
اسمي إدريس عبد الرحيم.
قبل ولادة ابنتي، كنتُ رجلًا مختلفًا تمامًا.
-
اختي يوم فرحيمنذ ساعة واحدة
-
حلقوا شعريمنذ ساعتين
-
الممرضه حكايات صافي هانيمنذ ساعتين
-
بنتي كل ما تروح عند اهل ابوهامنذ ساعتين
أضحك بصوت مرتفع، وأعود إلى البيت حاملًا الذرة المشوية لمريم بعد منتصف الليل، ثم أجلس معها قرب النيل في الخرطوم نشرب الشاي ونراقب المراكب الصغيرة وهي تعبر الماء ببطء.
كنتُ أتحدث إلى بطنها كل ليلة كأن الصغيرة تسمعني بالفعل.
«تعالي سريعًا يا صغيرتي… أنا وأمكِ ننتظرك.»
فتضحك مريم وتقول:
«ستفسد هذه البنت قبل أن تولد.»
كانت زوجتي من أم درمان.
هادئة… حنونة… وكانت رائحة القهوة السودانية تملأ ثوبها دائمًا.
لكن مريم لم تغادر المستشفى أبدًا.
ما زلتُ أذكر الممر الأبيض الطويل، ورائحة المطهّرات، والطبيب الذي كان يتحدث بصوت منخفض وهو يتجنب النظر إلى عيني.
مضاعفات.
نز.يف حاد.
لقد فعلنا ما بوسعنا.
أكاذيب.
لا أحد يفعل كل ما بوسعه ثم يسلّمك طفلة ملفوفة ببطانية وردية ويخبرك أن المرأة التي أحببتها توقفت عن التنفس.
وضعوا الصغيرة بين ذراعيّ.
كانت صغيرة جدًا… دافئة جدًا… وحية.
أما كل ما كنتُ أفكر فيه فهو:
هي بقيت…
أما مريم فرحلت.
ومنذ ذلك اليوم، صار بكاؤها يمزّق رأسي.
كل زجاجة حليب…
كل ليلة بلا نوم…
كل فجر ثقيل كان يذكّرني بالحقيقة نفسها:
زوجتي تحت التراب…
وابنتها تتنفس مكانها.
جاءت أمي لتساعدني.
وكانت والدة مريم تجلس أحيانًا قرب الصغيرة ترتب أغراضها بصمت، أو تغيّر الأغطية بينما أكون غارقًا في الشرود.
أما الجيران فكانوا يهمسون:
«المسكينة تحتاج إلى أبيها.»
كنتُ أومئ فقط.
لم أحملها كثيرًا.
لم أغنِّ لها.
ولم أنادها باسمها قط.
كانت مريم قد اختارت لها اسم مزنة قبل ولادتها بأسابيع، بعدما أخبرها الأطباء أن الحمل قد يكون خطرًا عليها… أما أنا، فلم أستطع نطق الاسم يومًا.
كنتُ أهرب منه تمامًا…
وأسميها فقط:
الطفلة.
كأن منحها اسمًا سيجعلها أكثر حقيقة… وأنا لم أكن أحتمل ذلك.
وفي تلك الليلة، بدأ البكاء عند الساعة الثالثة واثنتي عشرة دقيقة فجرًا.
أعرف الوقت جيدًا، لأن هذا كان الوقت نفسه الذي خرجت فيه الممرضة وهي تحمل مزنة لأول مرة بعد الولادة.
في البداية كان نشيجًا خافتًا.
ثم صرخة.
ثم ذلك البكاء الحاد الذي بدا كأنه يخدش عظامي من الداخل.
وضعتُ الوسادة فوق رأسي وهمست:
«أصمتي…»
لكنها لم تصمت.
ضربتُ الفراش بيدي، ثم نهضتُ غاضبًا، حافي القدمين، وحلقي ممتلئ بالغضب.
كان الممر مظلمًا.
وفي غرفة الجلوس ظلت صورة مريم بفستانها الأصفر معلقة قرب المكان الذي كانت تجلس فيه دائمًا.
لم أستطع النظر إليها.
دفعتُ الباب بعنف.
كانت الصغيرة تبكي ووجهها شديد الاحمرار، بينما تتحرك قبضتها الصغيرة في الهواء.
صرختُ فيها:
«ماذا تريدين مني أيضًا؟!»
ثم رفعت يدها الصغيرة نحوي…
وعندها شعرتُ بصدري ينقبض فجأة.
كان هناك خيط أحمر صغير حول معصمها، تتدلى منه خرزة فضية صغيرة.
عرفته فورًا.
كانت مريم قد اشترته في شهرها السابع، بعدما بدأت تخاف من الولادة بشكل لم تعترف به صراحة، وأخفته داخل صندوق أبيض صغير، ثم قالت لي يومها:
«سأضعه حول معصم ابنتنا بنفسي بعد ولادتها… لا تدع أحدًا يلمسه.»
لكن مريم مـ,ــاتت قبل أن تفعل.
ظللتُ أحدّق في الخيط وأنا أحاول التذكر.
ثم فجأة…
عادت إليّ صورة مشوشة قبل الولادة بأيام.
كانت مريم تجلس على الأرض قرب الصغيرة، ترتّب الحفاضات والزجاجات والملابس الصغيرة بنفسها، بينما تبتسم وتقول:
«كل شيء يجب أن يبقى قريبًا من ابنتنا.»
اقتربتُ ببطء، وأنا أشعر بأن رأسي يدور.
ولأول مرة منذ أسابيع، نظرتُ إلى ابنتي جيدًا.
كانت تحدّق بي بعينيها الواسعتين في صمت أربكني.
مددتُ يدي المرتجفة نحوها محاولًا تهدئتها…
وعندها سمعتُ صوت اهتزاز خافت.
ظل البيت ممتلئًا بالحزن…
لكن شيئًا صغيرًا داخلي تغيّر تلك الليلة.
لم يعد بكاء مزنة يبدو كعقاب.
صار يشبه نداءً خائفًا من روح صغيرة لا تفهم لماذا تأخر دفء أبيها عنها كل هذا الوقت.
جلستُ قرب النافذة وهي نائمة فوق صدري، بينما أذان الفجر يتسلل بهدوء عبر شوارع أم درمان.
كانت أنفاسها الدافئة تضرب عنقي بخفة، وكأنها تؤكد لي أنها هنا… وأنها حيّة… وأنها لا ذنب لها في شيء.
مددتُ يدي نحو الهاتف مرة أخرى.
بقيتُ أحدّق طويلًا في الملف الثاني الذي تحدثت عنه مريم.
فيديو.
ترددتُ.
ثم ضغطتُ تشغيل.
ظهرت مريم على الشاشة بوجه شاحب قليلًا، تجلس وسط ملابس الأطفال الصغيرة التي كانت ترتبها قبل الولادة بأيام.
كانت تبتسم… تلك الابتسامة الهادئة نفسها التي كانت تجعل البيت يبدو أخف مهما ثقل العالم خارجه.
رفعت الكاميرا قليلًا نحو بطـ,ـنها المنتفخ وقالت ضاحكة:
«إذا كنتَ تشاهد هذا الآن، فأغلب الظن أنك أهملت حلاقتك مجددًا يا إدريس.»
خرج مني نفس مرتجف يشبه الضحكة.
ثم تابعت:
«وأغلب الظن أيضًا أنك تحاول التظاهر بأنك قوي… بينما أنت في الحقيقة خائف أكثر من مزنة نفسها.»
نظرتُ إلى الصغيرة النائمة فوقي، وشعرتُ بقلبي ينقبض.
قالت مريم بهدوء:
«اسمعني جيدًا… ابنتنا ليست السبب في رحيلي. لا تسمح للحزن أن يكذب عليك ويقنعك بذلك.»
أطرقتُ رأسي فورًا، كأنها كانت تراني بالفعل.
«إذا غضبت يومًا… إذا شعرت بالتعب أو الاخـ,ـتناق… تذكّر فقط أن هذه الصغيرة ستكبر وهي تبحث في عينيك عن معنى نفسها. فلا تجعلها تشعر أنها جاءت إلى الدنيا غير مرغوب بها.»
بدأ بصري يتشوّش بالدموع.
أما مريم، فابتسمت بحنان وأخرجت ذلك الخيط الأحمر الصغير أمام الكاميرا.
«وأعرف أنك ستنسى مكان هذا السوار، لذلك خبأته داخل الجيب القماشي القريب منها. أمي تعرف ذلك… وستضعه لها عندما يحين الوقت.»
ثم اقتربت من الكاميرا قليلًا وهمست:
«وعدني بشيء واحد يا إدريس… عندما تنطق اسمها لأول مرة، قلْه بحب.»
توقف الفيديو فجأة.
وبقيتُ أنظر إلى الشاشة السوداء طويلًا دون حركة.
ثم أنزلت الهاتف ببطء… ونظرتُ إلى الصغيرة النائمة فوق صدري.
كانت قبضتها الصغيرة ما تزال متعلقة بطرف قميصي.
كأنها تخشى أن أختفي.
مسحتُ دموعي بطرف يدي، ثم قبّلت رأسها للمرة الأولى.
وهمست قرب أذنها:
«أحبك يا مزنة… سامحيني لأنني تأخرت.»
تحركت قليلًا أثناء نومها… ثم هدأت أكثر بين ذراعيّ.
وفي تلك اللحظة، أدركتُ شيئًا أخيرًا:
أن الحزن لن يختفي.
وأنني ربما سأشتاق إلى مريم بالطريقة نفسها ما حييت.
لكن مزنة…
لم تأخذ أمها مني.
بل كانت آخر هدية تركتها لي.
وفي طريق العودة، كانت مزنة نائمة فوق صدري كعادتها، بينما تهتز السيارة القديمة ببطء فوق شوارع أم درمان المزدحمة.
أمسكتُ يدها الصغيرة بإصبعي… فقبضت عليه أثناء نومها.
ابتسمتُ دون وعي.
شيء كهذا كان يكفي الآن ليُهدّئ يومًا كاملًا من التعب.
وعندما وصلنا إلى البيت، كانت الشمس تميل نحو الغروب، والهواء يحمل رائحة التراب الدافئ بعد رش الماء أمام البيوت.
فتحتُ الباب بكتفي بينما أحمل مزنة، فاستقبلتنا أمي بنظرة قلقة.
«تأخرتما.»
رفعتُ الكيس الصغير الذي اشتريتُه من السوق.
«ازدحم الطريق.»
ثم أضفتُ وأنا أخلع حذائي:
«واشترينا أشياء مهمة.»
اقتربت أمي من مزنة بسرعة كأنها تخشى أن تكون قد بكت طوال الطريق، لكنها وجدتها نائمة بسلام.
فابتسمت وهي تهمس:
«سبحان الله… هذه البنت لا تنام هكذا إلا فوقك.»
توقفتُ عند الجملة.
لأنها كانت حقيقية.
مزنة أصبحت تميّز صوت خطواتي.
وتهدأ عندما أحملها.
وأحيانًا تلتفت نحوي قبل أي أحد آخر في البيت.
وكأن قلبها الصغير سامحني قبل أن أسامح نفسي.
في تلك الليلة، وبعد أن نام الجميع، جلستُ وحدي قرب النافذة.
كانت المدينة هادئة على غير عادتها، والقمر ينعكس باهتًا فوق النيل البعيد.
أخرجتُ هاتف مريم مرة أخرى.
لم أعد أخشاه كما كنت.
صرتُ أفتحه أحيانًا فقط لأسمع صوتها… أو لأشاهد مقطعًا قصيرًا لها وهي تضحك بسبب شيء تافه لم أعد أتذكره.
وفي أسفل المعرض، وجدتُ فيديو لم أره من قبل.
تاريخ التسجيل كان قبل الولادة بيومين فقط.
ضغطتُ تشغيل.
ظهرت مريم جالسة على الأرض، تتنفس بصعوبة خفيفة من ثقل الحمل، بينما توجه الكاميرا نحو نفسها.
قالت بابتسامة متعبة:
«إذا وصل هذا الفيديو إليك، فهذا يعني أنني كنت محقة… أنت تنبش الهاتف عندما تشتاق إليّ.»
ضحكتُ رغمًا عني.
ثم رفعت مريم شيئًا صغيرًا أمام الكاميرا.
دفترًا بنيًا قديمًا.
وقالت:
«هذا لمزنة… لكن لا تعطها إياه إلا عندما تكبر بما يكفي لتفهم.»
شعرتُ بانتباهي يشتد.
تابعت:
«كتبتُ فيه كل شيء… أول مرة عرفتُ فيها أنني حامل… أول مرة شعرتُ فيها بحركتها… وكل الرسائل التي أردتُ أن أقولها لها إذا لم أستطع البقاء.»
ثم صمتت لحظة، قبل أن تضيف بصوت أكثر هدوءًا:
«لكن هناك رسالة لك أيضًا يا إدريس.»
اقترب وجهها قليلًا من الكاميرا.
«إذا جاء يوم وشعرتَ أنك فشلت كأب… تذكّر فقط أنك الرجل نفسه الذي كان يضع يده على بطني كل ليلة ويتحدث إلى ابنته قبل أن تولد.»
بدأت عيناي تمتلئان بالدموع مجددًا.
أما مريم فابتسمت بحنانها المعتاد:
«ذلك الرجل ما يزال موجودًا… فقط لا تدفن نفسك معه.»
انتهى الفيديو.
وبقيتُ جالسًا طويلًا أحدّق في الشاشة السوداء.
ثم سمعتُ صوتًا صغيرًا يأتي من الداخل.
أنين مزنة الخافت.
نهضتُ فورًا دون تفكير.
وعندما حملتها، فتحت عينيها نصف فتحة، ثم استقرت بهدوء فوق كتفي كأنها كانت تبحث عن هذا المكان تحديدًا.
ربّتُّ على ظهرها برفق، وهمست:
«أنا هنا يا مزنة.»
وخارج النافذة، كانت أضواء أم درمان البعيدة تلمع بهدوء…
بينما شعرتُ، للمرة الأولى منذ وقت طويل، أن البيت لم يعد مكانًا للمـ,ـوت فقط.
بل مكانًا يمكن للحياة أن تبدأ فيه من جديد.
ومع الوقت، بدأتُ أفهم شيئًا لم يخبرني به أحد عن الحزن:
أنه لا يرحل دفعة واحدة.
بل يغيّر شكله فقط.
في البداية، كان وحشًا يجلس فوق صدري كل ليلة ويمنعني حتى من النظر إلى ابنتي.
ثم صار ظلًا يمشي خلفي أينما ذهبت.
ثم، ببطء شديد، تحوّل إلى فراغ هادئ…
فراغ يشبه مقعدًا خاليًا على مائدة الطعام، أو صوتًا كنتَ تسمعه كل يوم ثم اختفى.
لكنه لم يعد يبتلعني كما كان.
لأن مزنة كانت تكبر.
وكانت الحياة تكبر معها.
أصبحت تضحك بصوت مرتفع كلما أخفيتُ وجهي خلف يدي ثم أظهرته فجأة.
وتصفق بيديها الصغيرتين عندما تسمع صوت الأذان.
وأصبحت لديها تلك العادة الغريبة التي كانت عند مريم أيضًا…
الحديث أثناء النعاس.
كلمات غير مفهومة، وهمسات قصيرة، كأن الأحلام تتسرب من فمها دون استئذان.
وفي إحدى الليالي، بينما كنتُ أغيّر لها ملابسها بعد أن انسكب الحليب عليها، نظرت إليّ فجأة وقالت أول كلمة واضحة في حياتها:
«بابا.»
تجمّدتُ في مكاني.
حتى هي توقفت وكأنها تفاجأت مما خرج من فمها.
ثم ابتسمت.
ابتسامة واسعة، بلا أسنان تقريبًا، لكنها كانت كافية لتحطم آخر جدار بقي داخل صدري.
ضحكتُ بصوت مختنق، ثم حملتها وضممتها بقوة حتى بدأت تتململ معترضة.
«أعيديها مرة أخرى.»
فنظرت إليّ بجدية طفولية… ثم شدّت لحيتي الصغيرة بدلًا من الكلام.
ضحكتُ حتى دمعت عيناي.
وفي تلك الليلة، بعدما نامت، فتحتُ الدفتر البني الذي تركته مريم.
لم أكن مستعدًا لقراءته من قبل.
لكنني شعرت أن الوقت قد حان.
كانت الصفحات مليئة بخطها الدائري المرتب…
ورسائل صغيرة كتبتها لمزنة في مراحل مختلفة.
بعضها مضحك:
«اليوم جعلتِني أشتهي الطين، وأظن أن هذا خطؤك بالكامل.»
وبعضها جعلني أتوقف طويلًا لأنفاسي:
«إذا قرأتِ هذا يومًا، فأرجو أن تكوني قد ورثتِ قلب أبيكِ… رغم أنه يخفيه جيدًا.»
ثم وجدتُ صفحة مطوية بعناية.
وفي أعلاها كتبت مريم:
«لإدريس… إذا وصل إلى هنا أخيرًا.»
شعرتُ بقلبي يرتجف وأنا أفتحها.
«أعرفك جيدًا.
أعرف أنك ستعاقب نفسك طويلًا.
وأنك ستظن أحيانًا أن الحزن نوع من الوفاء لي.
لكنه ليس كذلك.
الوفاء الحقيقي…
أن تعيش.
أن تضحك عندما تضحك مزنة.
أن تلتقط لها الصور.
أن تتذمر من فوضى ألعابها عندما تكبر.
أن تقلق عليها لأول مرة تتأخر فيها خارج البيت.
أن تحب حياتك معها دون أن تشعر بالذنب لأنني لستُ موجودة فيها.
لا تجعل موتي يتحول إلى نهاية قصتكما معًا.
وأرجوك… عندما تسامح نفسك أخيرًا، لا تشعر بالخيانة تجاهي.
لأن أكثر شيء كنت أخشاه قبل أن أرحل…
أن تبقى حيًا دون أن تعيش.»
لم أشعر بدموعي وهي تسـ,ـقط هذه المرة.
فقط أغلقتُ الدفتر ببطء…
ونظرتُ نحو الغـ,ـرفة حيث تنام مزنة.
ثم نهضت.
دخلت إليها بهدوء.
كانت نائمة على جانبها، ويدها الصغيرة تحت خدها تمامًا كما كانت مريم تنام.
جلستُ قربها للحظات.
ثم همستُ بصوت خافت:
«أمكِ كانت محقة يا مزنة…
أنتِ فعلاً المطر الذي جاء بعد الجفاف.»
وفي الخارج، بدأ المطر يهطل فعلًا فوق أم درمان للمرة الأولى منذ شهور طويلة.
مرّت السنوات بعدها أسرع مما توقعت.
كبرت مزنة قليلًا…
ثم قليلًا آخر…
حتى صار البيت يمتلئ بخطواتها الصغيرة وأسئلتها التي لا تنتهي.
«لماذا القمر يتبعنا؟»
«لماذا جدتي تضع سكرًا كثيرًا في الشاي؟»
«ولماذا يضحك الناس عندما تعطس القطة؟»
وكانت تضحك قبل أن أنتبه أنا أصلًا للإجابة.
أحيانًا، كنتُ أقف عند باب الغرفة وأراقبها وهي ترسم فوق الأوراق بعشوائية، أو تتحدث مع ألعابها كأن لكل واحدة منها حياة كاملة.
وفي كل مرة، كان يمرّ داخلي ذلك الخوف القديم للحظة قصيرة:
الخوف من الفقد.
الخوف من أن يأخذ القدر شيئًا جميلًا مرة أخرى.
لكنه لم يعد يشلّني كما كان.
لأن مزنة علّمتني شيئًا مهمًا دون أن تدري:
أن الحب الحقيقي لا يعيش في الخوف… بل في الحضور.
في صباحات المدرسة الأولى.
وفي إعداد شطيرة متسرعة قبل الحافلة.
وفي الليالي التي كانت تركض فيها نحوي بسبب كابوس سخيف عن وحش يعيش داخل الدولاب.
وفي كل مرة كانت تناديني فيها:
«بابا!»
كنتُ أشعر أن جزءًا مظلمًا داخلي يشفى بهدوء.
وفي أحد الأيام، عندما بلغت مزنة السادسة، وجدتها تفتح الدرج القديم الذي أحتفظ فيه بأشياء مريم.
أخرجت الثوب الأصفر بحذر، ثم سألتني بصوت صغير:
«هذه لماما؟»
جلستُ قربها ببطء.
«نعم.»
مررت أصابعها فوق القماش طويلًا، ثم رفعت عينيها نحوي.
«كانت جميلة؟»
ضحكتُ بخفوت.
«جميلة جدًا… وكانت عنيدة أيضًا.»
ابتسمت مزنة.
«مثلي؟»
نظرتُ إليها للحظة… إلى عينيها، وإلى الطريقة التي تميل بها رأسها عندما تنتظر الإجابة.
ثم شعرتُ بذلك الألم الدافئ المعتاد.
«نعم… مثلك تمامًا.»
سكتت قليلًا قبل أن تسأل السؤال الذي كنت أعرف أنه سيأتي يومًا ما:
«هل حزنت كثيرًا عندما ماتت؟»
أخذتُ نفسًا عميقًا.
في الماضي، كنتُ سأهرب من السؤال.
أو أغيّر الموضوع.
أو أختبئ خلف الصمت.
أما الآن…
فقلت الحقيقة.
«حزنت لدرجة أنني ظننت أنني لن أستطيع أن أعيش بعدها.»
خفضت مزنة بصرها.
«لكنك عشت.»
ابتسمتُ وأنا ألمس شعرها.
«لأنكِ كنتِ هنا.»
نظرت إليّ طويلًا…
ثم زحفت نحوي وعـ,ـانقتني بذراعيها الصغيرتين.
وفي تلك اللحظة، أدركت شيئًا أخيرًا عن نفسي:
أنني لم أُشفَ لأن الوقت مرّ.
ولا لأن الألم اختفى.
بل لأنني، في كل يوم، اخترت البقاء.
اخترت أن أنهض عندما تبكي.
وأن أضحك عندما تضحك.
وأن أحبها رغم خوفي من الفقد.
وربما…
هذا كل ما يحتاجه القلب أحيانًا كي ينجو.
في تلك الليلة، وبعد أن نامت مزنة، فتحتُ النافذة.
كانت أم درمان هادئة، والنيل يلمع بعيدًا تحت ضوء القمر.
أخرجتُ السوار الأحمر القديم من الدرج.
لم يعد يناسب معصمها الصغير بعدما كبرت.
تأملت الخرزة الفضية طويلًا…
ثم ابتسمت.
ولأول مرة منذ سنوات، لم أشعر أنني أتحدث إلى الغياب عندما همست باسم مريم.
بل شعرت أنها أصبحت جزءًا هادئًا من حياتنا…
في ضحكة مزنة.
وفي حبنا لها.
وفي الرجل الذي أصبحتُه بعد كل هذا الألم.
أغلقتُ الدرج برفق…
ثم عدتُ إلى غـ,ـرفة ابنتي.
كانت نائمة ووجهها باتجاه النافذة، بينما يداها تضمان دميتها القماشية بقوة.
عدّلتُ الغطاء فوق كتفيها، وانحنيتُ أقبّل رأسها.
فتمتمت وهي نصف نائمة:
«بابا…»
ابتسمتُ وهمست:
«نعم يا مزنة…
أنا هنا.»







