عام

نظافة شخصيه حكـايـات أسمـا السـيد

وصابونات طبية.
ومطهرات.
وبخاخات تعقيم.
حتى فرش الأسنان…
كل فرد في البيت ليه اتنين.
لكن اللي شد انتباهي بجد…
كانت الورقة الكبيرة المعلقة على الحيطة.
مكتوب فيها بخط واضح:
وتحتها:
“يجب الاستحمام فور العودة للمنزل.”
وفي آخرها:
حسيت بقشعريرة.
دي مش تعليمات عادية.
دي كانت أقرب لقوانين عسكرية.
خرجت بهدوء.
ولقيت أم كريم واقفة برة.
ابتسمت وقالت:
— خلصتي؟
هززت راسي.
قالت وهي بتعدل طرحتها:
— إحنا آسفين لو استغربتي… بس دي عاداتنا من سنين.
ابتسمت ابتسامة مجاملة.
لكن جوايا ألف سؤال.
دخلت الصالون.
ولاحظت إن محدش بيسلم بالأحضان.
ولا حتى .
كل واحد يقعد في مكان محدد.
حتى الأطفال…

كانوا كل شوية إيديهم.
أخته الصغيرة قامت تشرب مية.
أمها صرخت فيها:
— إيدك؟
البنت جريت الحمام بسرعة.
كريم بصلي وكأنه شايف استغرابي.
وهمس:

مقالات ذات صلة

— متستغربيش… دي مجرد احتياطات.
لكن الموضوع مكانش مجرد احتياطات.
كان هوس.
وبعد الغدا…
لقيت أم كريم بتقول:
— تعالي يا بنتي… عايزة أوريكي حاجة.
دخلت معاها نومها.
فتحت درج قديم.
طلعت منه ألبوم صور.
وقالت وهي :
— يمكن بعد ما تعرفي الحكاية… .
بدأت تقلب الصور.
صورة لرجل في الأربعينات.
وشه بشوش.
شايل طفل صغير.
وقالت:
— ده جوزي.
بصيت لكريم.
ملامحه كانت شبهه جدًا.
ثم طلعت صورة تانية.
لنفس الرجل…
لكن كان  جدًا.
وقالـت بصوت :
— قبل عشرين سنة… أبو كريم نادرة.
الدكاترة في الأول افتكروها دور برد.
وقعد شهور بين الحياة .
والسبب…
إنه استهان بالنظافة بعد شغله في أحد المخازن.
من يومها…
وأنا بقيت أخاف من أي .
كل كلمة قالتها…
كانت مليانة .
لكن برضه…
حسيت إن رد الفعل أكبر بكتير من السبب.
سألتها بهدوء:
— والحمد لله… خف؟
سكتت.

بعدين قالت:
— خف من …
لكن عقلنا عمره ما خف من الخوف.
بصيت لكريم.
لقيته منزل راسه.
كأنه حافظ الكلام ده من زمان.
رجعنا البيت.
وطول الطريق…
ما اتكلمناش.
أول ما وصلنا…
بصلي وقال:
— دلوقتي فهمتي ليه بطلب منك تستحمي؟
قلت بهدوء:
— فهمت خوفكم…
بس اللي بتعملوه مش طبيعي.
ملامحه اتغيرت.
وقال :

— يعني أنا غلط؟
قلت:
— لما تخليني أحس إن فيا عيب وأنا سليمة… يبقى أيوة.
سكت.
وأول مرة…
ما عرفش يرد.
في الأيام اللي بعدها…
حاولت أتكيف.
لكن الطلبات زادت.

بقى لازم أغير هدومي أول ما أدخل.
وأغسل موبايلي بالكحول.
وأمسح شنطتي.
وأي حاجة أجيبها من برة…
تدخل التعقيم الأول.
كنت بحاول أرضيه.
لكن كل مرة…
كان يطلع شرط جديد.
وفي يوم…
دخلت وهو في الشغل…
علشان أدور على الشاحن.
ولما فتحت درج المكتب…
لقيت دفتر أسود قديم.
مكانش عليه اسم.
فتحته…
واتجمد في عروقي.
لأن كل صفحة فيه…
كانت عبارة عن ملاحظات مكتوبة بخط كريم.
“عدد مرات استحمامها اليوم: 2.”
“غسلت إيديها قبل الأكل: نعم.”
“لمست مقبض الباب ثم لم تعقم إيديها لمدة ثلاث دقائق.”
وفي آخر صفحة…
جملة واحدة خلت قلبي يدق :
قفلت الدفتر بسرعة.
وساعتها…
عرفت إن المشكلة عمرها ما كانت في نظافتي…
المشكلة كانت في خوف كريم…
الخوف اللي تحول مع السنين إلى هوس ممكن يدمر أي علاقة… وأن اللي جاي هيكون أصعب بكتير مما كنت أتخيل.
الفصل الثالث
فضلت ماسكة الدفتر…
وإيديا .
كنت كل ما أقلب صفحة…
ألاقي تاريخ.
وملاحظات.
وأوقات مكتوبة بالدقيقة.
“رجعت من الشغل الساعة 4:17.”
“لم تغسل إيديها إلا بعد دقيقتين.”
“لمست شعرها بعد ما فتحت باب العمارة.”
“قبل ما تغير هدومها.”
كل حاجة…

كانت متسجلة.
حتى تفاصيل أنا نفسي ناسيّاها.
قفلت الدفتر بسرعة.
مكانه.
لكن من اللحظة دي…
بقيت أبص لكريم بطريقة مختلفة.
مش كحبيب.
ولا حتى كخطيب.
بقيت ببصله كواحد محتاج مساعدة.
لما رجع من الشغل…
اتعاملت معاه عادي.
كنت مستنية هو اللي يتكلم.
وبالفعل…
أول ما دخل.
قال:
— غيرتي هدومك؟
قلت:
— أيوه.
— استحميتي؟
— لا… كنت مستنياك.
اتغير لون وشه.
وقال بسرعة:
— إزاي يعني لا؟
قلت بهدوء:
— لسه راجعة من ساعة.
قرب مني خطوة.
ولأول مرة…
شفت الرعب الحقيقي في عينه.
مش العصبية.
الرعب.
قال بصوت عالي:
— ادخلي الحمام دلوقتي.
قلت:
— بعد شوية.
وفجأة…
مسك إيدي .
وقال وهو بيتنفس بسرعة:
— قلت دلوقتي.
سحبت إيدي منه.
وقلت بحزم:
— كريم… إنت .
وقف مكانه.
وبص لإيده.
كأنه لسه واخد باله إنه ضغط عليها.
قعد على الكنبة.
وحط راسه بين إيديه.
وبدأ يعيط.
أول مرة أشوف راجل بيعيط بالشكل ده.
كان بيقول بين وقلت:

— يبقى متخلينيش أعيش كل يوم.
رفع عينه ناحيتي.
وقال:
— إنتِ مش فاهمة.
قلت:
— فهمني.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— وأنا عندي عشر سنين…
أبويا رجع البيت تعبان.
كان عنده حرارة بسيطة.
ماما قالتله يستحمى.
قالها:
“بعدين.”
في اليوم اللي بعده…
حرارته زادت.
وبعد أسبوع…

دخل العناية المركزة.
ولمدة ست شهور…
كنت كل يوم أروح أشوفه.
مليان أجهزة.
مش بيتكلم.
ولا بيتحرك.
كنت فاكر إنه .
ومن يومها…
ماما بقت تغسل كل حاجة.
وبعد كام سنة…
أنا بقيت أعمل زيها.
وبعدين…
بقيت أزود.
كل مرة خوفي يزيد…
كنت أضيف قاعدة جديدة.
سألته بهدوء:

— يعني القوانين دي…
إنت اللي عاملها؟
هز راسه.
— أيوه.
— والدفتر؟
— علشان أطمن.
قلت:
— لا يا كريم…
الدفتر ده مش بيطمنك.
الدفتر ده .
بصلي وسكت.
في اليوم اللي بعده…
قررت أعمل حاجة.
حجزت مع دكتور نفسي.
ولما قولتله…
اتنرفز.
وقال:
— يعني شايفة إني مجنون؟
قلت بسرعة:
— لا.
شايفة إنك تعبان.
وفي فرق كبير.
قام وقف.
وقال:
— أنا مش رايح.

قلت:
— براحتك.
بس أنا مش هكمل بالشكل ده.
اتجمد مكانه.
قال:
— ؟
قلت:
— لا.
بحمي نفسي.
أنا بقالى شهور بصدق إن فيا.
عملت تحاليل.
ولفيت على دكاترة.
وبقيت بخاف من نفسي.
رغم إن كل الناس كانت بتقول إني طبيعية.
وسكت شوية.
وبعدين كملت:
— الحب مش معناه إني أفقد ثقتي في نفسي.
خرج من البيت…
عدى يوم.
واتنين.
وثلاثة.
مكلمنيش.
كنت فاكرة إن كل حاجة .
لكن في الليلة الرابعة…
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت كريم واقف.
وشه مرهق.
وعينه حمرا.
وفي إيده ورقة.
ناولها لي.
بصيت فيها.
كانت إيصال حجز عند استشاري علاج نفسي متخصص في  القهري.
وقال بصوت :
— أنا روحت.
سألته بدهشة:
— لوحدك؟
ابتسم لأول مرة من شهور.
وقال:
— الدكتور قالي أول خطوة في العلاج…
إني أعترف إن المشكلة مش في الناس…
المشكلة في خوفي.

ثم مد إيده ناحيتي وقال:
وقفت أبصله…
وأدركت أن أصعب معركة في حياتنا…
لم تكن ضد …
الفصل الرابع
وقفت قدامه…
ومعرفتش أرد.
كان أول مرة أشوف كريم…
ضعيف بالشكل ده.
مش بيبرر.
ولا بيجادل.
ولا بيقول إني مكبرة الموضوع.
كان واقف…

وكأنه أخيرًا شايف نفسه بعيوني.
قلت بهدوء:
— العلاج مش هيكون سهل.
هز راسه.
وقال:
— عارف.
— وممكن ياخد شهور.
— حتى لو سنين.
— وممكن تقع وترجع تاني.

ابتسم ابتسامة حزينة.
وقال:
— المهم كل مرة أقع… أقوم.
وافقت أديه فرصة.
لكن حطيت شرط.
قلت:
— أي قرار يخص … مش هيتاخد بالخوف.
وافق فورًا.
وبدأ العلاج.

في أول جلسة…
الدكتور طلب مني أحضر.
بيتعب كل اللي حواليه.
ولما دخلنا…
الدكتور سأل كريم سؤال بسيط.
— إيه اللي هيحصل لو خطيبتك استحمت مرة واحدة بس؟
رد بسرعة:
— ممكن تتعب.
— إيه الدليل؟
سكت.
— حصل قبل كده؟
سكت أكتر.
الدكتور ابتسم.
وقال:حقيقة.

خرجنا من الجلسة…
وأول مرة أشوف كريم بيفكر.
مش بيرد.
كان ساكت طول الطريق.
وبدأت خطة العلاج.
اليوم الأول…
استحميت مرة واحدة.
كريم كان ماشي في البيت رايح جاي.
كل شوية يبص عليا.
ثم يبص للساعة.
واضح إنه نفسه.
قبل النوم…
قال:
— حاسة بأي تعب؟
ابتسمت.
وقلت:
— لأ.
نام وهو قلقان.
وفي الصبح…
صحيت كويسة.

بصلي بدهشة.
وكأنه كان مستني يلاقيني مريضة.
بعد أسبوع…
الدكتور طلب منه يبطل يسألني عن الاستحمام.
كانت أصعب مهمة.
كل مرة كان السؤال يوصل لحد لسانه….
ولما ينجح…
كان يحكي للدكتور بفخر.

لكن بعد شهر…
حصل موقف رجعنا خطوات لورا.
كنا في مول.
ولد صغير عطس جنبنا.
كريم اتجمد.
مسك إيدي.
وقال:
— يلا نمشي.
قلت:
— ليه؟
قال:
— بسرعة.
ركبنا العربية.
وفجأة…
بدأ يعقم إيده.
وبعدين عجلة القيادة.
وبعدين الموبايل.
وبعدين طلب مني شنطتي.
بصيتله.
وقلت بهدوء:
— كريم…
إنت رجعت.
وقف.
وبص للحاجات اللي حواليه.
ثم بدأ يبكي.
قال:
— كنت فاكر إني خفيت.
قلت:
— العلاج مش خط مستقيم.
فيه أيام صعبة.
رجع للدكتور تاني.
والدكتور قاله جملة غيرت فيه كتير.
قال:
— الانتكاسة مش معناها إنك فشلت…
معناها إنك لسه بتتعلم.
بدأ كريم يقتنع.
ومع الوقت…
بقى يعتذر كل ما يغلط.
وفي يوم…
كنت عند بيت أهله.
أمه أول ما شافتني قالت تلقائيًا:
— يا بنتي… ادخلي اغسلي إيدك الأول.
قبل ما أرد…
اتفاجأت بكريم بيبتسم ويقول:
— يا ماما…
سيبيها براحتها.
أمه استغربت.
وقالت:
— يعني إيه؟
قال بهدوء:

— إحنا بنعالج الخوف…
مش بنكبره.
أمه سكتت.
لكن ملامحها كانت رافضة.
بعد الغدا…
سمعتها بتقوله في المطبخ:
— الدكتور لعب في دماغك.
إنت هتضيع نفسك.

رد عليها لأول مرة بثبات:
— لا يا أمي…
أنا بحاول أعيش.
وقفت أسمع الحوار…
وعرفت قد إيه القرار اللي أخده كان صعب.
لأنه مش بيواجه نفسه بس…
كان بيواجه أفكار عاش عليها من وهو طفل.
ولما رجعنا البيت…
بصلي وقال بابتسامة هادئة:

— النهارده حسيت إني انتصرت أول انتصار حقيقي.
ابتسمت.
لكن في داخلي…
كنت عارفة إن المعركة لسه ما انتهتش.
لأن تغيير إنسان عاش سنوات طويلة تحت سيطرة الخوف…
لا يحدث في يوم واحد.
لكنه يبدأ بخطوة…
وكان كريم قد بدأ يخطوها بالفعل.
يتيع

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى