قصص و روايات

ليلة فرحنا

سحب سيف علبة المكرونة ببطء من بين إيديها المشدودة، وحطها على أرضية المطبخ الرخام جنبه. إيدها فضلت معلقة في الهوا لثانية وكأنها خايفة ينهرها أو ياخد منها حاجة ملكها، قبل ما تنزلها بحذر وتسندها على ركبتها.
سيف مد إيده، ومسك كفها الساقع بين إيديه الكبار. كان حاسس برعشة نبضها تحت جلده. النور الأزرق الخافت اللي طالع من باب التلاجة المفتوح كان جالي وشها، ومبين الدموع اللي اتجمعت في طرف عينيها من غير ما تنزل.
“نورهان..” صوته نزل لدرجة هادية جدًا، بس كان فيها ثقل يخلي المكان كله يسكت. “أنا مش حارس أمن واقف في شحنة.. ولا محامي قاعد قدامك في مكتب. أنا جوزك. والبيت ده بيتك.. والعلبة دي”، شاور بإيده التانية على علبة المكرونة، “لو عايزة تاكلي منها عشر علب، هتتاكل في نص الصالة والنور كله شغال، مش مستخبية زي المجرمين.”
نورهان بلعت غصتها بصعوبة، وهزت راسها وهي بتحاول تسحب إيدها، بس هو تمسك بيها أكتر من غير ما يضغط عليها.
“قوليلي مين؟” كرر كلمته بجمود، وعينيه الأسود من الليل كانت محفورة في وشها. “طليقك؟ أمك؟ مين اللي كان بيعد عليكي اللقمة ويخليكي تستخبي عشان تاكلي؟”

شفايفها اتهزت بقلة حيلة، وعينيها راحت للشراب المنفوش اللي لابسته في رجلها، وقالت بصوت مكسور يادوب مسموع: “أمامي ومامته.. في جوازتي الأولى.”
سيف اتسمر مكانه.
كملت بصوت بيترعش وهي بتحاول تمسك نفسها: “قبل ما أعرفك.. وقبل ما أفتح المطعم وببقى نورهان اللي الناس بتعملها حساب.. كنت فاكرة إن الحب معناه إنك تطيع وتستحمل، حتى لو طلبوا منك تصوم أيام عشان جسمك ما يعجبش القرايب.. كانوا يحطوا الأكل قدام الناس، وأول ما الباب يتقفل، تبدأ الملاحظات.. ‘أنتِ أكلتي كتير اليومين دول يا نورهان’.. ‘الأكل ده هيخلي شكلك وحش في الفستان’.. كنت بصحي نص الليل من كتر الوجع في معدتي، وأتسلل للمطبخ زي الحرامية عشان آخد حتة جبنة أو عيش ناشف.. وعشت سنتين كاملين في البيئة دي وأنا بتاكل بالسكات.. لحد ما بقى أي طبق أكل باكله لوحدي بحس إنه جريمة لازم أداريها.”
النور الأزرق انعكس على عيون سيف اللي اتسعت بسكون يرعب. كل كلمة كانت بتنزل على دماغه زي المطر اللي بره، بس بلهب. الغضب اللي كان جواه بسبب والشركة اتخرط وتلاشى، وحل محله غضب تاني أعمق.. غضب راجل اكتشف إن الست اللي بيحبها وشايفها أقوى واحدة في الدنيا، شالت وجع وسواد في روحها قبل ما تعرفه، ولسه آثاره عايشة في بيته.
وقف سيف ببطء.
نورهان رفعت عينها له بخوف: “سيف.. إنت زعلت مني؟”
سيف ما ردش. مد إيده، وقومها من على الأرض بالراحة لحد ما بقيت واقفة قدامه. قرب منها، وحضن راسها بإيديه الاتنين، وباس جبينها بوسة طويلة ودافية، طيّرت برودة المطبخ كله.
“أنا عمر ما أزعل منك يا نورهان..” قالها وهو بيعدل خصلة شعر نازلة على وشها، وعينيه بتلمع بشرر مكتوم. “أنا بس بفتكر الأسامي.. عشان كل حساب قديم اتنسى أو اتساب، هعرف أقفله بنفسي.”
مسك إيدها وشدها ببطء بره المطبخ، وقفل باب التلاجة بصوت واطي، وساب علبة المكرونة على الأرض.. ودخلوا الصالة الضلمة، وهو ناوي إن أول حاجة هيعملها الصبح.. مش إنه يدور على الشحنة، بل إنه يعلم العالم كله إن نورهان المنشاوي محدش يقدر يكسر عينها تاني.. ولا حتى بلقمة أكل.
#انجي_الخطيب

مشيت جمبه بخطوات بطيئة والشراب الشتوي بيعمل صوت خفيف على الرخام، وكانت إيده ماسكة كفها بقوة دافية كأنه خايف تضيع منه في ضلمة الصالة. أول ما وصلوا للأنتريه الكبيرة، قعدها على الكنبة الجلد، وراح فتح الأبوجورة القريبة، فالنور الأصفر الدافئ غمر المكان وبدد أي أثر للضلمة اللي كانت مستخبية فيها.
نورهان كانت بتبص له وعينيها فيها حيرة، ودموعها لسه معلقة في رموشها. سيف ما اتكلمش؛ سابها ثواني ورجع المطبخ، جاب العلبة وجاب معاها شوكة تانية وصينية صغيرة، وحط كل ده على الطاولة اللي قدامها.
قعد قصادها على طرف الطاولة، مسك الشوكة وخد لقمة مكرونة ساقعة، وكلها وهو باصص في عينيها بثبات.
“طعمها مش وحش على فكرة.. بس مش هنشرب وراها مية ساقعة عشان زورك.”
نورهان ابتسمت ابتسامة مكسورة، وشفايفها اترعشت وهي بتبص للشوكة الثانية اللي حطها في إيدها.
“سيف.. أنت جاي من بره هلكان، والمطر كان غرقان.. إيه اللي ممشيك الساعة دي؟”

سيف اتنفس ببطء، وعينيه اتسعت بحجم التعب والهموم اللي كان شايلها قبل ما يدخل البيت. الشحنة، والمخزن اللي في طريق الإسماعيلية، وحسام اللي مستني خبر منه تحت.. كل ده كان زي جبل على كتافه، بس لما شافها هي، الجبل ده بقى هين قصاد الوجع اللي سمع من شوية.
“كان في مشكلة في الشغل.. ومسألة وقت وهتتحل.” قالها بصوت ناعم، بس كان فيه نبرة صلبة ومطمئنة.
“مشكلة كبيرة؟” سألت وهي بتاخد لقمة مكرونة بالشوكة، المرة دي من غير ما تداري وشها ولا تنكمش.
سيف راقب إيدها وهي بتحرك الشوكة، وحس براحة تسري في صدره لما شافها بتاكل قدامه بثبات من غير ما تخبي الطبق.
“مفيش حاجة كبيرة يا نورهان.. طول ما أنتِ هنا، وفي بيتك، ومحدش يقدر يلمس شعرة منك.”
فجأة.. شاشة تليفونه اللي على التربيزة نورت.
الاسم اللي ظهر على الشاشة: حسام – الحراسة.
التليفون عمل فايبريشن خفيف على الزجاج، والصوت كان زي إنذار يقطع اللحظة الدافية دي ويستدعي الخطر اللي مستني بره.
نورهان بصت للموبايل، وبعدين بصت لسيف.
“رد عليه يا سيف.. شكل الموضوع مهم.”
سيف مد إيده وخد التليفون، بس ما ردش فورًا. بص لشاشة التليفون، وبعدين بصلها، وقال بنبرة دافية:
“الأهم إنك تخلصي العلبة دي كلها.. عشان الشيف عبده ميزعلش.”
وقام وقف، وداس على زرار الرد وهو بيتحرك ببطء ناحيه الشباك الكبير المطل على شوارع التجمع الضبابية.
“إيه يا حسام؟”

جاله صوت حسام مشوش بسبب صوت المطر الشديد تحت:
“سيف بيه.. إحنا جيبنا داتا الكاميرات وتتبعنا الـ IP بتاع السيرفر اللي دخل على ملفات الشحنة..  ما فتحش السيستم من جوه شركتك يا باشا.”
سيف ضيق عينيه، وعضلات فكه اتشدت:
“أومال فتحها منين؟”
حسام سكت ثواني، وكان واضح إنه متردد ينطق الجملة، قبل ما يقول بصوت واطي:
“الشبكة اللي اتفتحت منها الملفات.. متسجلة باسم شركة المطاعم بتاعة مدام نورهان.”
سيف اتجمد في مكانه، وكانت زجاج الشباك يعكس خياله وخيال نورهان وهي قاعدة بتاكل المكرونة بوسط الصالة بكل براءة وراحة، مش دريانة بالسر اللي يادوب لسه أتسرب في الهواء.
#انجي_الخطيب

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى