
دخل الشاب المستشفى وأجريت له العملية والأمور كانت سائر-ة بشكل جيد. بعد العملية ليلاً، اتصل بي الطبيب المقيم في المستشفى وأخبرني أن المريض يعاني من صعوبة في تحريك رجليه مع احتباس في البول، على الرغم من أن العملية كانت في جهة واحدة فقط. التفسير الوحيد لمثل هذه الحالة هو احتمال حدوث ضغط على الأعصاب في العمود الفقري بعد الجراحة وأثر ذلك على القدمين. للأسف، مستشفى التأمين الصحي لم تكن تحتوي على جهاز رنين مغناطيسي، وجهاز الأشعة المقطعية كان متعطلاً، ولم أتمكن من إجراء أي فحوصات، فضلاً عن عدم توفر مراكز أشعة مفتوحة ليلاً.
أهل الشاب كانوا في حالة شديدة من القلق لرؤية ابنهم الشاب راسباً في السرير، والدكتور ليس لديه تفسير واضح، و(لمن لا يختص بجراحة العمود الفقري) قد تكون هذه الأعراض من مضاعفات الجراحة. في تلك اللحظة، قررت القيام بالإجراء الممكن الوحيد ودخلت غرفة العمليات بعد منتصف الليل لاستكشاف مكان الجراحة لمعالجة أي نزيف او تجمع دموي محتمل قبل تفاقم الحالة. فتحت الجرح مجدداً ولكنني لم أجد أي نزيف أو تجمع دموي، وكان المكان سليماً ونظيفاً، فأغلقت الجرح وأعدت المريض إلى غرفته، ووصفت له جرعات عالية من الكورتيزون وفقاً للمتبع في هذه الظروف.
كان الأهل يكررون السؤال عن سبب ما حدث، وظنوا بالطبع أنني ارتكبت خطأً جراحياً تسبب في الشلل. تدريجياً، وبفعل تأثير الكورتيزون، تحسنت حركة الشلل واستطاع المريض النهوض والمشي بصعوبة بالغة قبل أن يغادر إلى منزله. بعد عدة أيام، تلقت مكالمة من والدة الشاب تخبرني أن ابنها فقد القدرة على الحركة كلياً وعجز عن النهوض.
قررت الذهاب إلى منزله للاطمئنان عليه رغم تحذيرات من حولني بأن أهله في حالة غضب شديدة وقد يعتدون عليّ في منزلهم. كان الأهل يركزون على فكرة واحدة مفادها أن الطبيب هو من تسبب لابنهم بالشلل. عندما دخلت المنزل، وجدت ما لا يقل عن ثلاثين شخصاً في حالة استنفار وتوجيه نظرات الاتهام لي باعتباره المتسبب فيما حدث لابنهم. وجدت المريض في وضع صحي سيء جداً ويعاني من شلل كامل في الرجلين وصعوبة في النطق.
بدأت محاولات الهجوم عليّ أثناء تواجدي هناك، ولم ينجني سوى ستر الله وبفعل تواجد سكرتير العيادة معي، بينما ظل الأهل يرددون عبارات الاتهام بأن الطبيب الفاشل الذي يأتي من القاهرة يومين فقط أسبوعياً قد أجرى عملية خاطئة وأن الشاب يشرف على الموت. عندما عاينه طبيب أمراض المخ والأعصاب، تمكن من الوصول إلى تشخيص دقيق لحالة مرضية مناعية نادرة تحدث بالصدفة لشخص من بين كل مائة ألف، وهي حالة لا علاقة لها بالعملية الجراحية، وقد تزامنت ظروف الإصابة مع وقت إجراء الجراحة.
لم يقتنع أهل المريض بكلام طبيب الأعصاب واعتبروا أنه يحاول تبرئتي ومخادعتهم. قاموا بنقله عبر سيارة إسعاف إلى القاهرة لاستشارة أحد كبار أساتذة أمراض المخ والأعصاب الذي تزيد تكلفة كشفه عن راتب أي إنسان عادي في مصر. بالطبع لم أستطيع منعهم أو توضيح أنهم يؤخرون علاج ابنهم بسبب تركيزهم على اتهامي والانتقام. وصل الشاب إلى القاهرة وأكد الأستاذ الكبير التشخيص بأنه مرض نادر ولا صلة له بالعملية، واتصل بي هاتفياً أمامهم ليؤكد لي أن لا ذنب لي وأنها مجرد مصادفة سيئة.
حينها فقط، أدرك أهل المريض أنني بريء، وتوجهوا إلى مستشفى عين شمس التخصصي حيث خضع لعملية فلترة للدم، ليتحسن بعدها بأيام ويعود بحالة ممتازة. بعد شهر واحد، عاد الشاب لعمله الطبيعي وتخلص من الآلام، وهو يعمل حالياً في مجال البناء ويحمل الأحمال الثقيلة. الضغط العصبي الذي مررت به خلال تلك الفترة زاد من عمري سنوات وجعل أسبوعين كاملين يمران دون نوم أو راحة أو طعام وسط اتصالات واشتباكات مستمرة، حتى جعلني أتساءل عن جدوى الاستمرار في هذه المهنة الشاقة التي كانت أهون عليّ من كل ذلك الهم. الحمد لله على كل حال؛ فالناس يجب أن تدرك أن الطب ليس سحراً والأطباء ليسوا ملائكة، نحن مجرد أسباب نبذل قصارى جهدنا بما يرضي الله وفي النهاية الشفاء بيد الله وحده، وكل طبيب يتمنى شفاء مريضه، وإن وُجدت أخطاء بشرية فنحن لسنا معصومين، ولكن لا أحد يتعمد الأذى والقدر فوق قدرة البشر واجتهادهم. ربنا يسترها علينا جميعاً.




