عام

كنت لسه مفوقتش من بنج الولادة

— “عمي.. أنا دينا..” (صوتي طلع مخنوق بالدموع والوجع).
— “دينا! يا بنتي مال صوتك؟ أنتِ ولدتي؟ محمود فين؟”
— “عمي.. أنا اتهنت.. اتسرقت وأنا نايمة بين الحيا والمىوت في بنج الولادة.. حماتي وجوزي سرقوا شقى أبويا الله يرحمه.. الحقني يا عمي أنا بتموت في المستشفى.”
​الدنيا اتقلبت في ثانية على الناحية التانية من الخط. سمعت صوت كرسي بيتحرك بعنىف، وصوت عمي وهو بيتكلم بنبرة تزلىزل الأرض:
— “أنا مسافة السكة وجايلك.. دقيقة واحدة ومش هسيبك، اقفلي واهدي خالص، حقك وحق أبوكِ هيرجع تالت ومتلت، والكلاب دول هعرفهم مقامهم.”
​ليلة الحساب الطويلة

​رجعت الموبايل للممرضة وأنا كلي بترعش. الممرضة كانت واقفة وباصة لي بشفقة وذهول، وقالت لي: “متخافيش يا مدام دينا، أنا هروح بنفسي أجيب لك بنتك من الحضّانة تخليها في حضنك، ربنا ينصرك”.
​فعلاً، دقايق وجابت لي بنتي.. حتة لحمة حمراء، أول ما شميت ريحتها وضميتها لصدري، حسيت إن جبل الوجع اللي في بطني اتهد. دموعي نزلت على وشها، وحلفت في سري إني مش هسمح للدكات ل دول يربوا بنتي ولا يكسروا نفسي ونفسها زي ما عملوا معايا.

​عدت الساعات تقيلة ومملة.. لحد ما الساعة بقت 8 الصبح.
​الباب اتفتح ودخل محمود، كان لابس وش الهدوء والبرود وكأن ما فيش حاجة حصلت، وفي إيده كيس فيه علبة عصير وعلبة جبنة قريش. بص لي وقال بابتسامة صفرا:
— “صباح الخير يا دينا.. حمد الله على السلامة يا حبيبتي، شفتي الواد زي القمر إزاي؟ أهو نمىتِ وصحيتي وبقيتي زي الفل، وأمي زمانها بتعمل لك الفراخ البلدي وهتجيلك كمان شوية.”
​بصيت له ببرود تام وما ردتش.. قعد على الكرسي وطلع موبايلي من جيبه ورماه على السىرير:
— “أهو موبايلك أهوه، أنا بس رديت على النجدة وفهمتهم إن الموضوع سوء تفاهم، عيب يا دينا تفضحينا وتدخلي البوليس بيننا، إحنا أهل برضه!”

​في اللحظة دي، الباب اتفتح بعنف.. ودخل عمي عادل بيك، ووراه اتنين رجالة من مكتبه، ببدلهم الرسمية وهيبتهم اللي تملا الأوضة. محمود وقف مخضوض ووشه جاب مية لون:
— “عادل بيه! أهلاً وسهلاً يا فندم.. خطوة عزيزة.. بس حضرتك جيت من غير ما تقولي كنت جيت أخدتك من المحطة!”
​عمي ما بصش لمحمود أصلاً، جه عليا وطبع بوىسة على جبهتي وبص للبنت ودعا لها، وبعدين لف لمحمود وبص له نظرة خلت ركب محمود تخبط في بعضها.
​المواجهة الكبرى.. القانون لا يحمي المغفلين
​عمي قعد على الكرسي وحط رجل على رجل بكل ثقة، وشاور لواحد من الرجالة اللي معاه وقال: “اكتب يا متر.. وسجل المحضر عندك”.

محمود بلع ريقه بتوتر وقال:
— “محضر إيه يا عادل بيه؟ دي حاجات عائلية وبتحصل في كل البيوت، أمي بس أخدت قرشين تمن مصاريف النفاس والأكل والـ…”
​عمي قىاطعه بصوت زي الرعد:
​”أخرس خالص.. صوتك ده ما اسمعوش! أنت وأمك عملتوا جناية عقىوبتها السجىن المشدد.. استغلال غياب وعي مريضة تحت تأثير البنج، والسرقة بالإكراه، واستخدام بصمة الأصبع لتزوير عملية نقل بنكي إلكتروني.. دي اسمها جىرائم تكنولوجيا معلومات وسىرقة جىنائية، والنيابة مش هترحمكم.”

​محمود بدأ يعرق وبقى يتأتأ:
— “سرقة إيه يا فندم؟ دي فلوس مراتي.. يعني فلوسنا كلنا.. وأمي شالت الفلوس عشان الولد!”
​عمي طلع ورقة من جيبه ورماها في وش محمود:
— “دي صورة رسمية من البنك الأهلي بحركة الحساب اللي تمت الساعة 2 بالليل.. المبلغ كام؟ نص مليون جنيه.. اتم تحويلهم بالكامل لحساب المدعوة (سعاد عبد الجليل) اللي هي أمك.. وبناءً على البلاغ اللي قدمناه الصبح، الحسابات كلها اتجمدت، والتحويل واقف تحت التحفظ، ودلوقتي القوة

الأمنية بتتحرك على بيت أمك عشان يقىبضوا عليها بتهىمة السىرقة الإلكترونية والابتزىاز.”
​في ثانية، محمود وقع على ركبه قدام السىىرير، وبقى يبكي زي الأطفال:
— “بوس إيدك يا عادل بيه.. بلاش أمي.. أمي ست كبيرة ومش هتحمل الحبىس.. دينا.. قولي لحاج حاجة.. أنا جوزك حبيبك.. هترضيلي الفضيحة؟”
​بصيت له بكل قرف وغل وقلت له:
— “جوزي اللي سابني بدمي ووافق أمه تسىرقني؟ جوزي اللي أخد موبايلي عشان ما استغيثش بحد؟ أنت مش راجل يا محمود.. أنت مجرد ديل لأمك، والقرشين اللي كنتوا فاكرين هتذلوني بيهم عشان أهلي مىيتين، نسيتوا إن عندي عم يهد بلد عشان خاطري.”
​سقىوط الأقنعة

​وفجأة، تليفون محمود رن.. كانت أمه. محمود فتح السبيكر وهو إيده بترتعش، وجالنا صوت حماتي وهي بتصرخ وتولول وتلطم على وشها:
— “الحقني يا محمود يا ابني!! البوليس واقف تحت البيت ومعاهم بوكس.. وبيقولوا في أمر ضبط وإحضار ليا بتهمة السرقة! الفلوس مش راضية تتسحب من المكنة والبنك قفل حسابي! الحقني يا ابني بيتي هيتخىرب! ”
​عمي عادل سحب الموبايل من إيد محمود ورد ببرود:
— “اسمعي يا ست أنتِ.. أنا المستشار عادل رأفت، عم دينا.. الفلوس اللي فرحتي بيها ودخلت جيبك دي، هتكون سبب سجنك أنتِ وبنتك اللي بصمت دينا.. قدامك خيارين مالهمش تالت:

​أولاً: تيجي هنا المستشفى راكعة وتعتذري لـ دينا، وتوقعي على تنازل رسمي وإقرار برد الفلوس فوري.
​ثانياً: تتفضلي مع الرجالة في البوكس على قسم الشرطة، ومنها لـ 3 سنين سجن مشدد بتهىمة الجناية الإلكترونية.”
​الست أول ما سمعت كلمة “سجن وبوكس”، صوتها اختفى من الرعب وقالت: “أنا جاية.. جاية حالاً يا بيه.. والنبى بلاش حبس.. أنا أسفة يا بنتي.. أنا جاية حالاً” وقَفلت السكة وهي بتعيط.
​البداية الجديدة.. استخدام الكارت الأخير
​بعد ساعة واحدة، كانت الأوضة زحمة.. حماتي دخلت ووشها أصفر زي الليمونة، وبنتها معاها بترتعش من الخوف. حماتي جت عند رجلي وبقت تعيط وتقول: “سامحيني يا بنتي.. الشيطان شاطر.. إحنا أهل ومفيش بيننا الكلام ده.. الفلوس اهي والله ما لمسناها”..

​أنا مكنتش حاسة بأي شفقة ناحيتهم.. الناس دي لو كنت ضعيفة كانوا داسوا عليا وجوعوني أنا وبنتي.
​عمي عادل خلى حماتي وبنتها ومحمود يوقعوا على:
​إقرار برد المبلغ بالكامل وتفويض البنك بإلغاء المعاملة.
​وصل أمانة بمبلغ كبير كضمان لعدم التعرض ليا أو لبنتي.
​تنازل محمود عن حضانة البنت تماماً في حال الطىلاق.
​بعد ما وقعوا وهم بيموتوا من الرعب والفضيحة قدام دكاترة وممرضات المستشفى، بصيت لمحمود وقلت له بكلمات واضحة وقاطعة زي السيف:
— “محمود.. أنت ورقتك هتوصلك لبيت عمي.. أنا مش هعيش مع أشباه رجال.. وبنتي هتربى في وسط ناس تعرف الأصول والدين، مش ناس بتسىرق المريض وهو بين الحيا والموت.”
​محمود حاول يتكلم، بس عمي شاور للرجالة فطردوهم بره الأوضة زي الكلاب الجربانة.
​اتنفست لأول مرة بحرية.. الوجع اللي في بطني خف، وبنتي نامت في حضني وهي مطمنة. صحيح الكارت اللي استخدمته كان صعب وهد بيتي، بس أوقات الهدد بيبقى هو البداية الصح عشان تبني حياتك على نظافة وبكرامة ومحدش يقدر يكسرك تاني.

2 من 2التالي
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى