قصص و روايات

جوزي مسك ايدي

لأن مروة لسه ما كانتش تعرف إن الوصية اللي اتوعدت بيها مش موجودة. ما تعرفش إن الشقق مرهونة. ما تعرفش إن الذهب اللي أحمد ادهوله كان بفلوس الشركة وهيترد. ما تعرفش إن يوسف موجود. وما تعرفش إن زينب شالت كل رسالة كانت بتقول فيها على عيال أحمد إنهم “عوايق”. لما المحامين بلّغوها بعد أسبوع، مروة عملت اللي بيعملوه الناس اللي متعودة تكسب لما تخسر: صوتت، وهددت، وعيطت، ورمت بلاها على . وما طلعتش بحاجة.

حسن فتح الظرف بعد بتلات أيام. فتحه في المطبخ، المطبخ اللي زينب صبت فيه آلاف كبايات الشاي وهي بتبلع الخيانة. مي كانت جنبه، ليلى لأ. زينب قررت إن الصغيرة هتعرف لما تكبر، وواحدة واحدة، من غير ما حد يستخدمها لتصفية حسابات الكبار.

مقالات ذات صلة

فضل حسن يقلب الورق ورقة ورا التانية… اعتراف مكتوب بخيانة أبوه، وإقرار رسمي بنسب يوسف، وصور مستندات وتحويلات ومستندات قانونية كانت كفاية تهد الصورة اللي عاشوا شايفين بيها أبوهم طول عمرهم.

لما وصل لآخر ورقة، سكت. حط الظرف على الترابيزة، وبص لأمه بعينين حمرا.

اتناشر سنة؟

زينب هزت راسها.

وفضلتي قاعدة؟

فضلت قاعدة معاكم.

مي كانت بتعيط:

ليه ما قلتيلناش؟

عشان كنتوا عيال.

إحنا مش عيال دلوقتي.

عشان كده عرفتوا دلوقتي.

حسن قفل إيده جامد:

أنا عايز أشوفه.

زينب عرفت يقصد مين:

يوسف.

أه.

مي مسحت وشها:

وأنا كمان.

المقابلة تمت بعد أسبوعين في الجيزة. زينب كانت سايقة العربية والعيال معاها في صمت. يوسف كان عايش مع جدته في حارة ضيقة. خرج ولابس تيشرت أزرق وبنطلون جينز قديم ونظرته كلها شك. كان شبه أحمد بالظبط. ده وجع، مش عشان الشبه، بس عشان عمره ما بيستأذن عشان يظهر.

حسن نزل الأول:

أهلاً، أنا أخوك.

يوسف بص له كأنه مستني تريقة سمجة:

أنا معنديش إخوات.

مي قربت وهي بتعيط:

لأ عندك.

الواد دار وشه لـ زينب:

أنتِ الست الطنط؟

زينب بلعت ريقها:

أه.

تيتا قالت لي إنك ممكن تكرهيني.

زينب قعدت قدامه:

أنا مش بكره العيال بذنب الكبار.

يوسف نزل عينه الأرض:

هو بابا ؟

أه.

هو سأل عليا؟

السؤال ده شق صدرها. زينب كان ممكن تكدب، كان ممكن تديه أب عمره ما كان موجود، بس هي خلاص قررت مش هتبني مقابر تانية بالكدب:

هو مضى عشان يعترف بيك قبل ما قالت ده مش كفاية، بس ده حقك.

يوسف جز على سنانه بيحاول ما يعيطش. حسن الجاكيت بتاعه وحطه على كتف الواد:

إحنا هنا عشان نبدأ من الأول لو عايز.

الواد ما جاوبش، بس ما الجاكيت.

بعد شهور، الحياة ما بقتش سهلة. عمرها ما بتبقى سهلة بعد كل الحقيقة دي. ليلى كانت بتسأل على باباها بالليل، مي كانت بتجيلها كوابيس، وحسن قعد أسابيع ما ينطقش اسم أحمد. يوسف بدأ يزورهم في أكتوبر كل سبت. في الأول كان بيقعد على طرف الكنبة ناشف، كأن البيت النضيف ده ممكن يطرده لو اتنفس. بعدين بدأ يلعب كوتشينة وبنك الحظ مع ليلى، ولحد ما ساب شنطة في أوضة الضيوف.

زينب كانت بتراقب كل ده من المطبخ. مرات كانت تعمل قهوة وتبص لمج أحمد المحطوط في أخر الدولاب. في يوم شالته، ما كسرتهوش، ولا رمته بغل. حطته في كرتونة مع كرافاتاته وساعاته وصوره والجوابات اللي كتبها لها زمان لما كانت لسه قادرة تصدقه. تبرعت بكل حاجة تقريباً. البيت اتغير، العفش الثقيل خرج، والنور دخل. وفي الجنينة زرعت ورد.

زودت ساعات شغلها في العيادة، وبقوا ييجوا لها ستات كتير بحكايات شبه حكايتها: رجالة بتكدب، عائلات بتسكت، وحياة عايشة ع المظاهر. زينب كانت بتسمعهم من غير ما تحكم. عمرها ما قالت لوحدة “امشي” علطول، ولا قالت لها “استحملي”. كانت بس بتقولهم:

اعملي خطة. الكرامة كمان محتاجة استراتيجية.

في يوم حد، بعد ما خرجوا، خدت الأربع عيال ياكلوا كباب وكفتة. ليلى كم فستانها اتملا طحينة، ويوسف ضحك، ومي ناولتها مناديل، وحسن طلب طلبات تانية كأن تأكيلهم هو الطريقة الوحيدة لتصليح حاجة مكسورة. زينب بصت لهم حوالين الترابيزة. ما كانوش عيلة مثالية، كانوا عيلة ناجية من الغرق. وهم خارجين، كانوا بيتمشوا في الشارع، وزينب اتأخرت خطوة. حسن قرب منها:

ماما.

إيه يا حبيبي؟

هو أنتِ سامحتيه؟

زينب بصت لولادها. الثلاثة اللي خلفتهم، والرابع اللي الكدبة سابته على بابهم. فكرت في أحمد، ووشه الأصفر، وخوفه، ومحاولته الأخيرة إنه يبان :

مش عارفة قالت بس أنا ما بقتش عايشة عشان أعاقبه.

حسن هز راسه:

وأنتِ؟

زينب خدت نفس:

أنا لسه ببدأ أعيش من غيره.

الليل ده، في البيت، فتحت شباك أوضتها. بقالها سنين مستنية تسمع صوت عربية أحمد وهي راجعة متأخر. دلوقتي مش سامعة غير الهوا وصوت الشارع البعيد. دخلت لوحدها. مش منسية، لوحدها. وده مش نفس الشيء.

قبل ما تنام، افتكرت همسها له: “أحمد، عقابك لسه بيبتدي.” وفهمت إن العقاب ما كانش إن مروة تخسر الفلوس، ولا الوصية، ولا ، ولا إن ولاده يعرفوا كدبه. عقاب أحمد كان إنه خسر ميزة إنه يتفتكر كـ بني آدم هو ما كانش هو في الحقيقة. وراحة زينب كانت إنها بطلت تخدم صنم قش.

الصبح، عملت قهوة. فنجان واحد بس. صبته براحة، وقعدت جنب الشباك تبص للنور وهو داخل. لأول مرة من اتناشر سنة، ما كوتش قميص لحد، ولا مثلت إن كل حاجة بخير، ولا استنيت صوت خطواته راجع آخر الليل، ولا ابتسمت عشان تداري وجعها. خدت أول رشفة. كانت مُرّة… وساخنة… لكنها كانت بتاعتها هي وبس. ولما تليفونها رن برسالة من مروة بالقضايا، زينب قرتها، وابتسمت ابتسامة خفيفة، ومسحتها. … وزينب لسه واقفة على رجليها

“هذه قصة درامية خيالية، جميع الأحداث والشخصيات من وحي خيال المؤلف ولا تمت للواقع بصلة”.

4 من 4التالي
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى