
دخلت أوضة أمي.
كانت متبهدلة.
الدولاب مفتوح.
والأوراق كلها متقلبة.
لكن وأنا بفتش…
افتكرت كلمة أمي:
“الورق.”
رفعت المرتبة القديمة.
ولقيت ظرف بلاستيك متغلف.
جواه…
عقد الأرض.
وعقد البيت.
ووصية مكتوبة بخط إيدها.
وفي آخرها جملة:
“أي تصرف يتم في أملاكي دون حضوري يعتبر باطل.”
وكمان…
فلاشة صغيرة.
—
وصلت البيت بتاعي بالليل.
وشغلت الفلاشة.
ظهر تسجيل من كاميرا كانت أمي مركباها في الصالة بعد ما اتسرق البيت من سنة.
بدأ الفيديو عادي.
لكن بعد دقائق…
دخلت سلوى وحسام.
كانوا فاكرين البيت فاضي.
سمعت حسام بيقول:
“امضي يا حاجة… بدل ما نخلي ابنك يرجع يدفنك.”
وأمي كانت بترد:
“حتى لو موتوني… مش هامضي.”
بعدها…
ظهر وهو بيشدها من دراعها.
وسلوى بتقفل الكاميرا.
لكنها ما عرفتش…
إن التسجيل كان اتحفظ تلقائيًا.
قعدت أبكي.
دي أختي.
لكن اللي شوفته…
ما كانش له علاقة بالأخوة.
—
تاني يوم الصبح…
رحت لمباحث المركز.
وسلمت التسجيل.
والوصية.
وتقرير المستشفى.
الضابط بصلي وقال:
“إحنا هنشتغل بهدوء… ومتواجههمش.”
وافقت.
لكن ما كنتش أعرف…
إن المفاجأة الأكبر لسه جاية.
بعد ساعات…
طلع تقرير من البنك.
بيأكد إن فيه محاولة سحب كل مدخرات أمي بتوكيل جديد.
التوكيل…
مزور.
والتوقيع…
متقلد.
وده حول القضية من شروع في استيلاء…
لجناية تزوير واحتيال.
—
في نفس الليلة…
الشرطة طلبت مني أتصرف طبيعي.
رجعت البيت.
وقلت لسلوى:
“أنا مسافر القاهرة يومين أخلص شوية أوراق.”
ابتسمت.
ولأول مرة من أيام…
شفتها مرتاحة.
واضح إنها افتكرت إن الطريق بقى فاضي قدامها.
لكن رجال المباحث…
كانوا بيراقبوا البيت من بعيد.
الساعة اتنين بعد منتصف الليل…
خرجت سلوى وحسام.
ركبوا العربية.
وراحوا ناحية الأرض.
الضباط لحقوهم.
وشافوهم بيحفروا في مكان قريب من الترعة.
ولما قبضوا عليهم…
كانوا بيطلعوا حقيبة حديد.
جواها…
ذهب أمي.
وعقود ملكية.
وختم مزور.
وأوراق بيع مجهزة.
في التحقيق…
أنكروا كل حاجة.
لكن لما شافوا الفيديو…
انهار حسام.
واعترف.
قال إن الديون كانت هتدخله السجن.
ولما عرف إن محمود بيبعت فلوس كتير لأمه…
قرر يستولى على كل أملاكها.
وسلوى…
وافقت.
طمعًا في الميراث.
أما أمي…
فكانت العقبة الوحيدة.
بعد شهور…
صدر الحكم.
السجن المشدد.
ورد كل الممتلكات.
وأمي رجعت بيتها
لكنها عمرها ما رجعت تثق في حد بسهولة.
وفي أول يوم رجعت فيه أقعد معاها في البلكونة…
قدمتلي كوب شاي.
وقالت بابتسامة ضعيفة:
“كنت فاكرة إن الفلوس هتجمعكم.”
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
“طلعت… بتفرق بين القلوب.”
بصيت لها.
وقلت:
“أنا هرجع السعودية أشتغل.”
هزت راسها بالرفض.
وقالت:
“ولا أرض… ولا فلوس… تستاهل تغيب عن أمك تاني.”
بعت استقالتي بعدها بأسبوع
واخترت أبدأ مشروع صغير جنبها.
يمكن أربح أقل…
لكن كل صباح كنت بشوف ابتسامتها.
وده كان أغلى رزق أخدته في حياتي.
بعد اعتراف حسام…
افتكرنا إن القضية خلصت.
لكن الحقيقة…
كانت لسه في أولها.
وأنا خارج من النيابة، تليفوني رن.
رقم غريب.
رديت.
جالي صوت راجل كبير في السن.
قال بهدوء:
“إنت محمود الشاذلي؟”
قلت:
أيوه.”
قال:
“أنا المحامي اللي كان ماسك شغل المرحوم الحاج عبد الرحمن… صاحب الأرض اللي جنب أرض والدتك.”
استغربت.
وسألته:
خير؟”
قال:
“والدتك طلبت مني من تلات سنين ما أكلمكش غير لو حصلها حاجة.”
حسيت بقلبي بيدق بسرعة.
قال:
“فيه أمانة لازم تستلمها.
تاني يوم…
رحت مكتبه في شبين الكوم.
طلع صندوق خشب صغير.
وحطه قدامي.
وقال:
“الحاجة أمينة كانت كل سنة تدفع أتعابي علشان أفضل محتفظ بيه.”
فتحت الصندوق.
لقيت صور قديمة.
وأوراق.
ومذكرة جلد.
أول صفحة فيها كانت مكتوب:
“لو محمود بيقرأ الكلام ده… يبقى أنا مقدرتش أقوله الحقيقة بنفسي.”
فضلت أبص للكلمات وأنا مش مستوعب.
بدأت أقرا.
“أبوك مات وهو بيدافع عن الأرض دي… لأن تحتها سر محدش يعرفه.”
اتجمدت.
المذكرة كانت بتحكي إن جدي قبل أكتر من أربعين سنة اشترى قطعة أرض صغيرة من راجل كان هيسافر.
بعدها بأيام…
الراجل رجع يطلبها بأي تمن.
لكن جدي رفض.
ومن يومها…
بدأت مشاكل وغموض حوالين الأرض.
أبويا حاول يعرف السبب.
وفي ليلة…
اتقتل في حادث اتقال إنه قضاء وقدر.
لكن أمي كانت مقتنعة إنه مدبر.
ولذلك عمرها ما باعت الأرض.
خرجت من عند المحامي.
وأنا حاسس إن كل اللي حصل لأمي…
كان سببه حاجة أكبر من مجرد ميراث.
قررت أروح الأرض.
وقفت في نصها.
بصيت حوالي.
مكان عادي جدًا.
زرع.
وشجر.
وترعة بعيدة.
لكن وأنا ماشي…
لاحظت حجر كبير بارز من التراب.
حاولت أحركه.
كان تقيل جدًا.




