
صوت سامح في التليفون كان كفيل يجمّد الدم في عروقنا كلنا.
سلوى إيديها كانت بتترعش والتليفون كاد يقع منها، وبصتلي وعينيها تايهة ومش مصدقة:
“سامح جاي هنا؟! والناس دي جاية وراه؟!”
قبل ما حد فينا ينطق كلمة، سمعنا صوت فرملة عربيات حادة تحت البيت في الشارع، وصوت خبط رزيع على باب العمارة الحديد اللي تحت، وكلاكسات وصوت زعيق عالي بيهز الحتة:
“اطلع يا سامح! انزل بالذوق بدل ما نطلع نكسر الشقة ونجيبك من قفاك!”
حماتي حطت إيدها على قلبها ونَفَسها اتكتم، وشها كان أبيض زي القماش.
جريت عليها مسكت إيديها وقعدتها على الكرسي:
“اهدي يا ماما، وحياة ربنا ما هيجرى حاجة وحشة… اهدي عشان خاطري.”
في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات سريعة بتجري على السلم، وباب الشقة اتفتح ودخل سامح.
شكله
كان يوجع القلب… مبهدل، وشه شاحب، عينيه زاغة وبتتحرك في كل حاتة برعب، وقميصه متوسخ.
أول ما دخل وقفل الباب وراه بالترباس، سند ضهره على الباب وهو بينهج كأنه بيطلع في الروح.
بص لسلوى وقال بلهفة:
“سلوى! الحمد لله إنك هنا… معاكي كام في البنك؟ تقدري تدبري لي مية ألف جنيه دلوقتي حالا بأي طريقة؟”
سلوى بصتله بذهول، كأنها بتشوف حد أول مرة تقابله في حياتها، وسألته بصوت مقهور:
“مية ألف جنيه إيه يا سامح؟! انت مبصتش في وش أمك حتى؟! انت داخل تسأل على الفلوس قبل ما تطمن على أمك اللي بتموت؟!”
سامح اتعصب وزعق فيها بهيستيريا:
“مش وقته يا سلوى! الناس اللي تحت دول بلطجية ومش هيرحموني، لو مخرجتش ليهم بجزء من الفلوس هيكسروا الباب ويدخلوا ياخدوني يسلموني للقسم، ده غير الشيكات
اللي عليهم!”
وفجأة، عينه جت عليا.
بصلي بنظرة كلها لؤم وعتاب رخيص وقال:
“وانتِ قاعدة كده ليه يا نادية؟! اطلعي هاتي دهبك ودهب بنتك، ولا كلمي أهلك يبعتوا أي حاجة نلم بيها الليلة!”
الكلمة دي خلت سلوى تصرخ في وشه:
“دهب إيه اللي تجيبهولك يا سامح؟! دهبها اللي انت لهفته زمان؟ ولا ورثها اللي سددت بيه مصايبك؟ انت إيه يا أخي؟ معندكش دم؟ مفكرني مش عارفة كل حاجة؟!”
سامح اتصدم وبص لأمه ورجع بص لنادية وقال بتلعثم: حصري علي روايات واقتباسات
“انتوا… انتوا قولتولها؟!”
هنا حماتي، الست العجوزة اللي كانت ساكتة وصابرة طول السنين دي ومستحملة عشان شكل ابنها قدام أخته والناس، وقفت على رجليها بالعافية.
رغم الرعشة اللي في جسمها، وقفت صلبة، وبصت في عين سامح وقالت بنبرة قطعت
كل حبال المودة:
“كنا بنستر عليك يا سامح… بس اتاريك متستاهلش الستر.
مراتك اللي انت بتتبلى عليها وبتقول لأختك إنها طرداني في الدور الأرضي ومقعداني في أوضة ضيقة، كانت شيلاني في عينيها.
الأطباق الورق اللي أختك دخلت تزعق عليا بسببها، نادية عملتها عشان إيدي كانت بتترعش وكنت بتجرح من الزجاج ومكنتش عاوزاني أتحرج قدام نفسي ولا قدام بنتي!
شقتي اللي كنت رايح ترهنها لموزعين وتضيعنا في الشارع، نادية فدتها بفلوسها وكتبتها باسمها عشان تحمينا وتحمي بنتك من الجوع والبهدلة!”
سامح وشه سقط في الأرض، ومعرفش ينطق كلمة واحدة، كان عامل زي العيل الصغير المفضوح.
صوت الخبط تحت زاد، وصوت راجل بينادي بأعلى صوته:
“يا أستاذ سامح! معاك خمس دقايق تنزل وتتفاهم، يا إما البلاغ اللي في القسم
هيتحرك والشرطة هي اللي هتطلع تجيبك قدام الحتة كلها!”
سلوى عيطت بحرقة وقالت:
“ضيعتنا يا سامح… وضيعت اسم أبونا واسم العيلة علشان شوية طمع وجري ورا الفلوس السهلة!”
أنا كنت واقفة ساكتة، الصدمة مبقتش صدمة… كان شعور بالخلاص، كأن جبل كان على صدري وانزاح.
بصيت لسامح وقلتله بصوت هادي، بس أثبت من الجبال:
“أنا ياما ضحيت علشانك يا سامح، وياما شيلت همك وسترت عليك سنين.
دفعت لك ورثي، وعشت معاك على الحديدة، وربيت بنتك من غير ما أحسسها إن أبوها مقصر، وشيلت أمك فوق راسي وخدمتها بقلبي مش مجاملة ليك… خدمتها علشان ربنا وعلشان هي ملهاش ذنب في خيبتك.
لكن لحد هنا وخلاص.”
سامح قرب مني برجاء، وعينيه مدمعة بخوف:
“هتتخلي عني يا نادية؟ في اللحظة دي؟!”
رديت عليه بجمود:
“انت اللي اتخليت عننا لما كدبت وسرقت وحاولت توقع بيني وبين أختك وأمك.
انت
مش مسافر تشتغل… انت هربان، وعاوزنا إحنا ندفع تمن غلطاتك طول العمر.
انزل للناس اللي تحت يا سامح… راجل لراجل، اتحمل مسؤولية أفعالك. روح معاهم القسم، اتصالح، بيع عربيتك، اشتغل ليل مع نهار وسدد ديونك زي ما الرجالة بتعمل، لكن مفيش مليم واحد هيطلع من البيت ده، ولا هسمحلك تهين كرامتنا أكتر من كده.”
سامح بص لأخته عشان يستنجد بيها، لكن سلوى لفت وشها الناحية التانية وقالتله بحسم:
“نادية عندها حق. انزل يا سامح، ولو فيك ذرة رجولة واجه مصيرك، وكفاية لحد هنا استنزاف لأمي ولمراتك.”
لما حس إن كل الأبواب اتقفلت في وشه، وإن الكذب اللي عاش عليه سنين اتكشف في دقايق، سامح وطى راسه في الأرض.
فتح الباب ونزل ببطء، خطواته تقيلة ومكسورة، علشان يواجه الناس والشرطة ويتحمل عواقب اختياراته لأول مرة في حياته.
بعد ما الباب اتقفل والشارع صوته هدي مع نزوله وانسحاب العربيات معاه على القسم، الأوضة عمّها سكوت طويل مكنش بيقطعه غير صوت شهقات سلوى.
سلوى قربت مني، راسها في الأرض ومكسوفة ترفع عينها في عيني.
مدت إيدها ومسكت إيدي، والدموع مغرقة وشها:
“سامحيني يا نادية… أنا كنت عمية وغبية. حصري علي روايات واقتباسات
صدقت كلام أخويا وجيت أفرغ فيكي غضبي من غير ما أفهم.
اتهمتك بالبخل وقلة الأصل، وطلعتي انتِ الست الأصيلة اللي شايلانا وشايلة شرف العيلة كلها وأنا اللي كنت مقصرة ونايمة على وداني.”
ابتسمت لها بحزن وطبطبت على إيدها:
“مش زعلانة منك يا سلوى… انتِ كنتِ بتدافعي عن أمك بجهل، وأنا مش بلومك على حبك ليها، بس كان لازم تسألي وتفهمي قبل ما تحكمي.”
حماتي نادت عليا بإيدها المرتعشة:




