
“القوة لما راحت تقبض على خالك سليمان من فيلته… ملاقتهوش. لكن لقوا جواب مكتوب بخط إيده وموجه ليكي أنتِ بالذات يا فريدة… الجواب بيقول فيه إنه مش هيسيب ياسر ي لوحده، وإنه جاي يخلص الحكاية معاكي بنفس الطريقة اللي بدأت بيها من عشر سنين!”
خرجنا من النيابة وجسدي يتنافض كالسعفة في مهب الريح. خالي سليمان هارب… وهو الآن يطاردني أنا، لينهي الشاهدة الأخيرة التي هزت عرش أسرارهم .
-
تريند قاع الهامورمنذ يوم واحد
-
امجد يوسفمنذ يومين
-
اختي يوم فرحيمنذ يومين
الجزء العاشر (قبل الأخير)
ركبتُ السيارة مع أحمد وأنا أشعر أنني جسد بلا روح. الكلمات جفت في حلقي، وصورة خالي “سليمان” — ذلك الرجل الذي كنتُ أعتبره ملاذي الآمن وحكيم العائلة — تبدلت في مخيلتي إلى وجه يقطر وعطراً. كيف تجمعت كل هذه الوحشية حول حياتي؟ وكيف تحولتُ من زوجة مخدوعة إلى هدف متسلسلين؟
وصلنا إلى بيت العائلة، وكان المشهد أسفل البناية يبعث على الرعب؛ سيارتا شرطة وأربعة مخبرين انتشروا في المكان لتأميننا بناءً على أوامر وكيل النيابة. صعدنا إلى الشقة، وأغلق أحمد الباب الحديدي الخارجي بكل الأقفال الممكنة، ثم التفت إليّ وعيناه حمراوان من فرط القلق والغضب:
“فريدة… تليفونك وتليفوني وتليفون أمي هيقفلوا حالا. مش عايز أي وسيلة تواصل تشتتنا، والبوليس برة مأمن المكان. خالي سليمان نهايته قربت، ومش هيقدر يمس شعرة منك.”
أومأتُ برأسي واستسلمتُ ، لكن النوم كان أبعد ما يكون عن جفوني. مرت الساعات ثقيلة كأنها دهور. حلت ليلة مخيفة، وهبط هدوء غريب على المنطقة، هدوء لم يكن يقطعه سوى نباح الكلاب الضالة في الشوارع البعيدة.
حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، شعرتُ بالعطش يمزق حنجرتي. قمتُ بهدوء من فراشي حتى لا أوقظ أحمد النائم على المقعد في الصالة كحارس مرابط. تحركتُ نحو المطبخ بخطوات وئيدة، ولم أشعل الأنوار كي لا أثير الانتباه.
ملأتُ كوباً من الماء، وبينما كنتُ أرفعه إلى فمي، التفتُّ نحو نافذة المطبخ المطلة على الخلفي للعمارة. تجمدتُ في مكاني، الكوب من يدي ليتناثر زجاجاً على الأرض.
من خلال ضوء القمر الخافت، رأيتُ ظلاً يتحرك على مواسير الغاز الطبيعي الخارجية المتصلة بنافذة المطبخ! لم يكن ظلاً عادياً، كان شخصاً يتسلق بخفة ورشاقة لا تتناسب مع عمره. وقبل أن أتمكن من إطلاق صرخة واحدة لاستدعاء أحمد، امتدت يد قوية من نافذة المطبخ المواربة، وقبضت على فمي بقوة شلت حركتي تماماً!
تلاقت عيناي بعينيه في الظلام… كان هو. خالي سليمان!
كان يرتدي ملابس سوداء بالكامل، وعيناه تلمعان بجنون لا يقل عن جنون ياسر. دخل من النافذة بلمح البصر، ووضع حاداً على رقبتي، وهمس في أذني بصوت فحيح مرعب يحمل رائحة :
“ولا كلمة يا فريدة… لو طلعتي صوت، أخوكي اللي برة ده قبل ما يدخل المطبخ. البوليس اللي تحت مغفلين، فاكريني هنيجي من الباب؟”
الدموع انهمرت من عيني بغزارة وأنا أرتجف بين يديه. تراجع بي إلى زاوية المطبخ وهو ما زال يكتم أنفاسي، ثم أخرج من جيبه زجاجة صغيرة جداً… زجاجة عطر داكنة اللون.
قال بصوت هامس يقطر تشفياً وجنوناً:
“ياسر غبي… بوّظ كل اللي علمتهوله بغبائه وفضوله. رانيا وماجدة عاشوا في هدوء، ومحدش حس بحاجة. طقوس العطر دي مش مرض يا فريدة… دي الطريقة الوحيدة اللي بنثبت بيها ملكيتنا للستات اللي بنحبهم عشان يفضلوا لينا للأبد وميفكروش يهربوا. أنتِ اللي فتحتي أبواب جهنم علينا، وبسببك اسم عيلتنا هيتداس في التراب. الجواب اللي سبته للبوليس كان مجرد تمويه عشان يفتكروا إني هربت برة القاهرة… أنا كنت مستنيكي هنا!”
فتح غطاء الزجاجة بأسنانه، وتصاعدت منها فوراً رائحة نفاذة، ، ومألوفة جداً… كانت رائحة “الياسمين البري”! نفس الرائحة التي وجدوها مع زوجته الأولى ماجدة.
قرب الزجاجة من وجهي وتابع وعيناه تتسعان بجنون:
“ياسر كان بيجهزلك اللافندر… بس أنا قولت الياسمين يليق بيكي أكتر يا بنت أختي. هتشربي المهدئ ده، وتنامي في هدوء.. والبوليس الصبح هيلاقيكي معطرة، وأنا هكون بقيت في مكان أبعد مما يتخيلوا… يلا يا حبيبتي، اشربي عشان ترتاحي!”
بدأ يضغط على فكي ليجبرني على فتح فمي وسكب السائل ، بينما كانت قواي تخور كلياً أمام قوته المرعبة ونظرات في عينيه. تطلعتُ نحو باب المطبخ بيأس، وأنا أدعو في سري أن يستيقظ أحمد، أو أن يحدث أي شيء ينقذني من هذه النهاية البشعة التي باتت تفصلني عنها ثوانٍ معدودة…
الكاتب_رومانى_مكرم
كانت فوهة الزجاجة السامة تلامس شفتيّ، ورائحة الياسمين البري تملأ خياشيمي لتعلن عن اقتراب النهاية. أغلقتُ عينيّ واستسلمتُ تماماً، داعية الله أن يرحمني، بات قاب قوسين أو أدنى، .
لكن، في اللحظة التي بدأ فيها السائل السام يلامس طرف لساني، دوت في المطبخ صرخة غضب أركان الشقة:
“خاااالي سليماااان!”
انفتح باب المطبخ ، واندفع أحمد كالموجة العاتية. استيقظ على صوت كوب الماء الزجاجي قبل قليل، وتحرك بحذر حتى رأى الذي يحدث في المطبخ. لم يتردد أحمد ثانية واحدة؛ ألقى بنفسه بكامل ثقله على خالي سليمان، ليرتطم الاثنان بالأرض.
طارت زجاجة السُم من يد خالي على الأرض لتتحطمويسيل سائلها مخلفاً رائحة ياسمين خانقة. انزلق من يده أيضاً، لكنه برغم كبر سنه، كان يملك قوة مرعبة يغذيها الجنون والرغبة في النجاة. تحول المطبخ الصغير إلى ساحة بين خال وابن أخته.
تحررتُ من قبضته على الأرض وأنا أسعل بشدة، أحاول طرد . نظرتُ بفزع فرأيتُ خالي سليمان يطبق بيده على عنق أحمد، ويحاول الوصول إلى لمطبخ الملقى على الأرض عليه.
بكل ما تبقى لي من طاقة وحياة، زحفتُ على الأرض المليئة بالزجاج المكسور، وقبضتُ على يد خالي التي تمتد نحو ، وثبتها بكل قوتي وأنا أصرخ بأعلى صوتي نحو النافذة:
“الحقوناااا! البوليس اللي تحت! الحقوناااا!”
أصوات وصلت إلى أسفل البناية. في ثوانٍ معدودة، سُمعت أصوات كسر الباب الخارجي للشقة، واندفعت قوة الشرطة والمخبرين إلى داخل المطبخ. دأربعة من رجال الشرطة على خالي سليمان، وشلوا حركته تماماً بعد مقاومة منه، وتم تقييده بالحديد.
وقع خالي على الأرض وهو يلهث، ونظر إليّ بعينين جاحظتين مليئتين بالغل، وصاح وهو يُقاد إلى الخارج:
“بوظتي كل حاجة يا فريدة… بوظتي طقوس
أحمد الذي كان من وجهه وهو يبكي ويهدئ من روعي: “خلاص يا حبيبتي… خلاص انتهى.. ربي نجاكي منهم.”
النهاية بعد عام
مر عام كامل على تلك الليلة المشؤومة. عام تبدلت فيه حياتي تماماً.
أصدرت محكمة الجنايات حكمها التاريخي لـ “ياسر” ولخالي “سليمان”، بعد أن تم وإثبات القديمة بالبراهين والأدلة التي لا تقبل الشك. طُويت صفحة “سفاحي العطور” من صفحات ، لكنها لم تُطو من ذاكرتي ومشاعرى بسهولة.
احتجتُ لشهور طويلة من العلاج النفسي لأتمكن من دخول الحمام بمفردي، ولأتقبل فكرة وضع أي عطر على جسدي مجدداً. تخلصتُ من كل زجاجات العطور القديمة، وصنعتُ لنفسي هويّة جديدة، هويّة “فريدة” الإنسانة الحرة، وليست البديلة لامرأة .
الحكمة من القصة
إن الاهتمام الزائد والحب المبالغ فيه الذي يأتي بلا مقدمات، قد لا يكون دائماً دليلاً على الرومانسية، بل قد يكون قناعاً يخفي خلفه رغبة مريضة في السيطرة، أو محاولة لتشكيل الطرف الآخر ليكون مجرد “دمية” تلبي رغبات وأوهام مريضة.
الحب الحقيقي هو الذي يتقبلكِ كما أنتِ، بهويتكِ، واسمكِ، وتفاصيلكِ الخاصة، لا الذي يحاول صبّكِ في قالب امرأة أخرى أو يربط وجودكِ بطقوس معينة. فلا تنبهري بالظواهر الغالية والوعود البراقة، واعلمي أن الطمأنينة الحقيقية تكمن في الوضوح والصدق، وليس في الروائح الفاخرة التي قد تُخفي خلفها أحياناً… رائحة .








