
تزخر السيرة النبوية العطرة بالعديد من المواقف والأحداث التي تحمل في طياتها حِكماً عظيمة وفوائد جليلة للمسلم في حياته اليومية. ومن أبرز تلك الأحداث قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم، والتي وردت تفاصيلها في الصحاح والمسانيد، لتكشف لنا جانباً من الابتلاءات التي تعرض لها الأنبياء، وكيفية اللجوء إلى الله تعالى بالدعاء والذكر والرقية الشرعية للتصيّد والوقاية من الشرور.
تفاصيل واقعة السحر والدقة التاريخية
ثبت في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الحديث المعتمدة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سُحر من قِبل رجل يهودي يُدعى لبيد بن الأعصم، وهو من بني زريق. وقد استطاع هذا الساحر، بالتعاون مع بعض أعوانه، الحصول على أشياء تتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتحديداً بعض من شعره الذي تساقط من مشطه، بالإضافة إلى أسنان من مشطه الشريف.
وقد استغل الساحر هذه الأدوات ليصنع منها السحر، وقام بإخفائها في بئر تُعرف ببئر “ذروان”. ونتيجة لهذا السحر، أثر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ويفعله ولم يفعله، وظل على هذه الحالة فترة من الزمن، حتى أذن الله سبحانه وتعالى بإنهاء هذا البلاء وكشف ضرّه عن نبيه الكريم.
رؤيا الحق ونزول الملائكة
في ذروة هذا الابتلاء، وبينما كان النبي صلى الله عليه وسلم نائماً، أتاه ملكان جليلان؛ جلس أحدهما عند رأسه والآخر عند قدمه. ودار حوار حكيم بينهما كشف الله عز وجل من خلاله الحقيقة كاملة لرسوله صلى الله عليه وسلم.
سأل الملك الذي عند الرأس زميله: “ما بال النبي؟” فأجاب الآخر: “طب” (أي مصاب بالسحر). فسأله: “ومن سحره؟” فأجاب: “لبيد بن الأعصم اليهودي”. ثم سأله: “وبم سحره؟” فأجاب: “بمشط ومشاطة” (أي الشعر المتساقط في المشط). فتابع السائل: “وأين هو؟” فأجابه: “في قشر الطلع الذكر، تحت راعوفة (حجر) أسفل بئر ذروان”.
استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم واعيًا ومدركًا لما حدث، وعلى الفور، أرسل نفراً من أصحابه الكرام، وهم: علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وعمار بن ياسر رضي الله عنهم أجمعين، لتوجه إلى البئر وإحضار ما وُجد فيها. وبالفعل، توجه الصحابة إلى البئر واستخرجوا ما وُجد تحت الصخرة، فإذا هو جفّ طالع فيه مشاطة من رأس النبي صلى الله عليه وسلم وأسنان مشطه، وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغروسة بالإبر.
نزول المعوذتين وفك العقد
أنزل الله سبحانه وتعالى سورتي الفلق والناس (المعوذتين) على رسوله الكريم، وجاء جبريل عليه السلام ليرقيه بالرُّقى الشرعية الشافية. وكان جبريل عليه السلام يقول: “بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل حاسد وعين، الله يشفيك”.
ومع تلاوة آيات المعوذتين، كانت العقد تنحل الواحدة تلو الأخرى بإذن الله تعالى، حتى انحلت العقد كلها، وقام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نُشط من عقال، وشفاه الله تماماً من ذلك البلاء، لتبقى هذه الحادثة دليلاً عملياً على عِظم شأن القرآن الكريم وخاصة المعوذتين في دفع السحر والشرور.
الفضل العظيم لسورتي الفلق والناس
رغم قصر سورتي الفلق والناس، إلا أن فضلهما عظيم للغاية، فهما من أعظم السور التي يحصن المسلم بها نفسه لينال البركة والحماية من الوساوس، ونزغات الشيطان، وشرور الجن والإنس. ولذلك ينبغي للمسلم الحرص على قراءتهما بانتظام في الصباح والمساء، وقبل الخلود إلى النوم، كما يُسنّ تلاوتهما على الأطفال لتحصينهم وحفظهم من كل سوء، إلى جانب سورة الإخلاص.
وقد وردت أحاديث نبوية كثيرة تُبيّن مكانة هاتين السورتين وفضلهما العظيم. فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “ألا أعلمك سُوَرًا ما أنزلت لا في التوراة، ولا في الزبور، ولا في الإنجيل، ولا في الفرقان مثلهن؟ لا يأتين عليك إلا قرأتهن فيها: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس”.
كما أن المداومة عليهما مع سورة الإخلاص تكفي المسلم من شرور اليوم والليلة وتكون له حصناً منيعاً. فقد ثبت عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن أبيه رضي الله عنه قال: خرجنا في ليلة مطيرة وظلمة شديدة نطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي لنا، قال: فأدركته فقال: “قل”، فلم أقل شيئاً، ثم قال: “قل”، فلم أقل شيئاً، قال: “قل”، فقلت: ما أقول؟ قال: “قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وتصبح ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء”.
إن هذه القصة العظيمة وما رافقها من أحداث وتوجيهات نبوية تؤكد لنا أهمية التعلق بالله عز وجل، والأخذ بأسباب التحصين الشرعي، والاعتماد على الأذكار اليومية لتكون درعاً حصيناً يحمي المسلم في حله وترحاله.




