
قال:
— صورة قديمة جدًا… من قبل ما نتبناها.
سكتُّ.
حسيت إني أكيد فهمت غلط.
— مستحيل.
— أنا شفت الصورة بعيني.
قمت من السرير.
— إنت بتقول إيه؟ أنا ماكنتش أعرفها قبل الحادثة أصلًا!
قال بسرعة:
— عارف.
— أمال صورتي كانت عند عيلتها بتعمل إيه؟!
ما ردش.
قلت:
— الصورة فين؟
قال:
— معاها.
خرجت من أوضة النوم وأنا تقريبًا بجري.
وصلت لباب أوضتها.
رفعت إيدي علشان أخبط…
لكن قبل ما ألمس الباب، اتفتح.
كانت واقفة قدامي.
عينيها حمرا من العياط.
وفي إيدها ظرف قديم لونه أصفر.
بصتلي.
وبعدين بصت لأبوها اللي كان واقف ورايا.
فهمت فورًا إنه قال لي.
همست:
— ماما…
قلت:
— وريني الصورة.
إيديها بدأت تترعش.
— أنا كنت هقولك.
— ورينيها بس.
فتحت الظرف.
طلعت صورة قديمة وحطتها في إيدي.
أول ما بصيت عليها…
حسيت رجلي مش شايلاني.
الصورة كانت ليا فعلًا.
أنا أصغر بحوالي 15 سنة.
واقفة قدام مكان شغلي القديم.
وعلى ضهر الصورة كان مكتوب بخط إيد:
“لو حصل لي أي حاجة… دوروا على الست دي.”
لكن تحت الجملة كان فيه شيء أخطر.
اسمي كامل.
ورقم تليفوني القديم.
وعنوان البيت اللي كنت ساكنة فيه وقتها.
رفعت عيني ناحية بنتي.
قلت بصوت بالكاد طالع:
— الصورة دي كانت مع مين؟
بدأت تعيط.
— كانت وسط حاجات أمي الأولى.
اتسمرت مكاني.
قلت:
— بس أنا ماعرفتش والدتك أبدًا.
قالت:
— عارفة.
— يبقى جابت صورتي منين؟
مسحت دموعها وقالت:
— دي الحاجة اللي كنت خايفة أقولك عليها.
جوزي قرب مني.
أما هي ففتحت الظرف مرة تانية.
وقالت:
— الصورة ماكانتش الحاجة الوحيدة اللي لقيتها.
طلعت ورقة صغيرة مطوية كذا مرة.
مدتها لي.
فتحتها.
كانت رسالة مكتوبة بخط اليد.
بدأت أقرأ أول سطر…
وفجأة حسيت إن قلبي وقف.
لأن الرسالة بدأت بجملة:
“إلى المرأة التي لا تعرف حتى الآن أن ابنتي قد تصبح يومًا ابنتها…”
رفعت عيني وأنا مش قادرة أصدق.
بنتي قالت وهي بتعيط:
— ماما… أنا مش جيتلك بالصدفة.
يتبع…
فضلت ماسكة الورقة وإيدي بتترعش.
ورجعت قريت أول سطر تاني:
“إلى المرأة التي لا تعرف حتى الآن أن ابنتي قد تصبح يومًا ابنتها…”
بصيت لبنتي.
— مين كتب الكلام ده؟
قالت بصوت مكسور:
— أمي الأولى.
رجعت أبص للرسالة.
وكملت القراءة:
“يمكن لما تقري الرسالة دي ما تعرفيش أنا مين، ويمكن عمرك ما شفتيني أصلًا.
لكن أنا أعرفك.
مش معرفة شخصية…
لكن أعرف عنك حاجة إنتِ نفسك يمكن نسيتيها.”
وقفت عن القراءة.
حسيت إن صدري ضاق.
جوزي قال:
— كملي.
رجعت للورقة.
“من سنين، في يوم من أصعب أيام حياتي، كنت قاعدة لوحدي في مستشفى، ومعايا بنتي الصغيرة.
كنت خايفة، ومش معايا فلوس كفاية، ومحدش من عيلتي كان بيرد عليا.
إنتِ كنتِ موجودة هناك.
ما سألتيش أنا مين.
وما طلبتيش مني حاجة.
كل اللي عملتيه إنك قعدتي جنبي لما شفتيني بعيط، وجبتي لبنتي أكل، وساعدتيني أخلص الإجراءات اللي كنت عاجزة أعملها لوحدي.”
وقفت.
وفجأة…
ذكرى قديمة جدًا رجعتلي.
كنت وقتها لسه في بداية حياتي.
وفي يوم فعلًا، وأنا في المستشفى علشان أزور قريبة ليا، شوفت ست شابة قاعدة في ممر ومعاها طفلة صغيرة.
كانت منهارة.
افتكرت إني قعدت معاها شوية.
لكن الموضوع بالنسبة لي كان موقف عابر.
بعد اليوم ده…
عمري ما شفتها تاني.
بصيت لبنتي.
— كنتِ إنتِ الطفلة؟
هزت راسها.
دموعي نزلت.
— يا حبيبتي…
لكنها قالت:
— كملي يا ماما.
رجعت للرسالة.
“يمكن إنتِ نسيتي اليوم ده، لكن أنا مانسيتوش.
قبل ما تمشي، واحدة من العاملات صورتك مع مجموعة من الناس في المكان، وأنا بعد فترة قدرت أوصل للصورة.
احتفظت بيها.
مش لأني كنت متوقعة إن يحصل لي شيء.
لكن لأني كنت عايزة أفتكر إن لسه فيه ناس ممكن تساعد حد من غير ما تعرفه.”
بدأت أفهم موضوع الصورة.
لكن لسه السؤال الأكبر موجود.
ليه كتبت اسمي وعنواني؟
كملت.
“بعد فترة، حياتنا بدأت تتعقد.
وأصبحت أخاف على بنتي أكتر من أي وقت.
علشان كده، كتبت بياناتك على الصورة.
كنت عارفة إن طلبي غريب جدًا…
لكن لو جه يوم وأنا مش موجودة، كنت أتمنى إن بنتي تقابل الإنسانة اللي ساعدتنا مرة من غير مقابل.
مش بطلب منك تربيها.
ومش عارفة أصلًا إذا كانت الرسالة هتوصلك يومًا.
أنا فقط كنت أتمنى ألا تكون وحدها.”
ماقدرتش أكمل.
حطيت الورقة على صدري وانهرت في العياط.
بنتي حضنتني.
قلت وأنا ماسكاها:
— ليه خبيتي عني ده كله؟
قالت:
— لأني خفت.
— من إيه؟
— خفت تعرفي إن أمّي الأولى اختارتك… فتحسي إنك اتورطتي في حياتي.
بعدتها عني وبصيت في عينيها.
— اتورطت؟ إنتِ بتقولي إيه؟
قالت وهي بتعيط:
— فضلت أفكر… يمكن لو الرسالة وصلتلك وقتها، كنتِ هتحسي إنك مضطرة تاخديني. ويمكن كل السنين دي إنتِ كنتِ بتعملي حاجة حد تاني اختارهالك.




