منوعات

مصطفي وعايدة

عايدة كانت بتبص في الأرض، وصوابعها بتلعب في طرف طرحتها. وبعدين رفعت وشها وقالت بصوت واطي بس ثابت: “موافقة يا أستاذ مصطفى.”

هو اتلخبط: “يا بنتي انتي سمعتي أنا قلت ايه؟ بقولك مش هتخلفي.”

مقالات ذات صلة

قالت: “سمعت. وأنا موافقة.”

اللي مصطفى ما يعرفوش، إن عايدة كانت بتحبه من وهي لسه في الإعدادية. كانت بتعدي من قدام محل الدهب بتاعه وهي راجعة من المدرسة، تشوفه واقف بهيبته وجلابيته النضيفة، بيضحك مع الزباين بأدب. لما اتجوز الأولى، هي قفلت على نفسها أوضتها يومين، ومرات أبوها ضربتها عشان “بتتدلع على إيه”. لما الحاجة نفيسة بعتت الستات تطلب إيديها، أبوها كان هيطير من الفرحة عشان هيخلص من بُقها، ومرات أبوها زغرطت عشان أخيرا هتخلص منها. وعايدة؟ عايدة ما فكرتش ثانية واحدة. موضوع الخلفة ده آخر حاجة جت في بالها. بالنسبة لواحدة عاشت عمرها كله بتتمنى باب يخرجها من البيت ده، مصطفى كان هو الباب والبيت والدنيا كلها. كان كفاية، وزيادة.
قالتله وهي بتحاول تداري رعشة صوتها: “العيال رزق من ربنا يا أستاذ مصطفى، بيجي وقت ما ربنا يريد. وأنا راضية برزقي.”

مصطفى قام وقف، وقال قبل ما يمشي: “كتب الكتاب الخميس الجاي، بعد صلاة العشا في جامع العزايزة. لو غيرتي رأيك لحد قبلها بدقيقة، ابعتيلي أي عيل صغير على المحل.”

عايدة هزت راسها، وهي ماسكة دموعها بالعافية.

يوم الخميس، جامع العزايزة كان مليان على آخره. تجار الدهب كلهم، وكبرات البلد، جايين يتفرجوا. الحاجة نفيسة كانت لابسة دهب يوزن كيلو، وقاعدة في الصف الأول للستات، بتبص لطليقة ابنها اللي قاعدة في آخر الجامع كأنها بتقولها “شوفتي؟”

المأذون قال: “على سنة الله ورسوله.”

مصطفى قال: “قبلت.”

وعايدة، بصوت مسموع المرة دي، قالت: “قبلت.”

وبكده، عايدة مرزوق بقت مرات مصطفى عز العرب، قدام البلد كلها.

 

 كانت فوق محل الدهب على طول.

عرسان متوضبة على سنجة عشرة، الحاجة نفيسة فرشاها كلها جديد، من النجف الكريستال للستاير القطيفة التقيلة. ريحة البخور كانت مالية الصالة، وطبلة الزفة لسه صوتها بيرن في ودانهم تحت في الشارع.

مصطفى فتح باب الشقة بمفتاحه، ودخل الأول، وبعده عايدة بفستانها الأبيض البسيط اللي الحاجة نفيسة هي اللي اختارتهولها. قفل الباب وراه بالمفتاح، ووقف في نص الصالة، مش عارف يعمل ايه.

عايدة كانت واقفة جنب الباب، ماسكة طرف فستانها، وبتبص في الأرض. وشها أحمر من الكسوف، ومن تعب اليوم كله.

مصطفى فضل واقف مكانه دقيقة كاملة ساكت، وبعدين اتكلم بصوت واطي ومبحوح: “مبروك يا عايدة.”

قالت وهي لسه باصة في الأرض: “الله يبارك فيك.”

سكت تاني. كان باين عليه التردد، كأنه شايل جبل فوق كتافه. قرب خطوة، وبعدين رجع تاني.

قالها: “ادخلي غيري هدومك، خدي راحتك. الحمام أول أوضة على اليمين.”

عايدة هزت راسها ودخلت أوضة النوم تشوف هتغير فين. أول ما الباب اتقفل وراها، مصطفى راح قعد على الكنبة في الصالة، وفتح التليفزيون على أي قناة وخلاص، وطى صوته على الآخر. قلع الجاكتة بتاعة البدلة ورماها جنبه، وقعد ماسك راسه بإيديه.

بعد تقريبا نص ساعة، باب الأوضة اتفتح. عايدة خرجت لابسة عباية بيتي زرقا بسيطة، وشعرها ملموم، ووشها مغسول من المكياج. كانت أجمل بكتير من وهي بالفستان والمكياج. جمالها كان هادي، مريح.

قعدت على طرف الكنبة اللي قصاده، وسكتت مستنياه يتكلم.
مصطفى بصّلها، وبعدين بص قدامه على التليفزيون تاني. خد نفس طويل وقال، والمرة دي بنبرة حادة، بيحاول يبقى ناشف عشان ما يضعفش: “بصي يا بنت الناس، الكلام اللي قلتهولك في بيت أبوكي، هعيده تاني هنا، عشان نبقى على نور من أول ليلة.”

عايدة بصتله بهدوء: “سامعاك.”

“أنا مش هقرب منك. انتي لسه صغيرة، وجميلة، ومن حقك تبقي أم وتشيلي عيل على إيدك. أنا مش هظلمك معايا وأربطك بواحد عارف إنه مش هيجيب عيال. اللي بيني وبينك قدام أهلي وأهلك، احنا متجوزين ومبسوطين. إنما هنا، بيني وبينك في الشقة دي، كل واحد فينا هينام في أوضة. الأوضة الكبيرة ليكي، أنا هنام في الأوضة الصغيرة اللي جنب المكتب.”

عايدة ما اتخضتش، ولا عيطت. فضلت باصة له بنفس الهدوء.

كمّل كلامه وهو بيحاول يخلي صوته جامد: “هنقعد كام شهر كده، قدام الناس متجوزين، وبعدها هطلقك بالمعروف، وتاخدي كل حقوقك وزيادة. وتشوفي نصيبك مع حد تاني، حد يقدر يديكي اللي أنا مش هقدر أديهولك. أنا مش عايز أشيل ذنبك قدام ربنا.”

خلص كلامه وسكت، مستني منها تنفجر فيه، أو تعيط، أو تقوله انت بتقول ايه.

عايدة هزت راسها بالموافقة، وابتسمت ابتسامة صغيرة هادية. ابتسامة فيها فهم، مش كسر.

قالت: “حاضر يا مصطفى. اللي تشوفه. أنا هعمل كل اللي انت عايزه.”

استغرب من هدوئها. مراته الأولى كانت لو قالها كلمة زي دي كانت قلبت الدنيا.

عايدة قامت وقفت، وقالت بنفس الرقة: “بس ممكن أطلب منك طلب صغير؟”

قال: “قولي.”

قالت: “خليني أجهزلك لقمة ناكلها سوا. دي أول ليلة لينا في بيتنا، حتى لو… حتى لو زي ما انت بتقول. ناكل لقمة مع بعض، وبعدها كل واحد يدخل أوضته. ينفع؟”

مصطفى بصّلها ومش لاقي رد. البساطة بتاعتها لخبطته.

قامت دخلت المطبخ، فتحت التلاجة اللي الحاجة نفيسة مالياها أكل يكفي شهر. في عشر دقايق كانت مسخنة حلة محشي كانت حماتها باعتاها، وقطعت طبق جبنة وطماطم، وعملت شاي.

حطت الصينية قدامه على الطبلية الصغيرة، وقالت: “اتفضل، كل، انت من الصبح ما أكلتش حاجة في الفرح من التوتر.”

قعدوا ياكلوا سوا في صمت، صوت معالقهم بس اللي مسموع مع صوت التليفزيون الواطي.

وهو بياكل، لأول مرة ياخد باله منها بجد. من رموشها الطويلة وهي باصة في طبقها، من إيديها الرفيعة وهي بتصبله الشاي، من هدوئها اللي مالي الشقة كلها سكي..نة.

افتكر مراته الأولى، منار. منار كانت صوتها عالي على طول، وطلباتها ما بتخلصش، وكل كلمة بينهم كانت خناقة. كانت بتغيظه وتستفزه لحد ما يفقد أعصابه.

ودي؟ دي نسمة. أرق وأهدى وأجمل مليون مرة.

حس بغصة في زوره، مش عارف دي ندم ولا وجع ولا ايه.

بعد ما خلصوا، لمّت الصينية في ثواني وغسلت المواعين. خرجت لقيته لسه قاعد مكانه.

قالتله وهي مبتسمة: “تصبح على خير يا مصطفى.”

قال: “وانتي من أهله.”

دخلت أوضة النوم الكبيرة وقفلت الباب وراها بهدوء. وهو دخل الأوضة الصغيرة، وقفل على نفسه، وفضل صاحي للصبح بيبص في السقف.

في نفس الليلة، في بيت تاني خالص في آخر البلد.

منار، طليقة مصطفى، كانت قاعدة على

في أوضة نومها في بيت أبوها، ماسكة تليفونها وبتقلب في صور فرح مصطفى وعايدة اللي الستات نزلوها على فيسبوك.

كانت

من الغيظ، وشها أحمر وعينيها بتطلع

تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى