عام

جوزي كل اسبوع يعطر

“فريدة… أنا رجعت يا حبيبتي، وجبتلك معايا زجاجة العطر الجديدة.”

تصلبتُ في مكاني، ونظرت إلى باب الغرفة الذي بدأ يفتح ببطء…

تسمرتُ في مكاني وكأن  كلها دفعة واحدة. نظراتي كانت معلقة بالباب الذي يفتح ببطء، وفي يدي وثيقة الزواج القديمة والمذكرات التي كشفت لي أنني لم أكن يوماً الزوجة، بل كنت والممثلة البديلة في مسرحية هزلية صاغها عقله المريض.

دخل ياسر الغرفة، والابتسامة المرسومة على وجهه تلاشت في جزء من الثانية بمجرد أن وقعت عيناه على الدرج المكسور والأوراق المبعثرة بين يدي. علب العطور، الصور، المذكرات… كل أسراره باتت عارية أمامي.

ساد الصمت لعدة ثوانٍ، صمت ق.ات.ل لم أكن أسمع فيه سوى دقات قلبي المتسارعة وأنفاسه الغاضبة التي بدأت تضيق. تبدلت ملامحه الهادئة التي عرفتها لسنوات إلى ملامح شخص غريب، شخص لم أره من قبل. انقبضت عيناه، وتحول صوته الودود إلى فحيح مرعب وهو يقول:

“أنتِ عملتي إيه؟ إزاي تجرؤي تفتحي الدرج ده؟”

لم أعد قادرة على الخوف، الغضب والإهانة التي شعرت بها فجرا داخلي شجاعة . وقفت ورفعت المذكرات في وجهه وصرخت وعيناي تفيضان بالدموع:

“أنا اللي إزاي تجرؤ؟ سأتزوجها وسأجعلها أنتِ؟! سأعيدكِ إلى الحياة بطريقتي؟! أنت مش بني آدم… أنت كنت بتخدعني كل السنين دي! العطر، اللافندر، الاهتمام، حتى التفاصيل اللي كنت فاكراها حب… كل ده كان ليها هي؟ كنت بتشم ريحتها فيا؟ كنت شايفها هي وأنا واقفة قدامك؟”

تقدم نحوي خطوة، وحاول أن ينتزع المذكرات من يدي، لكنني تراجعت إلى الخلف وأنا أرتجف. صوته انخفض فجأة وأخذ نبرة حادة وباردة جمدت :

“هاتي الحاجة دي يا فريدة… وماتدخليش في اللي مالكيش فيه. أنتِ عيشتي ملكة، كل اللي تمنيتيه كان بيجيلك، إيه اللي يفرق معاكي كنت بشوف مين ولا بفكر في مين؟ المهم إنك معايا!”

“المهم إني معاك؟!” صرخت بجنون والدموع وجنتيّ: “أنا مش دمية! أنا بني آدمة، ليا كيان ومشاعر! كنت من القلق لو نسيت العطر مش خوف عليا، كنت بتخاف لتفوق من الوهم اللي عايش فيه وتكتشف إنها وإن اللي قدامك دي فريدة مش هي! أنت … حسستني إني ولا حاجة، مجرد  تانية بتعطرها عشان ترضي مرضك النفسي!”

ملامحه تغيرت تماماً، تلاشت نظرة الندم أو المحاولة في التبرير، وحل محلها جمود مخيف. نظر إلى الأوراق ثم نظر إليّ وقال برود غريب:

“أنتِ مش فاهمة حاجة… ولا عمرك هتفهمي يعني إيه حب حقيقي. رانيا وأخدت روحي معاها، ولما شفتك، ربنا هو اللي بعتك ليا عشان أقدر أعيش. العطر ده كان بيحييني، كان بيخليني قادر أتنفس وأكمل حياتي. أنتِ اللي بوظتي كل حاجة بغبائك وفضولك.”

تحرك بسرعة مباغتة، وقبل أن أتمكن من الهروب، قبض على معصمي بقوة آلمتني بشدة، وانتزع المذكرات وجواز السفر القديم من يدي. حاولت أن أتحرر منه وأنا أصرخ:

“سيبني! سيبني وأبعد عني… أنا مش هقعد في البيت ده ثانية واحدة! أنا هطلق منك قدام الناس كلها!”

بمجرد أن نطقت بكلمة “الطلاق” و”الفضوح”، رأيت في عينيه نظرة رعب حقيقي تحولت فوراً إلى شراسة. ضغط على يدي أكثر وقال وهو يقترب من وجهي وعيناه تتطاير منهما الشرار:

“تطلقي؟ ؟ أنتِ فاكرة الخروج من هنا بالسهولة دي؟ أنتِ مش هتمشي يا فريدة… ومش هتهدي كل اللي بنيته في سنين بمجرد نزوة وفضول. أنتِ ملكي، وهتفضلي هنا، وهتفضلي تحطي العطر ده ورجلك فوق رقبتك!”

دفعني بقوة لدرجة أنني ترنحت على الأرض، جبهتي بحافة المكتب الخشبية. شعرت بألم حاد وسال خط دافئ من . نظرت إليه بفزع وأنا أضع يدي على جرحي، بينما كان هو يجمع الأوراق بسرعة من الأرض، ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه بالمفتاح!

سمعت صوت قفل الباب الخارجي للشقة أيضاً وهو يُغلق من الخارج. لقد حبسني! سجنني في بيتي بعد أن سرق مني هويتي وسنوات عمري.

زحفتُ نحو الباب وأنا أبكي ، الخشب بيدي الضعيفة ، لكن دون جدوى. الشقة كانت معزولة، والوقت كان يمر ببطء ق.ات.ل. تركت الباب وجلست في ركن الغرفة، أنظر إلى  وإلى زجاجة العطر المكسورة التي أثناء الشجار وسال سائلها على الأرض، لتملأ الغرفة بنفس الرائحة التي باتت الآن تمثل لي أكبر  في حياتي.

مرت الساعات، وتحول النهار إلى ليل، وأنا في مكاني لا أعرف ماذا أفعل. هاتفي كان في الصالة بالخارج، ولا توجد أي وسيلة تواصل مع العالم الخارجي. كنت أعلم أن ياسر لن يتركني أرحل بسهولة، فالسر الذي كشفته يهدد حياته واستقراره النفسي المزيف.

حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، سمعت صوت قفل الباب الخارجي يُفتح بهدوء. دقات قلبي توقفت تقريباً. سمعت خطواته تقترب من غرفة المكتب. انفتح الباب ببطء، وكان ياسر يقف وعلي وجهه هدوء غريب ومخيف، وفي يده حقيبة صغيرة، وفي اليد الأخرى… زجاجة عطر جديدة تماماً.

نظر إلى الجرح في جبهتي دون أي تعاطف، ثم تقدم نحوي وجلس على ركبتيه ليكون في نفس مستوى نظري، وقال بصوت هامس يقطر تهديداً:

“جه وقت الحمام بتاع كل أسبوع يا فريدة… يلا عشان تحطي العطر، ومفيش داعي للمشاكل، عشان مصلحتك ومصلحة أهلك اللي نايمين في بيوتهم مش دريانين بحاجة…”

الأجزاء من الثانية، تحول المطبخ الصغير إلى ساحة معركة حقيقية من أجل البقاء. اندفع ياسر نحو القيء والغضب الأعمى يملأ عينيه، ويمده بقوة مرعبة. امتدت يده القوية ، .

شعرتُ بالاختناق، والرؤية بدأت تشوش أمام عيني. غريزة البقاء كانت أقوى من خوفي. رفعتُ يدي المخفية وراء ظهري، والتي كانت تقبض على المطبخ بكل ما تبقى لي من عزم، ودفعتها للأمام دفاعاً عن حياتي.

لم أقصد ، كنت أدافع عن أنفاسي فقط. نصل  ذراعه الممتدة . ياسر دوت في أركان الشقة، وتراجع إلى الخلف فجأة وهو يمسك بذراعه التي بدأت ، .

على ركبتي وأنا أسعل بشدة، أحاول التقاط أنفاسي والهواء . نظرتُ إليه بفزع؛ كان ينظر إلى جرحه، ثم رفع عينيه إليّ، ولم أقرأ فيهما سوى الرغبة في التام. تلاشت نبرة الهدوء المريضة تماماً، وصاح بصوت يشبه زئير وحش جريح:

“أنتِ يا فريدة؟ الست اللي عيشتها في خير سنيين بتمد إيدها عليا؟”

تحرك نحوي بخطوات ثقيلة ومخيفة بالرغم من نزيفه. حاولتُ الوقوف والهروب، لكنه عليّ ودفعني بقوة نحو الأرض. مجدداً، وطارت من يدي لتستقر أسفل رخامة المطبخ، بعيداً عن متناول يدي.

ثبّتني بكل ثقله على الأرض، وضغط بركبته فوق صدري ليمنعني من الحركة، بينما كانت يده السليمة تمتد نحو جيبي لتخرج زجاجة المهدئ والمسحوق الأبيض الذي كان يجهزه لي. أخذ نفساً عميقاً وهو يلهث، وقال والشر يتطاير من عينيه:

“كنت عايز الموضوع يمر بهدوء وتنامي من غير ما تحسي بحاجة… لكن أنتِ اللي اخترتي الطريقة الصعبة. من هنا ورايح، مفيش فريدة… مفيش كلام، ومفيش خروج. أنتِ هتفضلي هنا مجرد ريحة وصورة!”

بدأ يحاول فتح فمي بالقوة ليدفع بجرعة مكثفة من ذلك المسحوق المخ.در. كنتُ أقاوم بكل ما أوتيت من قوة، أهز رأسي يميناً ويساراً وأصرخ بأعلى صوتي: “الحقوني!.. يا ناس الحقوني!”، لكن صوتي كان يضيع داخل جدران الشقة المعزولة.

وفي قمة يأسي، وأنا أشعر بأن قواي تخور تماماً وأنني على وشك الاستسلام للظلام الذي يفرضه عليّ، دوت في الشقة فجأة أصوات طرقات ومستمرة على الباب الخارجي!

تصلب ياسر في مكانه. تلاقت أعيننا؛ نظرة الرعب عادت لتشل حركته، بينما عادت الروح إلى جسدي. لم تكن طرقات عادية، بل كان هناك من يحاول كسر الباب ، وصوت صياح بالخارج.

استغللتُ لحظة ذهوله، وبكل ما أملك من قوة دفعته بقدمي في بطنه، ليتراجع إلى الخلف بطاولة المطبخ. قمتُ أركض نحو الصالة وأنا أصرخ بأعلى صوتي:

“إلحقوني! أنا جوه! ”

تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى