
ست لابسة أبيض من رأسها لرجليها دخلت جنازة جوزي، وقعدت لوحدها في آخر صف.
ولما الناس كلها تقريبًا مشيت…
قربت مني وقالت بهدوء:
— جوزك خلاني أوعده إني ما أقولكيش الحقيقة غير بعد جنازته.
بعد 27 سنة جواز…
ممكن فعلًا تكتشفي إنك مكنتيش تعرفي الشخص اللي عيشتي معاه كويس زي ما كنتِ فاكرة؟
أنا وجوزي عشنا مع بعض 27 سنة.
كنت متأكدة إننا هنكبر ونشيب سوا.
كان حب عمري، وأبو أولادي، وعلى قد ما كنت أعرف… كان جوازنا سعيد.
لكن السرطان غيّر كل حاجة.
إحنا الاتنين كنا عارفين إن حالته خطيرة.
بس أنا مكنتش قادرة أقبل فكرة إني ممكن أخسره.
لحد آخر لحظة…
كنت متعلقة بأمل إنه يقوم منها.
إن العلاج ينجح.
إن الدكتور يدخل علينا في يوم ويقول إن فيه تحسن.
لكن ده محصلش.
وخسارته للمعركة دي كسرت حاجة جوايا معرفتش أصلحها.
جوزي مات من أسبوع واحد بس.
وأنا لسه مش مستوعبة إزاي الحياة ممكن تتغير بالسرعة دي.
في لحظة يكون جوزك، وحبيبك، وأبو أولادك موجود جنبك…
وفجأة تلاقي نفسك مطالبة تكملي باقي حياتك من غيره.
يوم الجنازة، كنت بحاول أتماسك بالعافية قدام أولادي والناس.
لكن وسط الزحمة…
عيني وقعت على ست معرفهاش.
كانت قاعدة لوحدها خالص في آخر صف.
شكلها في حدود الأربعين تقريبًا.
والأغرب…
إنها كانت لابسة أبيض بالكامل.
فضلت أبصلها من بعيد.
جوزي كان يعرف ناس كتير جدًا بسبب شغله، فحاولت أقنع نفسي إنها أكيد واحدة من معارفه اللي أنا مقابلتهاش قبل كده.
لكن كان فيه حاجة فيها مريحانيش.
مين ييجي جنازة لابس أبيض بالكامل؟
وليه قاعدة بعيد عن الناس ومش بتتكلم مع حد؟
حاولت أطرد الأفكار دي من دماغي.
اليوم نفسه كان أصعب من إني أحمّل نفسي أسئلة زيادة.
كنت محتاجة أفضل واقفة على رجلي علشان أولادي.
لكن مهما حاولت…
عيني كانت بترجع لها.
مين الست دي؟
وإيه علاقتها بجوزي؟
وليه من ساعة ما دخلت وهي بتبص ناحيتي بين وقت والتاني؟
فضلت موجودة طول مراسم الجنازة.
لا قربت من حد.
ولا عرفت نفسها لحد.
ولما الجنازة خلصت، الناس بدأت تمشي واحدة ورا التانية.
أصحاب.
قرايب.
زمايل جوزي.
لحد ما المكان تقريبًا فضي.
وأنا كنت واقفة بجمع نفسي علشان أمشي…
لما شوفت الست اللي لابسة أبيض قامت من مكانها.
وبدأت تمشي ناحيتي.
كل خطوة كانت بتقربها مني، كنت بحس قلبي بيدق أسرع.
وقفت قدامي مباشرة.
فضلت باصة في عيني كام ثانية من غير ما تتكلم.
وبعدين قالت:
— أنا عارفة إن اللي هقولهولك ممكن يغير حاجات كتير.
بصيتلها باستغراب:
— حضرتك مين؟
لكنها ما جاوبتش على سؤالي.
قربت مني شوية، وخفضت صوتها وقالت:
— جوزك خلاني أوعده بحاجة قبل ما يموت.
حسيت جسمي كله برد.
قلت:
— وعد إيه؟
قالت:
— إني مهما حصل… ما أقولكيش الحقيقة وهو عايش.
سكتت لحظة.
وبعدين بصت ناحية المكان اللي ودعنا فيه جوزي، ورجعت بصتلي.
وقالت الجملة اللي خلتني أتجمد مكاني:
— هو طلب مني أستنى لحد ما جنازته تخلص… وبعدها أجيلك وأقولك كل حاجة.
بصيتلها وأنا بالكاد قادرة أطلع صوتي:
— حقيقة إيه؟
مدت إيدها جوه شنطتها…
وطلعت ظرف أبيض قديم، مكتوب عليه اسمي بخط جوزي.
ناولتهولي وقالت:
— الحقيقة اللي جوزك خباها عنك 27 سنة.
بصيت للظرف…
وعرفت خطه فورًا.
لكن قبل ما أفتحه، مسكت الست إيدي وقالت بسرعة:
— قبل ما تقري اللي جواه… لازم تعرفي إن أنا كمان جزء من السر.
#عشق
رفعت عيني وبصيتلها.
وسألتها:
#اسما_السيد
— إنتِ كنتِ إيه لجوزي؟
لكن إجابتها… @أبرز المعجبين
#عيش_الابداع
كانت آخر حاجة ممكن أتوقعها.”الحكاية لم تنتهِ بعد…”
📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق.✍️ حكايات الكاتبة أسما السيدبصيتلها وأنا ماسكة الظرف بإيد بتترعش، وسألتها:
— إنتِ كنتِ إيه لجوزي؟
الست سكتت كام ثانية.
وبعدين قالت بهدوء:
— أنا بنته.
حسيت إن الكلمة عدت من ودني من غير ما أفهمها.
فضلت أبصلها.
— إيه؟
قالت:
— أنا بنت جوزك.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
— لأ… إنتِ أكيد غلطانة في الشخص.
— مش غلطانة.
— جوزي عمره ما كان عنده بنت غير بنتنا!
قالت وهي بتحاول تتمالك نفسها:
— أنا اتولدت قبل ما يعرفك.
سكت.
كأن كل الأصوات حواليا اختفت.
بصيت لملامحها لأول مرة بتركيز.
وفجأة…
شوفت حاجة خلت قلبي يقع.
العينين.
نفس عيون جوزي.
حتى الطريقة اللي كانت بتضم بيها شفايفها وهي متوترة…
كانت طريقته.
قلت:
— اسمك إيه؟
— مريم.
— وعندك كام سنة؟
— 42.
حسبتها في دماغي بسرعة.
يعني فعلًا…
قبل جوازنا بسنين.
لكن ده ما خففش الصدمة.
قلت:
— وهو كان عارف بيكي؟
دموعها لمعت.
— عرف متأخر.
— متأخر إمتى؟
— من حوالي تسع سنين.
رجعت أبصلها.
— تسع سنين؟!
صوتي علي رغم إني كنت بحاول أوطيه.
— يعني جوزي كان عارف إن عنده بنت تسع سنين كاملة… وكان بيرجع البيت كل يوم ويبصلي في وشي ومقالليش؟
مريم نزلت عينيها.
— علشان كده كتبلك الخطاب.
بصيت للظرف.
كنت عايزة أقطعه.
وفي نفس الوقت كنت عايزة أعرف كل حرف جواه.
قلت:
— وأمك؟
مريم ردت:
— ماتت من 11 سنة.
— كانت متجوزاه؟
— لأ.
— أمال إيه اللي حصل؟
قالت:
— افتحي الخطاب الأول.
—
رجعت البيت بعد الجنازة وأنا حاسة إني داخلة بيت شخص غريب.
كل حاجة كانت بتاعته.
الجاكيت المعلق.
الكوباية اللي كان بيشرب فيها.
النضارة فوق الكومودينو.
حتى الشبشب جنب .
من أسبوع واحد بس، الحاجات دي كانت بتكسر قلبي من الحنين.
دلوقتي…
بقيت أبصلها وأسأل:
“إنت كنت مين؟”
أولادي كانوا معايا.
قلت لهم إني محتاجة أنام.
ماقلتلهمش حاجة عن مريم.
مش قبل ما أفهم أنا الأول.
دخلت أوضتي وقفلت الباب.
قعدت على طرف .
وفتحت الظرف.
أول جملة كانت:
“سامحيني.”
وقفت.
دموعي نزلت قبل ما أكمل.
“لو بتقري الخطاب ده، يبقى أنا مشيت، ومريم نفذت الوعد اللي طلبته منها.
وأول حاجة لازم تعرفيها إنني ما خنتكيش.”
حطيت إيدي على صدري.
وكملت.
“مريم بنتي فعلًا.
لكنها اتولدت قبل ما أقابلك بسنين.
وأنا نفسي عرفت بوجودها بعد أكتر من ثلاثين سنة من ولادتها.”
بدأ يحكي.
قبل ما يعرفني، وهو شاب صغير، كان مرتبط ببنت اسمها سعاد.
العلاقة انتهت بسبب مشاكل بين العيلتين.
سعاد سافرت مع أهلها.
وهو افتكر إن القصة انتهت.
ماكنش يعرف إنها كانت حامل.
أهلها جوزوها بعد فترة لراجل تاني.
والراجل ده ربّى مريم على إنها بنته.
وسعاد عمرها ما قالت الحقيقة.
لحد ما مرضت.
وقبل ما تموت، قالت لمريم اسم أبوها الحقيقي.
جوزي.
مريم دورت عليه.
ووصلت له من تسع سنين.
قرأته بيقول:
“أول مرة شوفتها، عرفت قبل حتى ما تتكلم.
كانت فيها ملامح من أمي.
وكانت بتضحك بنفس طريقتي.”
عيطت.
“طلبت تحليل نسب.
مش لأني كنت برفضها، لكن لأني كنت مرعوب أصدق وبعدها أكتشف إن الموضوع غلط.
والتحليل أكد إنها بنتي.”
قفلت الخطاب لحظة.
يعني تسع سنين…
كان عنده بنت.
وأنا معرفش.
رجعت أكمل.
“كنت ناوي أقولك في نفس الأسبوع.
لكن مريم رفضت.”
اتجمدت.
كملت.
“قالت إن الراجل اللي رباها هو أبوها الحقيقي في قلبها، وإنها مش جاية تاخد مكان حد ولا تدخل حياتنا بالقوة.
طلبت مني وقت.”
بدأت أفهم جزءًا…
لكن مش كله.
“وبعدين حصل شيء خلاني أضعف وأوافق على السر.”
قلبت الصفحة.
“ابننا كان وقتها بيمر بأزمة كبيرة، وإنتِ كنتِ واقفة جنبه ليل نهار.
وخفت أرمي فوقك صدمة جديدة.




