
الجزء الأول
— «أخيراً انتهى الأمر يا إبراهيم. لن أضطر للاستمرار في ادعاء حُبك بعد اليوم.»
-
ابني حلق شعرهمنذ 10 ساعات
-
جوزي القاسيمنذ 23 ساعة
-
بنتي اللي عندها خمس سنينمنذ يومين
فتح إبراهيم السالم عينيه بصعوبة. كاد لا يميّز ملامح زوجته فريدة، وهي تنحني فوق في مستشفى «دار الشفاء».
في الخارج، كانت الأمطار تهطل بغزارة، وفي الداخل، كان كل صوت يصدره جهاز مراقبة النبض يبدو وكأنه يعلن أن قلبه على وشك الاستسلام.
في ذلك الصباح، كان طبيب القلب قد همس للممرضة بصوت خافت:
— «الأذى لا يمكن إصلاحه. بقيت له 5 أيام على الأكثر، ربما أقل.»
كان إبراهيم في السادسة والخمسين من عمره. بنى مصنعاً للأثاث في المنطقة الصناعية من الصفر، ويمتلك قصراً راقياً، وشقتين، واستثمارات وحسابات تُقدّر بأكثر من 82 مليون ريال.
وكانت لديه زوجة تصغره بـ 16 عاماً، أظهرت له على مدار 4 سنوات كل الحب والإخلاص.
أغلقت فريدة الباب، وألقت بقناع اللطف جانباً:
— «مصنعك، وعقاراتك، واستثماراتك… كلها ستصبح لي. أنا ووائل اخترنا بالفعل منزلاً في «الجونة»، مطلّاً على البحر مباشرةً. إنه رائع.»
حاول إبراهيم الكلام، لكن لم يخرج منه سوى صوت ضعيف خافت.
همست وهي تبتسم:
— «لا تجهد نفسك… الديجوكسين قام بالواجب. في الجرعات الصحيحة يساعد القلب، أما في الجرعات الخاطئة فيدمّره ببطء.»
أرته إحدى الحبوب التي كانت تَدّعي أنها جزء من علاجه:
— «كنتُ أعطيك إياها كل ليلة. لم تسألني شيئاً لأنك كنت تثق بي بوفاء… بصراحة، كنت ساذجاً أكثر من اللزوم.»
تسارعت نبضات القلب على الشاشة. وضعت فريدة يدها على صدره، متظاهرة بتهدئته:
— «لا تمت الآن… أريدك أن تعرف أنه بينما كنت تتعب وتعمل، كنتُ أنا ووائل نخطط لحياتنا الجديدة.»
عدّلت أحمر شفاهها أمام المرآة:
— «الجنازة ستكون بسيطة جداً… لا أنوي إنفاق ثروة على شخص لن يمكنه المطالبة بشيء بعد اليوم.»
ثم طبعت قبلة على جبهته وغادرت الغرفة وكأنها تودعه بوداع المحبين.
بكى إبراهيم في صمت. ليس خوفاً من الموت، بل لأنه فهم أن كل لمسة، وكل عناق، وكل كلمة “أحبك”، كانت مجرد جزء من خطة خبيثة.
بعد دقائق، دخل طارق، وهو شاب في الخامسة والعشرين يعمل مسعفاً في المستشفى، وكان يعتاد مساعدته دائماً دون أن ينتظر مقابل.
كان الشاب يعمل لوردتين متتاليتين لأن أخته مريم ذات الـ 14 عاماً بحاجة إلى جراحة قلب تكلف 2.4 مليون.
— «اقترب يا طارق… أريدك أن تتصل بالمحامي الخاص بي.»
نظر إليه طارق بشك:
— «لن أفعل أي شيء غير قانوني يا عم إبراهيم.»
— «لهذا السبب اخترتك بالتحديد. غداً سأغيّر وصيتي، وسأترك لك كل شيء.»
— «لي أنا؟! أنت لا تعرفني حتى يا سيد إبراهيم!»
— «أعلم أنك تتعب وتحمل الأثقال ليلاً لتوفير ثمن علاج أختك… بينما زوجتي تق/تلني لتشتري بيتاً على البحر. قل لي، من يستحق أن يقرر ما سيحدث بأموالي؟»
تردد طارق لثوانٍ، ثم أخرج هاتفه.
في العاشرة من صباح اليوم التالي، دخل رجل يرتدي معطفاً أبيض إلى الغرفة متظاهراً بأنه طبيب استشاري. وفي حقيبته كان يحمل وثائق رسمية من مكتب التوثيق، وكاميرا، وورقة واحدة كفيلة بتدمير مستقبل فريدة بالكامل.
أمسك إبراهيم القلم بيده المرتجفة…
وبينما كانت زوجته تنخب نخب انتصارها مع ، كان هو يوقع على وثيقة ستحوّل احتفالهما إلى كابوس لا يمكن إيقافه.
لم يكن أحد يتوقع ما كان على وشك الحدوث…
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد
وجروب روايات محمد نور
الجزء الثاني
كان **عامر مراد** يتولى الشؤون القانونية لإبراهيم منذ 12 عاماً. ولتجنب الشكوك، وصل برفقة طبيبة قامت بفحص رجل الأعمال وشهِدت بأنه في كامل قواه العقلية.
كما حضر **سميرة**، محاسبة المصنع، و**عادل**، الشريك القديم والصديق المقرب لإبراهيم.
ظلت الكاميرا تعمل طوال تلك الإجراءات.
قرأ عامر قائمة الممتلكات بصوت عالٍ: المصنع، القصر، ، السيارات، الاستثمارات والحسابات البنكية.
القيمة التقديرية: **82.3 مليون ريال**.
— «كل شيء سينتقل باسم طارق» —أعلن إبراهيم—. «فريدة لن تحصل على شيء. وإذا كانت وفاتي مشبوهة، فسلّموا هذا التسجيل إلى النيابة العامة.»
حصلت النيابة على أوامر تفتيش.
في القصر، عثروا على 6 علب فارغة من العلاج، ووصفات مزورة، ودفتر مكتوب بخط اليد مكسو بين الملابس.
في كل صفحة كانت هناك تواريخ وجرعات وملاحظات عن نبض إبراهيم:
*«شعر بالدوار بعد العشاء.»*
*«اليوم لم يستطع النهوض.»*
*«تقليل الجرعة لمدة يومين لتجنب الشكوك.»*
وفي جهاز فريدة المحمول، اكتشفوا عمليات بحث عن القلبي، والتركات، وتأمين الحياة، وطرق في الوصايا.
كما وجدوا رسائل مع وائل:
*«هذا المسعف سرق حياتنا»* —كتبت هي.
*«يمكن حل الأمر»* —أجاب هو.
وفي هاتف وائل وجدوا صوراً لمريم وهي تخرج من المستشفى وتمشي بالقرب من مدرستها. لقد تتبعوها لمدة يومين.
وقالت الضابطة: «هذا لم يعد مجرد ، كانا يجهزان لأمر أكثر خطورة.»
قُبض على فريدة أثناء تواجدها في مركز للتجميل.
في البداية ابتسمت باحتقار: «لا بد أن هناك خطأً، محاميّ سيوضح كل شيء.»
تغيرت عيون فريدة: «أنا اعتنيت بزوحي حتى اللحظة الأخيرة!»
أرتها الضابطة صورة من الدفتر المضبوط: «سجلتِ أيضاً الجرعات التي كنتِ تعطينها له.»
أما وائل فقد قُبض عليه في النادي الرياضي الذي يعمل فيه، وحاول الهرب من باب الخدمة لكن دورية كانت تنتظره. وفي خزانته عثروا على 180 ألف ريال، وهواتف مخصصة للاستخدام المرة الواحدة، ورقة بها البيانات الشخصية لطارق وأمه وأخته.
اعترف مقابل تخفيف ، وأكدا أن وائل دفع لهما لترهيب طارق، وإذا رفض التنازل، كان عليهما أخته لإجباره على التوقيع.
استمر التحقيق 5 أشهر.
دفع محامو فريدة بأن إبراهيم كان مشوشاً بسبب المرض وأن طارق استغل رجلاً . لكن خبراء الصوت أكدوا صحة التسجيل وعدم تزويره.
وشهدت الطبيبة التي حضرت التوقيع أن إبراهيم كان يعي تماماً ما يفعله، وأظهر الفيديو إبراهيم وهو يعدد ممتلكاته ويشرح أسبابه ويجيب على كل سؤال بوضوح.
كما قدمت المحاسبة تحركات مالية مشبوهة؛ فخلال أشهر، حولت فريدة أموالاً من حساب مشترك إلى شركة وهمية أنشأها وائل، وطلبت تقييمات للمصنع والقصر قبل وفاة إبراهيم.
لكن أثناء مراجعة الوثائق ظهر كشف غير متوقع:
كان لإبراهيم ابن يدعى **خالد** (36 عاماً)، يعيش في الخارج ولم يتحدث معه منذ 15 عاماً.
ظن محامو فريدة أنها الفرصة المثالية: «إذا كان هناك ابن، فلا يمكن لطارق أن يأخذ كل شيء.»
حضر خالد للإدلاء بشهادته.
كانت فريدة تتوقع أن يطعن في الوصية ويساعدها على تدمير مصداقية طارق. لكن عند دخوله قاعة المحكمة، وضع ملفاً على الطاولة.
كان يحتوي على رسائل بريدية أرسلها إبراهيم خلال الأشهر الأخيرة، يعترف فيها بشكوكه تجاه فريدة قبل دخوله المستشفى، وكان يحاول التواصل مع خالد للاعتذار عن ابتعاده عنه.
قال خالد: «والدي ارتكب أخطاء كثيرة، واختار العمل والمال على حساب عائلته لسنين. لكن هذه الوصية كانت قراره. ولن أساعد المرأة التي حولته إلى مجرد حساب بنكي.»
في المحاكمة، امتلأت القاعة بالعمال والصحفيين وعائلات الأطفال المصابين بأمراض القلب ممن تابعوا القصة.
حضرت فريدة بزي أنيق وشعر مرتب، ولم تنظر حتى إلى صورة إبراهيم الموضوعة أمام الادعاء.
بدأ عرض التسجيل الصوتي:
*«أخيراً ستنتهي يا إبراهيم…»*
لم يتحرك أحد في القاعة.
ثم عُرضت صور علب الدواء، والدفتر، وعمليات البحث، والرسائل. وأوضح الطبيب الشرعي أن إبراهيم لم يمت موتاً طبيعياً، بل أُضعف قلبه شيئاً فشيئاً.
عندما صعد طارق إلى منصة الشهود، أشار إليه محامي فريدة:
— «ترك لك السيد إبراهيم أكثر من 82 مليون ريال. أنت استفدت مباشرة من وفاته!»
تنفس طارق بعمق: «كنت سأستفيد أكثر لو أنه عاش.»
قطب المحامي حاجبيه: «فسر ذلك!»
— «لو عاش العم إبراهيم، لكان استطاع الإبلاغ عنها، واستعادة حياته، والتصالح مع ابنه. وكنت سأستمر أنا في عملي بالمسشفى… المال لا يعوض إنساناً.»
سمحت القاضية له بالمتابعة.
— «هو لم يطلب مني أن أكذب، بل طلب مني ألا أسمح لوفاته بأن تكافئ من خانوه. كنت أفضّل الاستمرار في تنظيف الممرات على أن أسمع تلك المرأة وهي تسخر منه وهو لا يستطيع الدفاع عن نفسه.»
فقدت فريدة سيطرتها وصرخت: «أنت نصاب ومستغل! كل ذلك كان ملكي!»
أمرت القاضية بالهدوء، لكن هذه العبارة ظلت ترن في القاعة…
لم تقل فريدة “كان زوجي” أو “كنت أحبه” أو “أنا بريئة”… بل تحدثت فقط عن المال.
أدرك وائل أنه قد يواجه عقوبة أشد بسبب مخطط خُطف مريم، فقرر التعاون مع النيابة.
واعترف بأن فريدة هي من اقترحت استخدام الديجوكسين، بينما جلب هو الوصفات المزورة ودفع للمهاجمين.
وقال: «هي من قالت لن يكتشفنا أحد… ووعدتني بأن نبيع المصنع وننتقل للعيش على البحر.»
صرخت فريدة: «يا جبان! أنت أيضاً كنت تريد تلك الحياة!»
قدمت النيابة دليلها الأخير: رسالة أرسلتها فريدة ليلة وفاة إبراهيم:
*«غداً ربما أكون حرة. إذا تأخر الأمر، سأضاعف له الجرعة.»*
ساد صمت مطبق.
بعد أسبوعين صدر الحكم:
عند سماع الحكم، نظرت فريدة إلى طارق: « مني كل شيء!»
رد عليها طارق بلا كراهية: «لا… أنتِ خسرتِ كل شيء عندما قررتِ أن حياة إنسان تساوي أقل من بيت على البحر.»
أُعلنت صحة الوصية. وبعد 6 أشهر، تسلّم طارق الممتلكات رسمياً.
لم يشترِ سيارات ولم يقم حفلات.
أول شيك وقّعه كان لتغطية تكاليف عملية أخته مريم.
كان من المقرر أن تستغرق العملية 6 ساعات، لكنها استمرت ما يقرب من 9 ساعات. مشى طارق في الممرات حتى حفظ كل بلاطة في الأرضية.
عندما خرج الجراح، كان يحمل قبعته بين يديه:
— «كانت معقدة، لكنها نجحت. قلبها يستجيب تماماً. ستجلس في التأهيل لفترة، لكنها ستعيش حياة طبيعية.»
غطى طارق وجهه وبكى.
لسنوات كان يعمل نهاراً وليلاً، يبيع ممتلكاته البسيطة، يطلب قروضاً، ولم يستطع جمع حتى عشر تكلفة العملية. والان أخته ستعيش بفضل رجل جعل من الخيانة أملاً في أيامه الأخيرة.
بعد أشهر، عادت مريم للمدرسة. وبعد عام شاركت في سباق مدرسي لمسافة 3 كيلومترات.
انتظرها طارق عند خط النهاية والدموع في عينيه.
قالت وهي تلهث: «لم أفز بالمركز الأول…»
أجابها: «لكنكِ وصلتِ للنهائية… وهذا هو الفوز الحقيقي.»
باع طارق القصر وإحدى الشقق، وحافظ على الأخرى لوالدته، وشترى منزلاً بسيطاً بالقرب من المستشفى.
كما باع المصنع بشرط واحد: أن يلتزم المالك الجديد بالحفاظ على وظائف جميع العمال وأقدميتهم لمدة 3 سنوات.
وبباقي الثروة والاستثمارات، أنشأ **«مؤسسة إبراهيم السالم الخيرية»** المتخصصة في تكاليف جراحات القلب للأطفال الذين لا تستطيع عائلاتهم تحملها.
في السنة الأولى ساعدوا 7 أطفال.
في الثانية 23.
في الثالثة 51.
أما خالد، ابن إبراهيم، فقرر التكفل بتكاليف عملية واحدة كل عام عن روح والده. كما استلم ساعة والده وصندوقاً من الرسائل التي لم يجرؤ إبراهيم على إرسالها له في حياته.
بعد 5 سنوات، كانت المؤسسة قد دعمت أكثر من 300 طفل.
وعلى جدار الممر علقت صور أطفال ومراهقين عاشوا يوماً ما بفزع من أن تتوقف قلوبهم.
دخلت مريم، التي أصبحت في التاسعة عشرة من عمرها، وهي تحمل ظرفاً:
— «قُبلت في كلية الطب! أريد أن أكون طبيبة قلب للأطفال.»
عانقها طارق بحرارة.
في تلك الليلة، جلس بمفرده في المكتب. في الخارج كانت الأمطار تهطل تماماً مثل تلك الليلة التي طلب فيها إبراهيم مساعدته.
كانت صورة رجل الأعمال تستقر على المكتب.
همس طارق: «لقد أوفيت بالعهد يا عم إبراهيم… أموالك لم تشترِ بيتاً على الشاطئ، بل اشترت عمليات ، وأعياد ميلاد، ومستقبلاً لأطفال كثيرين.»
لم تستطع ثروة إبراهيم أن تنقذ حياته هو…
لكن بفضل قراره الأخير، أنقذت مئات القلوب.
**وكانت تلك هي التركة الوحيدة التي كانت لها قيمة حقيقية.**
النهاية
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد







