
أول مرة أشوف شريف يبلع ريقه بالشكل ده.
لف ناحيتي وقال بنبرة هادئة مصطنعة
خلينا نتفاهم بعيد عن المشاكل.
ابتسمت لأول مرة من ساعة ما دخلت الفرع.
واضح إن اللي خايف من المشاكل… مش أنا.
وقبل ما يرد، فتح الباب بنفسه وخرج بسرعة.
خرجت وراه من غير ما يمنعني.
كل الموظفين كانوا واقفين يبصوا علينا باستغراب.
وعند آخر الممر…
كان فيه رجل في أوائل الستينات، ماسك حقيبة جلد قديمة، وواقف بثبات كأنه مستني اللحظة دي من سنين.
أول ما شافني…
ركز في ملامحي ثواني.
ثم قال بهدوء
كنت متوقع ألا أتعرف عليك بسبب التنكر… لكن عينيك ما اتغيروش.
مد إيده يصافحني.
أما شريف…
فسبقني بخطوة وقال بعصبية
أنا المسؤول هنا. أي ملف معاك سلّمهولي.
الرجل تجاهله تمامًا.
فتح الحقيبة، وأخرج مظروفًا بنيًا كبيرًا، لكنه لم يفتحه.
وقال وهو ينظر إليّ مباشرة
قبل ثلاث سنوات، وصلني تكليف بمراجعة حسابات فرعية ظننتها عادية… لكن كلما فتحت ملفًا، وجدت ملفًا آخر مخفيًا خلفه.
ساد الصمت.
ثم أكمل
في البداية ظننت أنها أخطاء محاسبية… وبعدها اكتشفت أنها ليست أخطاء.
شريف قاطعه بعصبية
كفاية! الكلام ده هتتحاسب عليه.
لكن الرجل لم يلتفت إليه.
بل رفع المظروف قليلًا وقال
كل المستندات هنا… نسخ أصلية، وتحويلات، وعقود، وأوامر صرف.
شعرت أن أنفاس شريف أصبحت أسرع.
لكن أكثر ما لفت انتباهي…
أنه لم يسأل أبدًا
أي مستندات؟
وكأنه…
يعرف بالضبط ما بداخل المظروف.
وفي تلك اللحظة، دوّى صوت صفارات سيارات توقفت أمام الفرع.
كل الموجودين اتجهوا بنظرهم نحو الباب الزجاجي.
وشريف… شحب وجهه فجأة، وهمس لنفسه بكلمات لم يسمعها أحد غيري
مستحيل… هما وصلوا بالسرعة دي؟
وقبل أن نعرف من الذي نزل من تلك السيارات…
انتهى المشهد على لحظة صمت ثقيلة، جعلت الجميع يحبس أنفاسه منتظرًا ما سيحدث بعدها الأبواب الزجاجية اتفتحت ببطء…
ودخل ثلاثة رجال ببدلات رسمية، يتقدمهم رجل يحمل حقيبة سوداء صغيرة.
لم يكن في ملابسهم ما يدل على هويتهم، لكن الطريقة التي دخلوا بها جعلت الفرع كله يصمت.
شريف حاول يستعيد هدوءه بسرعة، وابتسم ابتسامة مصطنعة.
أهلاً… أقدر أساعدكم؟
الرجل لم يرد.
أخرج بطاقة من جيبه، أراها له لثانية واحدة فقط.
وفجأة…
اختفت الابتسامة من وجه شريف.
أما أنا، فلم أستطع رؤية البطاقة من
مكاني.
كل ما رأيته أن شريف تراجع خطوة إلى الخلف دون أن يشعر.
قال الرجل بهدوء
وصلتنا معلومات تستوجب مراجعة بعض المستندات الخاصة بهذا الفرع.
حاول شريف يقاطعه
أكيد في سوء فهم…
لكن الرجل رفع يده، فأغلق شريف فمه فورًا.
في تلك اللحظة، تقدم المراجع الخارجي، ورفع المظروف البني أمام الجميع.
وقال
أظن أنكم تبحثون عن هذه الملفات.
كل الأنظار اتجهت نحو المظروف.
حتى الموظفون بدأوا يتهامسون.
نادين كانت تقف في آخر الممر، وملامحها بدأت تفقد لونها.
لاحظت أنها أخرجت هاتفها بهدوء، وكتبت رسالة سريعة، ثم حاولت تغادر المكان من الباب الجانبي.
لكن قبل أن تصل إليه…
سمعنا صوتًا قويًا من خلفها
لو سمحتِ… محدش يخرج.
تجمدت مكانها.
التفتت ببطء، وعلى وجهها ابتسامة مرتبكة.
قالت
أنا… كنت رايحة أجيب ملف.
الرجل نظر إليها لثوانٍ، ثم قال
الملفات هتيجي لحد عندك.
ساد صمت ثقيل.
وفي وسط هذا الصمت…
لفت انتباهي عامل النظافة العجوز.
كان واقف بعيد، يراقب كل ما يحدث.
لكن الغريب…
أنه لم يبدُ عليه أي اندهاش.
بل كان يهز رأسه بهدوء، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.
اقترب مني بخطوات بطيئة، وهمس دون أن ينظر إليّ
دي البداية بس…
سألته بصوت منخفض
بداية إيه؟
ابتسم ابتسامة غامضة وقال
لما يفتحوا الخزنة الرئيسية… هتعرف إن التوقيع المزور كان أصغر كذبة في الشركة كلها.
وقبل أن أسأله أي شيء آخر…
رن هاتف أحد الرجال الرسميين.
استمع لثوانٍ، ثم أغلقه، والتفت إليّ مباشرة وقال
أستاذ… يبدو أن هناك شخصًا وصل إلى المقر الرئيسي الآن.
توقف لحظة…
ثم أكمل
وهو يزعم أنه… رئيس مجلس إدارة الشركة الحقيقي اتجمدت في مكاني.
حتى شريف، رغم كل اللي كان بيحاول يخفيه، رفع رأسه فجأة.
قلت للرجل بهدوء
إزاي؟
فتح الجهاز اللوحي اللي كان في إيده، وورّاني صورة من كاميرات الاستقبال في المقر الرئيسي.
الصورة كانت لرجل في مثل عمري تقريبًا…
لابس بدلة فاخرة، نازل من عربية سوداء، وماشي بثقة كأنه صاحب المكان.
لكن اللي خلاني أحس بقشعريرة…
إنه كان يشبهني بشكل غريب.
مش شبه كامل…
لكن ملامح كفاية تخدع أي حد مايعرفنيش كويس.
شريف بص للصورة بسرعة، ثم قال وهو بيضحك
أكيد واحد نصاب.
لكن ضحكته كانت متكلفة.
الرجل الرسمي سأله
حضرتك عرفته بسرعة أوي… تعرفه من قبل؟
شريف اتردد جزءًا من الثانية.
ثم قال
لا… بس واضح إنه محتال.
أما أنا…
فكان عقلي بيرجع لسنين فاتت.
افتكرت مرة من حوالي أربع سنين، لما شريف أصر إن كل الاجتماعات المهمة تتم بدوني بحجة إن صحتي ما بقتش تسمح.
وقتها قال لي
ارتاح… وأنا همثلك في كل حاجة.
ومن يومها…
بدأت التوقيعات توصلني جاهزة.
وأحيانًا كانوا يطلبوا مني أمضي عشرات الأوراق في جلسة واحدة.
وساعتها…
سألت نفسي لأول مرة
هل كل الأوراق اللي مضيتها كانت فعلًا هي اللي قالوا عليها؟
قطع أفكاري صوت المراجع الخارجي.
قال
أقترح نروح المقر الرئيسي فورًا.
شريف اعترض بعصبية
مفيش داعي.
فرد عليه الرجل بهدوء
بل فيه… لأن الشخص اللي هناك طلب يفتح خزنة مجلس الإدارة.
أول ما سمع شريف كلمة الخزنة…
اختفى اللون من وشه تمامًا.
ولأول مرة من سنين…




