قصص وروايات

مشرد رفع لافته

الساعة 11 صباحًا… اليوم التالي.

ثم آخر سطر:

«روحي للمحامي قبل ما تكلمي أي حد. وخصوصًا قبل ما تقابلي أولادي.»

وأنا بقرأ كلمة «أولادي»…

جرس الباب رن.

بصيت للساعة.

كانت حوالي 9 بالليل.

مين هييجيلي دلوقتي؟

قمت ببطء.

الظرف لسه في إيدي.

مشيت ناحية الباب.

وقبل ما أوصل، الجرس رن مرة تانية.

وبعدين خبط قوي.

صوت راجل قال من بره:

— إحنا عارفين إنك جوه.

قلبي وقع.

ما رديتش.

الصوت كمل:

— افتحي… إحنا ولاد جوزك.

بصيت للرسالة في إيدي.

آخر جملة كانت قدامي:

«خصوصًا قبل ما تقابلي أولادي.»

رجعت خطوة لورا.

الراجل بره خبط تاني.

— إحنا مش جايين نعمل مشكلة… إحنا بس عاوزين الورق اللي وصلك.

إزاي عرفوا إن الظرف وصل؟

ما نطقتش.

فجأة سمعت صوت ست معاه:

— اسمعيني كويس… أبويا ماكانش في وعيه لما اتجوزك. وأي ورقة كتبها ليكي ملهاش قيمة.

سكتت ثواني، وبعدها قالت:

— افتحي الباب وسلمينا الظرف، وإحنا هنمشي.

حضنت الورق على صدري.

وفي اللحظة دي موبايلي رن.

رقم غريب.

بصيت للباب.

وبعدين للموبايل.

رديت بصوت واطي:

— ألو؟

جالي صوت راجل كبير وهادي:

— حضرتك زوجة المرحوم؟

قلت:

— أيوه… مين؟

قال:

— أنا المحامي اللي اسمه مكتوب في الرسالة.

اتجمدت.

كمل بسرعة:

— مهما حصل، ما تفتحيش الباب.

بصيت ناحية الباب وأنا مرعوبة.

قلت:

— هما هنا.

سكت لحظة.

وبعدين قال جملة خلتني أحس إن الموضوع أخطر بكتير من مجرد ميراث:

— كنت متوقع إنهم يوصلوا لك… بس مش بالسرعة دي.

قلت:

— هو سابلي إيه بالظبط؟

رد:

— مش هينفع أقولك في التليفون.

— ليه؟

— لأن اللي سابهولك مش مجرد فلوس.

سكت.

وبعدين قال:

— فيه خزنة.

— خزنة؟

— أيوه.

— فيها إيه؟

سمعت نفس طويل من الناحية التانية.

وقال:

— مستندات لو خرجت للنور، ممكن تغيّر مصير عيلة كاملة.

وفي نفس اللحظة…

مقبض باب شقتي اتحرك من بره.

حد كان بيحاول يفتح الباب.

صرخت:

— إنتوا بتعملوا إيه؟!

المحامي قال بسرعة:

— ابعدي عن الباب واتصلي بالشرطة لو حاولوا يدخلوا. ومتسلميش الورق لأي حد.

بعد دقايق، سمعت خطواتهم وهي بتبعد.

لكن قبل ما يمشوا، الست قالت بصوت عالي:

— بكرة هنعرفك أبويا كان مين بجد… وساعتها هتتمني لو إنك ما وافقتيش تتجوزيه.

فضلت واقفة مكاني.

وبعد حوالي ساعة، وأنا بحاول أفهم كل اللي حصل…

لاحظت حاجة في قاع الظرف.

مفتاح صغير.

كان لازق بشريط لاصق من الداخل.

جنبه ورقة صغيرة مكتوب عليها عنوان ورقم.

وفي آخرها جملة بخط جوزي:

«الخزنة رقم 317… لكن قبل ما تفتحيها، اسألي المحامي عن اللي حصل ليلة 14 يناير.»

تاني يوم، وصلت مكتب المحامي الساعة 11 إلا عشر دقايق.

دخلت.

كان راجل في أواخر الستينات.

أول ما شافني، وقف.

بص للمفتاح اللي في إيدي.

وقال:

— إذن… لقيتيه.

حطيت المفتاح قدامه.

وقلت:

— أنا عاوزة الحقيقة كلها.

بصلي فترة طويلة.

وبعدين فتح درج مكتبه.

طلع ملف أسود سميك.

وحطه قدامي.

قال:

— قبل ما أقولك على الميراث، لازم تعرفي حاجة.

— إيه؟

قرب الملف مني.

— جوزك ما عاشش في الشارع السنتين دول علشان يختبر الناس وبس.

سكت.

ثم قال:

— كان مستخبي.

قلت:

— مستخبي من مين؟

رد بهدوء:

— من أولاده.

فتحت الملف.

وأول ورقة شفتها كانت صورة.

صورة جوزي واقف جنب عربية محطمة.

وتحت الصورة تاريخ:

14 يناير.

رفعت عيني للمحامي.

قال:

— الليلة دي، كل الناس افتكرت إن الحادث كان صدفة.

قلت:

— وكان إيه؟

بصلي وقال:

— هو كان مقتنع إن حد حاول يقتله.

وقبل ما أسأله مين…

فتح صفحة تانية.

وكان فيها 3 صور.

صور أولاده.

وتحت صورة واحدة منهم…

دائرة حمراء كبيرة.

وجملة مكتوبة بخط جوزي:

«لو مت قبل ما أتكلم… ابدأوا بيه.»
الجزء الثاني: ليلة 14 يناير
فضلت باصة للصورة وأنا مش قادرة أرفع عيني عنها.

كان فيها راجل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة غالية وواقف قدام مبنى شركة كبير.

ملامحه حادة، ونظرته باردة.

سألت المحامي:

— مين ده؟

رد:

— ابنه الكبير… شريف.

رفعت عيني له بسرعة.

— ابنه؟!

هز راسه.

— أيوه.

بصيت للصورة تاني.

— وجوزي كان شاكك إن ابنه حاول يؤذيه؟

المحامي رجع بضهره للكرسي وقال:

— هو ماكانش عنده دليل كامل… لكن كان عنده أسباب قوية جدًا تخليه يشك.

قلت بعصبية:

— أنا مش فاهمة حاجة! الراجل اللي أنا عرفته كان عايش في الشارع، وبعد موته اكتشفت إنه مليونير، وإن عنده أولاد، وإنهم عارفين عنواني، وإنه كان مستخبي منهم… ودلوقتي بتقولي ابنه ممكن يكون حاول يؤذيه؟

سكت لحظة، وبعدين قلت:

— أنا عايزة أعرف كل حاجة من البداية.

المحامي قفل الملف.

وقال:

— من حوالي 12 سنة، جوزك بدأ ينسحب بالتدريج من إدارة شركاته بعد وفاة مراته. ساب الإدارة اليومية لأولاده، خصوصًا شريف.

— وبعدين؟

— في الأول، كل حاجه كانت ماشية طبيعي. لكن بعد فترة اكتشف تحويلات مالية غريبة، وبيع أصول بأسعار أقل من قيمتها، وشركات فرعية اتفتحت من غير علمه.

قلت:

— يعني كانوا بيسرقوه؟

قال:

— هو كان شايف كده. هما كانوا بيقولوا إنها قرارات تجارية.

— والمحاكم؟

— بدأت قضايا بينهم. وبعدها حصل حادث 14 يناير.

فتح الملف من جديد.

طلع تقرير وصورة للعربية.

وقال:

— عربيته خرجت عن الطريق بعد منتصف الليل.

— بسبب إيه؟

— التحقيق وقتها اعتبره عطلًا فنيًا.

قلت:

— بس هو ما صدقش؟

— لأ.

قرب مني وقال:

— لأنه قبل الحادث بيومين كان عامل فحص كامل للعربية.

سكتُّ.

كمل:

— وبعد الحادث، ميكانيكي خاص اشتغل على العربية قال له إن فيه جزء في نظام الفرامل كان شكله متلاعب فيه.

قلت بسرعة:

— طب ليه ما بلغش؟

— بلغ.

— وإيه اللي حصل؟

— الميكانيكي اختفى.

بصيت له مصدومة.

— اختفى إزاي؟

— قفل الورشة، وغير رقم تليفونه، وسافر من غير ما يقول لحد.

بدأت أحس إني دخلت حكاية أكبر مني بكتير.

قلت:

— وإيه علاقة شريف؟

المحامي سحب ورقة.

— قبل الحادث بـ3 أيام، جوزك اكتشف إن شريف حاول يمرر مستندات تخليه المتحكم الرئيسي في جزء كبير من ممتلكات العيلة.

— وأبوهم رفض؟

— رفض… وهدده إنه هيكشف كل حاجة.

سكت لحظة.

— وبعدها حصل الحادث.

بصيت للصورة.

— بس ده مش دليل إنه عمل حاجة.

المحامي هز راسه.

— صحيح. وعلشان كده أنا بقولك إن ده كان شك جوزك، مش حقيقة مثبتة.

الكلمة دي خلتني أهدى شوية.

قلت:

— طيب والخزنة؟

ملامحه اتغيرت.

— هنا الموضوع بيبدأ يبقى أخطر.

طلع ورقة صغيرة.

كان عليها عنوان بنك.

نفس العنوان اللي لقيته مع المفتاح.

قال:

— الخزنة 317 اتأجرت من سنين باسم شركة قديمة كانت ملك لجوزك.

— وفيها إيه؟

— ماعرفش.

— إزاي محاميه وماتعرفش؟

— لأنه رفض يقولي.

سكت.

وبعدين قال:

— كل اللي قالهولي إن لو حصل له حاجة، المفتاح هيوصل لزوجته.

قلت:

— يعني أنا.

— أيوه.

قمت من مكاني.

— يبقى نروح نفتحها.

المحامي ما اتحركش.

قلت:

— في إيه؟

رد:

— قبل ما نروح، لازم تعرفي إن أولاده قدموا اعتراض رسمي على الوصية الصبح.

اتصدمت.

— بالسرعة دي؟

— واضح إنهم كانوا مستعدين.

— وبيقولوا إيه؟

— بيقولوا إن والدهم في آخر فترة من حياته ماكانش قادر ياخد قرارات مالية سليمة، وإن جوازه منك حصل وهو في حالة صحية صعبة.

ضحكت بسخرية.

— يعني شايفني نصابة؟

قال:

— هما بيقولوا إن الجواز ممكن يكون تم تحت تأثير أو استغلال.

— استغلال؟! أنا ماكنتش أعرف إنه عنده جنيه واحد!

— ودي نقطة مهمة جدًا لصالحك.

قلت:

— أنا أصلًا مش عايزة فلوسه.

بصلي.

— متسرعيش في القرار.

— أنا وافقت أتجوزه علشان افتكرته راجل بيموت لوحده، مش علشان يرميني وسط حرب عيلة.

المحامي قال بهدوء:

— وأنا فاهم غضبك. لكن قبل ما تتنازلي عن أي شيء، افتحي الخزنة.

بعد أقل من ساعة، كنا قدام البنك.

المكان كان فخم بطريقة خلتني أحس إني داخلة عالم مش بتاعي.

الموظف راجع الأوراق.

وبعد إجراءات طويلة، نزلنا لطابق سفلي.

ممر طويل.

أبواب حديد.

كاميرات في كل مكان.

وصلنا للخزنة رقم 317.

الموظف استخدم مفتاح البنك.

وأنا استخدمت المفتاح الصغير اللي كان في الظرف.

سمعت صوت القفل.

اتفتح الباب.

الموظف سابنا لوحدنا في غرفة خاصة.

حطينا الصندوق فوق الترابيزة.

بصيت للمحامي.

— جاهز؟

قال:

— السؤال إنتِ جاهزة؟

فتحت الصندوق.

كنت متوقعة فلوس.

دهب.

مجوهرات.

أي حاجة من اللي بنشوفها في الأفلام.

لكن مافيش ولا جنيه.

كان فيه ملفات.

هارد صغير.

موبايل قديم.

3 فلاشة.

وظرف أبيض مكتوب عليه:
«لزوجتي فقط.»

مديت إيدي للظرف.

المحامي قال:

— افتحيه.

جواه رسالة قصيرة.
«لو وصلتي للخزنة، يبقى عرفتي جزءًا من الحقيقة. لكن فيه حاجة واحدة ما قلتهاش للمحامي.»

بصيت له.

هو نفسه اتفاجئ.

كملت:
«أنا ما اخترتش المكان اللي كنت بقعد فيه في الشارع بالصدفة.»

حسيت بقلبي بيخبط.

«كنت مستنيكي.»

إيدي بردت.

قرأت السطر مرة تانية.

كنت مستنيكي؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى