قصص و روايات

كيس لحمة

ومضيت.
الضابط سألني التوقيع ده توقيعك؟
بصيت.
كان توقيعي فعلًا.
لكن على أوراق غير اللي كنت فاكراها.
في نفس اللحظة دخل موظف من التموين.
وقال في معلومة جديدة.
المحل متقفل من أسبوع… وصاحبه الحقيقي اختفى.
سأله الضابط مين صاحبه؟
قال وهو بيبص في الملف واحد اسمه… سامح.
سامح…
اسم أخو جوزي الكبير.
المفاجأة إن أخو جوزي كان مسافر الخليج من تلات سنين.
إزاي يبقى صاحب المحل؟
طلب الضابط تحريات جديدة.
وبعد يومين ظهرت الكاميرات.
الكاميرا اللي قدام المحل جابت شخص بينزل كراتين لحمة كل أسبوع.
ولما قربوا الصورة…
كانت حماتي.
بس اللي صدم الجميع، إن العربية اللي كانت بتنقل اللحمة كانت تابعة لشركة كبيرة لتوريد المجمدات.
ولما استدعوا صاحب الشركة…
قال جملة قلبت القضية كلها
أنا عمري ما اتعاملت مع الست دي… أنا كنت بتعامل مع ابنها.
الضابط بص لجوزي في الصورة وقال يعني هو اللي كان بيستلم الفلوس؟
رد الراجل لأ… الفلوس كان بيستلمها شخص تاني.
مين؟
طلع صورة من موبايله.
أول ما شفتها شهقت.
لأن الشخص اللي واقف بيستلم الفلوس… ماكانش جوزي.
وماكانش أخوه.
كان أبو جوزي… الراجل اللي كانوا بيقولوا إنه مريض، والدكتور مانعه حتى من أكل الفراخ.
وفجأة، بقى واضح إن تمثيلية المرض، واللحمة، والمحلات، والأوراق اللي باسمي… كانت جزءًا من خطة أكبر بدأت من سنين، ولسه السر الأخطر فيها ما اتكشفش أول ما شفت صورة أبو جوزي، حسيت إن الأرض بتميد بيا.
قلت للضابط مستحيل… ده كان بيقول إنه ميعرفش حاجة.
الضابط حط الصورة قدامي وقال الصورة بتاريخ الأسبوع اللي فات.
اتقبض على أبو جوزي واتجاب القسم.
في الأول أنكر كل حاجة.
لكن لما الضابط وراله تسجيلات الكاميرات، اتوتر.
قال أنا كنت بروح أستلم الفلوس بس… مليش دعوة بباقي اللي حصل.
الضابط سأله ولمين كنت بتسلمها؟
سكت.
وبعدين قال لسعاد… مراتي.
في اللحظة دي استدعوا حماتي.
دخلت وهي واثقة.
لكن أول ما شافت جوزها اعترف، وشها اتغير.
قالت بعصبية هو اللي ورطني… هو اللي قال نسجل كل حاجة باسمها.
رد عليها أبو جوزي كدابة… إنتِ اللي زورتي الورق وخليتي ابننا يجيب صورة بطاقتها.
بدأ الاتنين يرموا التهمة على بعض.
لكن الضابط كان مركز في نقطة واحدة.
قال كل ده مفهوم… بس فين مئات الآلاف اللي دخلت من بيع اللحمة؟
سكتوا.
وفجأة دخل عسكري وقال يا فندم… لقينا الابن.
كانوا قبضوا على جوزي وهو بيحاول يركب أتوبيس سفر.
اتجاب مكبل.
أول ما شاف أمه قال أنا قلتلك اهربي بدري.
ساعتها الكل فهم إنهم كانوا متفقين.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لما المراجع المالي دخل بملف جديد وقال
يا فندم… بعد مراجعة الحسابات اكتشفنا إن محل اللحوم عمره ما كان مصدر الفلوس الحقيقي.
الضابط رفع رأسه وسأله أمال كان ستار لإيه؟
فتح الملف، وقال الفلوس كانت جاية من نشاط تاني بالكامل… ومحلات اللحوم كانت مجرد واجهة لتغطية حركة الأموال.
وساد الصمت في الغرفة… لأن القضية في اللحظة دي اتحولت من نزاع عائلي إلى قضية جنائية أكبر، وبدأت أسماء جديدة تظهر في التحقيقات، وأول اسم كان صادمًا للجميع الضابط قلب الصفحة الأخيرة في الملف وقال
أول اسم ظهر معانا… المحاسب القانوني اللي كان بيخلص كل الورق.
دخل الراجل.
أول ما شفته افتكرته.
كان نفس الشخص اللي حضر فرحي من خمس سنين، وكان قريب جدًا من حماتي.
الضابط سأله مين اللي طلب منك تفتح السجل التجاري باسمها؟
بص ناحيتي وقال هي عمرها ما جتلي.
الضابط عقد حاجبيه أمال مين؟
قال الست سعاد… وابنها. جابولي صورة البطاقة، وعقد عليه توقيع، وقالوا إن صاحبة المحل مسافرة ومشغولة.
حماتي صرخت بيكدب!
لكن المحاسب طلع كاميرات المكتب.
الفيديو كان واضح.
حماتي وجوزي قاعدين قدامه، وبيسلموه الورق.
ساعتها جوزي انهار.
حط وشه بين إيديه وقال أنا غلطت… بس كنت فاكر إنها مجرد ورق وهينتهي.
الضابط سأله طيب ليه هربت؟
قال بصوت واطي لأن أمي قالتلي أول ما الشرطة تيجي… امشي، وسيب مراتك هي اللي تتحاسب.
الكلمة دي كسرتني.
بعد عشر سنين جواز، اكتشفت إنه كان مستعد يضحّي بيا عشان ينقذ نفسه وأمه.
لكن المفاجأة الأخيرة كانت لما الضابط قال
لسه في شخص واحد ناقص.
سألته مين؟
رد صاحب الحساب البنكي اللي كانت بتتحول عليه كل الفلوس.
فتحوا كشف الحساب.
الاسم كان…
مش حماتي… ولا جوزي… ولا أبو جوزي.
كان اسم أخت جوزي.
الكل بص لها وهي داخلة القسم.
ابتسمت بهدوء وقالت
إنتوا فاكرين إني كنت بعرف بعد ما الفلوس تتحول؟
فتحت شنطتها، وطلعت فلاشة

صغيرة.
وحطتها قدام الضابط.
وقالت
على الفلاشة دي تسجيلات لكل اجتماع، وكل اتفاق، وكل مرة كانوا بيقولوا فيها سيبوا كل حاجة باسم مرات أخويا… ولو حصل أي مشكلة هي اللي هتلبسها.
في اللحظة دي… القضية اتقلبت بالكامل، وبقت الفلاشة هي الدليل اللي أنقذني، وحوّل الاتهام منّي إلى كل من شارك في تلفيق القضية الضابط شغّل الفلاشة.
أول تسجيل كان صوت حماتي وهي بتقول
خلوها تمضي على أي ورقة من غير ما تقراها… دي بتثق فينا.
وبعدين صوت جوزي
ولو عرفت؟
ردت حماتي بضحكة
هنقولها دي إجراءات تأمين أو ورق خاص بالبيت.
الغرفة كلها سكتت.
لكن التسجيل الأخير كان أغرب من كل اللي قبله.
صوت راجل مجهول بيقول
لازم تخلصوا نقل الملكية قبل آخر الشهر… لأن لجنة الضرائب هتراجع كل المحلات.
الضابط وقف التسجيل وسأل
مين الراجل ده؟
ولا واحد منهم رد.
بدأوا يفرغوا محتويات موبايل جوزي.
وبين الرسائل لقوا محادثة مع الرقم المجهول.
كان متسجل باسم الحاج.
وفي المحادثة رسالة مكتوب فيها
أهم حاجة الست متعرفش إن في محل تاني ومخزن تاني باسمها.
أنا شهقت.
قلت محل تاني؟
الضابط بصلي وقال
واضح إن اسمك مستخدم في أكتر من نشاط.
في اليوم التالي خرجت حملة مع الشرطة.
راحوا العنوان الموجود في الرسائل.
كان مخزن قديم على أطراف المدينة.
لما فتحوه… لقوا ثلاجات كبيرة، وملفات، وأختام، وعقود بأسماء ناس كتير.
ومن بينهم ملف كامل باسمي.
فتح الضابط الملف.
ولقى عقود، وإيصالات، وصور بطاقتي، وحتى توقيعات مزورة.
لكن آخر ورقة كانت مختلفة.
كانت وصية مكتوبة بخط يد حماتي، بتقول
لو حصل أي حاجة، كل المسؤولية تقع على مرات ابني، لأنها صاحبة الورق.
الضابط قفل الملف وقال
دلوقتي بقى عندنا دليل واضح على محاولة تلفيق التهمة.
وفي اللحظة دي، دخل عسكري يجري وهو بيقول
يا فندم… لقينا الحاج.
الضابط سأله بسرعة
فين؟
رد العسكري
سلّم نفسه… وقال إنه مستعد يعترف بكل حاجة، بس بشرط واحد…
إنه يتكلم قدام مرات ابن الست سعاد لوحدها، لأنه عنده سر لو اتقال هيغيّر حياتها كلها دخل الحاج غرفة التحقيق، وكان راجل في أواخر الخمسينات.
أول ما شافني قال للضابط
لو سمحت… خمس دقايق بس قدامها، وكل حاجة هتتفهم.
الضابط وافق، لكن فضّل واقف يراقب.
بصلي الراجل وقال
أنا مش جاي أدافع عن نفسي… أنا جاي أقولك الحقيقة اللي مخبوها عنك من أول يوم اتجوزتي فيه.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قال
حماتك عمرها ما كانت عايزة فلوس اللحمة… كانت عايزة توقيعك.
سألته ليه؟
فتح شنطة صغيرة كانت معاه، وطلع ملف قديم.
جواه عقد بيع قطعة أرض.
قال الأرض دي كانت باسم جد جوزك، وكان من حق ابنك يرث فيها بعد وفاة جده. لكن لو فضلت كل أملاك العيلة باسم مرات الابن، هيبقى صعب عليهم يبيعوا من غير موافقتها.
قلت باستغراب إيه علاقة ده بالمحل؟
قال كانوا بيستخدموا اسمك في أي ورقة يحتاجوا يمضوها. مرة محل، مرة حساب، ومرة توكيل… لحد ما لو حصلت مشكلة قانونية، كل التهم تقع عليكي.
في اللحظة دي دخل الضابط وقال
الكلام ده لازم يثبت بالمستندات.
الحاج مدّله الملف.
وفيه صور من التوكيلات، وأرقام القضايا، وإيصالات التحويل.
لكن قبل ما الضابط يقلب آخر ورقة…
باب القسم اتفتح بعنف.
ودخلت أخت جوزي وهي بتجري.
صرخت
متصدقوش الحاج!
الضابط قال ليه؟
قالت وهي بتعيط
لأنه بيقول نص الحقيقة بس.
كلنا بصينالها.
قالت
أمي وجوز أخويا غلطوا… بس في شخص هو اللي خطط لكل حاجة من البداية، وإحنا كنا بننفذ أوامره.
الضابط سألها مين؟
لفّت ناحية الباب.
وفي نفس اللحظة دخل راجل أنيق ببدلة سوداء، ومعاه محامي.
أول ما شفته… افتكرت إنه نفس الشخص اللي كان حاضر كتب كتابي وساعتها قال إنه صديق العيلة.
ابتسم بهدوء وقال
أنا حضرت بنفسي… لأن واضح إن الكل قرر يرمي التهمة عليا.
الضابط سأله
حضرتك مين؟
طلع بطاقته على المكتب وقال
أنا شريك والد جوزها السابق في كل المشاريع اللي كانت باسمها… واللي هيتقال بعد كده هيكشف إن القصة كلها بدأت قبل الجوازة نفسها بسنة.
وساد صمت في الغرفة… لأن الجميع أدرك أن ما كان يبدو خلافًا عائليًا قد يكون جزءًا من مخطط أكبر بكثير ابتسم الراجل وهو حاطط بطاقته على المكتب.
الضابط مسك البطاقة، وبصله وقال
يعني حضرتك بتقول إن كل اللي حصل كان بتخطيط من قبل الجواز؟
هز راسه وقال
أيوه… لكن مش عشان اللحمة، ولا عشان المحل.
وسحب من شنطته ظرف أصفر قديم.
فتحه قدامنا.
طلع منه صورة.
كانت صورة ليا وأنا في كتب الكتاب.
لكن اللي شد انتباه الضابط إن اللي واقف ورا المأذون، وبيسلم جوزي ظرفًا أبيض، كان نفس الراجل.
قال الظرف ده كان فيه إيه؟
رد عقد اتفاق.
شهقت.

مقالات ذات صلة
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى