العهود.

خاتمة وخلاصة
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم حسن الخاتمة، وأن يغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأن يجعل آخر أعمالنا وخواتيم حياتنا خيراً.

وخلاصة القول في هذه المسألة أن الأصل هو تولي النساء غسل النساء، فإن لم توجد امرأة مطلقًا، وجاز للابن عند الضرورة القصوى تغسيل أمه بضوابط الستر والتحفظ الشديد، فإن ذلك يُعد من باب الوفاء وبر الأم بعد وفاتها، شريطة الالتزام بالأحكام الفقهية وتوخي الاحتياط التام لصيانة كرامة الميت وحرمته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى