قصص و روايات

النادلة النائمة

ارتطم باب السيارة بقوة.

كان عمر قد سبقه.

أمسك باب السيارة بكلتا يديه وقال بصوت هادئ أخطر من الصراخ:

“الهروب اعتراف.”

نظر محمود إليه بعينين مضطربتين.

ثم دفع الباب بعنف، محاولًا الإفلات.

لكن الحراس وصلوا في اللحظة نفسها، وسحبوه إلى الخارج.

صرخ محمود:

“إنت فاهم غلط!”

أجابه عمر ببرود:

“يبقى فسّر.”

داخل مكتب المزرعة…

وُضع مفتاح الخزنة على الطاولة.

إلى جواره القلادة الحمراء.

جلس محمود صامتًا.

أما عمر ففتح الخزنة بنفسه أمام الجميع.

كانت مفتوحة بالفعل…

ودون أي آثار كسر.

قال عمر:

“نسخة المفتاح دي اتعملت إمتى؟”

لم يرد محمود.

تقدم ضابط الشرطة الذي وصل قبل دقائق وقال:

“هنعرف من البصمات.”

في تلك اللحظة، دخل الطبيب مرة أخرى.

قال مبتسمًا:

“حرارة ليان بدأت تستقر.”

أغمض عمر عينيه براحة لأول مرة منذ ساعات.

ثم سأل:

“فين سارة؟”

رد أحد الحراس بخجل:

“لسه محبوسة في غرفة الأمن.”

تغير وجه عمر فورًا.

قال بحزم:

“طلعوها حالًا.”

خرجت سارة ببطء.

كانت تظن أنهم سيقتادونها إلى قسم الشرطة.

لكنها فوجئت بعمر يقف أمامها.

ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم قال بصوت منخفض:

“أنا… مدين لك باعتذار.”

هزت رأسها.

“المهم البنات بخير.”

نظر إليها باستغراب.

“بعد كل اللي حصل… ده أول همك؟”

ابتسمت ابتسامة متعبة.

“أنا اشتغلت سنين أراعي أطفال الناس… الطفل مالوش ذنب في أخطاء الكبار.”

خفض عمر رأسه.

ولأول مرة منذ وفاة زوجته، شعر بالخجل من حكمه السريع على إنسانة لم تعرف سوى القسوة.

في هذه الأثناء…

كان رجال الشرطة يفتشون مكتب محمود.

فتحوا درجًا سريًا خلف خزانة الملفات.

لكن ما وجدوه لم يكن أموالًا…

بل ملفًا بنيًا قديمًا مكتوبًا عليه بخط اليد:

“مريم المنصوري.”

فتح الضابط الملف.

فتجمد الجميع.

احتوى الملف على تقارير طبية، وصور، ورسائل لم تصل إلى عمر أبدًا.

وفي آخر صفحة…

وجدوا تقريرًا يحمل تاريخ يوم وفاة مريم.

لكن سبب الوفاة المكتوب فيه…

كان مختلفًا تمامًا عما أخبروا به عمر قبل ستة أشهر.

رفع الضابط عينيه بصدمة وقال:

“يا أستاذ عمر… واضح إن وفاة مدام مريم… ما كانتش حادثًا طبيًا عاديًا.”

شعر عمر بأن الأرض تميد تحت قدميه.

أما محمود…

فأغلق عينيه في استسلام، وكأنه أدرك أن السر الذي دفنه لسنوات خرج أخيرًا إلى النور.

يتبع…أخذ عمر الملف من يد الضابط بيدين مرتجفتين.

فتح الصفحة الأخيرة مرة أخرى.

قرأ السطر الأول…

ثم الثاني…

وشحب وجهه.

كان التقرير الأصلي يؤكد أن مريم لم تمت بسبب مضاعفات الولادة كما أخبره الجميع.

بل بسبب حقنة تحتوي على دواء مُنع إعطاؤه للنساء بعد الولادة مباشرة لأنه قد يسبب هبوطًا حادًا في الدورة الدموية.

رفع عمر رأسه ببطء.

نظر إلى محمود.

وقال بصوت مخنوق:

“مين أمر بالحقنة؟”

ظل محمود صامتًا.

لكن الضابط قلب بقية الأوراق.

ثم أخرج فاتورة شراء الدواء.

وكان التوقيع في أسفلها…

توقيع محمود الشاذلي.

صرخت إحدى الممرضات:

“مستحيل… هو اللي كان بيجيب الأدوية بعد وفاة الدكتورة المشرفة!”

—

اقترب الضابط من محمود.

“ليه عملت كده؟”

تنهد محمود طويلًا.

ثم قال وهو يطأطئ رأسه:

“لأني كنت مديون.”

ساد الصمت.

أكمل بصوت مكسور:

“واحد من رجال الأعمال هددني… قال لو ما ساعدتوش يسيطر على المزرعة هيدمر عيلتي.”

نظر إليه عمر بعدم تصديق.

“قتلت مراتي علشان ديون؟!”

هز محمود رأسه بسرعة.

“أنا ما كنتش أقصد تموت… قالولي الجرعة هتخليها تتعب كام يوم بس… وبعدها هتبيع جزء من الأرض لتسدد الخسائر… لكن الجرعة كانت أكبر من اللازم.”

قبض عمر يده بقوة حتى ابيضت مفاصله.

لكن الضابط أمسك بذراعه.

“سيب القانون ياخد مجراه.”

—

في الخارج…

كانت سارة تجلس بجوار التوأم بعد أن طلب الطبيب بقاءها معهن حتى يهدأن.

وما إن دخل عمر الغرفة…

حتى مدّت ريم ذراعيها الصغيرتين نحوه.

حملها بصمت.

ثم نظر إلى سارة.

“أنقذتي بناتي… ويمكن أنقذتي الحقيقة كمان.”

ابتسمت بخجل.

“أنا عملت اللي أي حد مكاني كان هيعمله.”

هز عمر رأسه.

“لا… مش أي حد.”

ثم مد يده إليها.

“سامحيني.”

ترددت لحظة…

ثم صافحته.

وفي تلك اللحظة، ابتسمت ليان لأول مرة منذ أيام، فضحك الجميع رغم ثقل الأحداث.

لكن قبل أن ينتهي الموقف…

دخل أحد الضباط مسرعًا وهو يحمل ظرفًا أبيض مختومًا بالشمع الأحمر.

قال:

“لقيناه في خزنة محمود.”

سلمه إلى عمر.

فتح الظرف ببطء.

وفي داخله رسالة بخط يد مريم.

لكنها لم تكن موجهة إلى عمر…

بل إلى سارة عبد الرحمن.

تجمدت سارة في مكانها وهي تقرأ اسمها المكتوب على الظرف.

وقالت بدهشة:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى