قصص و روايات

فلاحة غلبانه

لأن في نفس الليلة، بعد ما مريم نامت، حسن فتح شنطته القديمة لأول مرة.

وطلع منها ملف بني.

حطه قدام فاطمة وقال:

— كفاية كده.

فاطمة بصت له.

— متأكد؟

هز رأسه.

— أيوه.

فتح الملف.

جواه صورة قديمة جدًا لوالد مريم… وصورة تانية لرجب السيوفي.

وتحت الصورتين كان فيه عقد ملكية قديم.

فاطمة همست:

— لو مريم عرفت إحنا مين… هتزعل مننا.

حسن رد بهدوء:

— يمكن.

وبعدين بص ناحية باب أوضة مريم.

— بس لو ما عرفتش دلوقتي… رجب هياخد الأرض كلها.

وفي صباح اليوم التالي، حصل شيء محدش في القرية كان متوقعه…

ساد هدوء في القرية، وكان الكل مترقب. كانت مريم قد استيقظت مع أذان الفجر، وخرجت إلى الأرض يحملها الأمل والصبر، وهي تعقد عزيمتها على زراعة البذور التي تركها لها والدها، غير مدركة لما يدور خلف الأبواب المغلقة.

في صبيحة ذلك اليوم، توقفت ثلاث سيارات سوداء حديثة أمام منزل مريم البسيط، ونزل منها ثلاثة رجال يبدو عليهم الجدية، يرتدون بدلات رسمية ويحملون ملفات قانونية المظهر.

في نفس الوقت، كان رجب السيوفي يصل بسيارته مع رجاله، وعلى وجهه ابتسامة واثقة، ظناً منه أن مريم استسلمت وأن موعد تصفية الحسابات قد حان.

نزل رجب ونظر بتهكم إلى السيارات الحديثة، ثم قال بنبرة فيها تعالي:
— “إيه ده يا مريم؟ بقيتي تستقبلي زبائن للبيع قبل المزاد؟ ولا خلاص سلمتي الأرض؟”

خرجت مريم من المطبخ باستغراب شديد، وبجوارها الحاج حسن والحاجة فاطمة.

تقدم أحد الرجال أصحاب البدلات الرسمية، ونظر إلى رجب السيوفي بنظرة هادئة وحاسمة، وأخرج بطاقته الرسمية:
— “أنا الأستاذ عبد العزيز، المستشار القانوني الرئيسي لمؤسسة الشاذلي للاستثمار العقاري والزراعي.”

رجب السيوفي اتفاجئ جداً! اسم “مؤسسة الشاذلي” كان معروف في أكبر المحافل المالية، وهي المؤسسة التي تملك نصف مشروعات استصلاح الأراضي في المحافظة!

التفت رجب ونظر للحاج حسن الذي كان يقف بملابسه البسيطة بجوار مريم، وقال بقلق:
— “مؤسسة الشاذلي؟! وإيه اللي جاب المؤسسة دي لبيت واحدة عندها التزامات زي مريم؟!”

في تلك اللحظة، تقدم الحاج حسن خطوة بثبات، ووقف في منتصف الساحة أمام الجميع. عدل معطفه، وظهر عليه حضور ووقار أذهل القرية بأكملها.

قال الحاج حسن بصوت هادئ وواثق:
— “المؤسسة جات هنا يا رجب… لأن المالك الرئيسي والمؤسس لمجموعة الشاذلي هو أنا، حسن الشاذلي!”

المفاجأة كانت كبيرة على رجب السيوفي وعلى مريم!

مريم بصت للرجل العجوز اللي استضافته في بيتها تحت المطر وقاسمت معه طبق الفول والجبنة البسيط، مش قادرة تستوعب إن الضيف البسيط هو رجل الأعمال المعروف صاحب أكبر مؤسسة استثمارية!

فتح الأوراق والمواجهة الحاسمة:
رجب السيوفي حاول يتماسك:
— “أهلاً يا حسن بيه… نورت القرية. بس حتى لو حضرتك صاحب مؤسسة كبيرة، أنا معايا أوراق رسمية ودين وشراء للرهن من البنك، والأرض دي هتدخل المزاد للبيع!”

ابتسم الحاج حسن ابتسامة هادئة، وأشار لمستشاره القانوني الذي فتح الملف البني القديم.

أخرج المستشار عقدين قدام، وأعلن بصوت واضح أمام جميع أهل القرية الذين تجمعوا لرؤية المشهد:
— “أولاً… العقد الذي بين يديك يا رجب باطل تماماً؛ لأن والد مريم المرحوم ‘عبد الرحمن’ كان قد دخل شراكة رسمية ومستندات مسجلة مع الحاج حسن الشاذلي قبل 35 سنة في هذا المجال. ثانياً… الأوراق تثبت أن رجب السيوفي قام بالتلاعب في إيصالات الأمانة ونقل الدين بطرق غير صحيحة من خلال التعاون مع أحد الموظفين السابقين في البنك!”

وجه رجب السيوفي اتغير تماماً وظهر عليه التوتر الشديد!

أخرج المستشار القانوني أصل عقد الملكية والشراكة القديم، والذي ظهرت فيه صورة والد مريم بجوار الحاج حسن الشاذلي في صغرهما!

قال الحاج حسن وهو ينظر لمريم بحنان:
— “والدك يا مريم كان أعز أصدقائي وشريكي الأول قبل ما تفرقنا الأيام والصعوبات التجارية اللي تسبب فيها رجب ووالده زمان. رجب السيوفي استخدم الحيلة والتلاعب عشان يوقع والدك في الالتزامات، وأخفى الأوراق الأصلية للشراكة!”

أكمل الحاج حسن بصوت واضح:
— “أنا وفاطمة ما تهناش عن الطريق ليلة المطر يا مريم… إحنا جينا بنفسنا عشان نشوف بنت عبد الرحمن، وعشان نتطمن إن الأرض في إيد أمينة. وشفت فيكي نبل وشهامة والدك لما فضلتي ضيوفك على نفسك وقاسمتينا أكلك البسيط.”

في نفس اللحظة…
وصلت جهة قانونية رسمية استدعاها المستشار القانوني!

تم إبراز كشوفات التلاعب المالي، وتم التعامل مع رجب السيوفي ورجاله قانوناً في نص الأرض، واتخاذ الإجراءات القانونية ضدهم بتهم التلاعب وتجريد الأهالي بدون وجه حق!

النهاية:
تغيرت حياة مريم بالكامل من ذلك اليوم.

تم سداد كافّة الالتزامات البنكية وإلغاء القروض غير الصحيحة بالكامل، وتأكيد ملكية مريم الخالصة لـ 25 فداناً، مع الشراكة الرسمية والاستثمارية مع مؤسسة الشاذلي للتطوير الزراعي.

تم استخدام التقاوي والبذور التاريخية التي تركها والد مريم في الصندوق الخشبي، وزراعتها بأحدث التقنيات الحديثة، لتنتج محاصيل نادرة وعالية الجودة أصبحت المورد الرئيسي لأسواق المحافظة.

أما عم سيد والمزارعون البسطاء الذين وقفوا بجانب مريم… فقد تم حمايتهم ودعمهم من مؤسسة الشاذلي، وتوفير كافة الأسمدة والتقاوي لهم بأسعار رمزية لإنهاء سيطرة المحتكرين للأبد.

أقام الحاج حسن والحاجة فاطمة مقراً دائماً في المنطقة، واعتبروا مريم بمثابة ابنتهم المقربة والمديرة التنفيذية لمشاريع المنطقة.

ورأس مريم ظلت مرفوعة للسماء… اتعلم الجميع أن الطيبة والشهامة والنية الصافية هما الثروة الحقيقية التي لا تفنى، وأن الظلم مهما طال، فإن الحق بيظهر وربنا بينصر المظلوم ويرفع قدره.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى