عام

خطيبي

خطيبي أخدني على بيت أهله في الإسكندرية علشان نتعشى. وفي نص الأكل، والده ضـ,ـرب والدته اللي عندها ضعف سمع بالقلم قدامنا كلنا، بسبب منديل! وهو كمل أكله كأن ولا حاجة حصلت. لما وقفت مصدومة، مسكني من دراعي وقال
ده موضوع عائلي.
بصّيت في عينيه وقلتله ست كلمات والبيت كله سكت فجأة
صوت القلم دوّى في السفرة كأنه شقّ الهوا نصين.
في البيت ده الستات ما ترفعش صوتها.
قالها الحاج محمود بهدوء مرعب، وبعدها بثانية واحدة، ضـ,ـرب مراته قدام الكل، كأنه بيعاقب طفلة صغيرة مش ست عايش معاها أكتر من 30 سنة.
الصوت وجع قلبي قبل وداني.
أم أحمد كانت بس بتمد إيديها تاخد منديل، لكن القلم لفّ وشها ناحية تانية. جهاز السمع بتاعها طلع صوت مزعج، وكوباية وقعت واتكسرت على الأرض.
وقفت مكاني مصدومة مستنية حد يتكلم.
بس ولا حد اتكلم.
ولا كريم أخو أحمد الكبير، اللي كمل أكل عادي.
ولا عمتهم سعاد اللي مسكت الكوباية بإيدها بقوة وسكتت.

ولا حتى أحمد خطيبي اللي فضل يقطع اللحمة كأن اللي حصل ده مجرد موقف عادي!
أم أحمد حطت إيدها على خدها، عينيها مليانة دموع بس ما عيطتش. وده كان أصعب. اتكمشت في نفسها كأنها اتكسرت وبرضه حاولت ترتب المنديل على رجليها كأن الغلط منها هي.
زقيت الكرسي بعصبية، صوتُه خرّش الأرض.
الحاج محمود بصلي بضيق، كأن أنا اللي غلطانة.
اقعدي.
حضرتك ضـ,ـربتها! قلتها وصوتي بيرتعش من الغضب.
مسك المنديل اللي هي كانت عايزاه، ومسح بقه وقال ببرود
مراتي عارفة كويس تعمل إيه وما تحرجنيش.
بصيت لأحمد مستنية أي رد أي كلمة
أحمد
وشه

مقالات ذات صلة

اصفر، بس ما بصليش.
من فضلك بلاش.
بلاش؟!
أم أحمد بدأت تتحرك بإيديها بسرعة، بلغة الإشارة. كنت اتعلمت شوية علشان أفهمها. فهمت كلمتين
وسط رعشة إيديها
من فضلك كفاية.
وقفت تمامًا.
أنا هكلم الشرطة.
ما لحقتش حتى أفتح الموبايل. الحاج محمود لف حوالين السفرة بسرعة، ومسكني من دراعي بقوة وجعتني.
ده موضوع عائلي قالها في ودني.
الكل سكت كأنهم تماثيل.
لفيت له وبصيت في عينيه. قلبي بيدق بسرعة، بس صوتي طلع ثابت
لا أنا كمان بقيت من العيلة.

لأول مرة، أحمد رفع راسه بجد.
واللي شفته في عينيه ما كانش غضب كان خوف.
فجأة، أم أحمد وقعت كوباية الميه بإيديها. الميه اتسكبت على السفرة، وبدأت تشير بإيديها بجنون مرة ورا مرة
ما كانتش بتطلب مساعدة.
وما كانتش عايزاني أكلم الشرطة.
كانت بتقول كلمة واحدة واضحة جدًا
اهربي.
وفي اللحظة دي فهمت إن القلم ما كانش أسوأ حاجة في البيت ده
وإن اللي جاي أخطر بكتير.
بصّيت حواليّا نفس الوجوه، نفس الصمت، بس دلوقتي بقى في معنى تاني لكل حاجة.
الصمت ده مش ضعف ده خوف.
إيدي كانت لسه في إيده، ضاغط عليها جامد، كأنه بيقول انسي اللي شفتيه.
بس أنا خلاص ما بقيتش نفس البنت اللي دخلت البيت ده من ساعة.
شدّيت دراعي منه فجأة، وقلت بصوت واطي بس واضح
سيب إيدي.
استغرب يمكن أول مرة حد يقف له بالشكل ده.

سكت لحظة وبعدين سابني.
أحمد قام بسرعة وقرب مني
انتي مكبرة الموضوع ليه؟! بابا كده على طول وبعدين ماما متعودة!
بصّيت له وكأنّي بشوفه لأول مرة
متعودة؟! يعني إيه متعودة؟!
صوته وطي
علشان كده قولتلك بلاش تتدخلي
ابتسمت بس ابتسامة مليانة صدمة
وأنا كنت فاكرة إني داخلة بيت طلع سجــ,ن.
الحاج محمود خبط بإيده على الترابيزة
إنتي صوتك عالي أوي.
قرب خطوة بس المرة دي ما خفتش.
ولو عليّ ده أقل رد.

الجو اتكهرب.
حتى النفس بقى مسموع.
وفجأة
باب الشقة خبط.
الكل اتلفت.
الخبط كان قوي مش خبط عادي.
الحاج محمود اتجمد مكانه لأول مرة يبان عليه التوتر.
أحمد بص له بسرعة
مستني حد؟
ما ردش.
الخبط زاد ومعاه صوت رجالة
افتح يا حاج محمود!
قلبي دق أسرع
بصّيت لأم أحمد كانت بتبصلي ونظرتها اتغيرت.
مش خوف لا دي كانت نظرة رجاء.
الحاج محمود اتحرك ببطء ناحية الباب، وفتح.
ثانيتين وسكت.
وبعدين الصوت جه واضح
بلاغ عن اعتداء حد هنا اتعرض للضـ,ـرب؟
البيت كله اتجمّد.
بصّيت لأحمد وشه بقى أبيض.
بصّيت لعمتهم كانت بتتهز من التوتر.

لكن أكتر حاجة شدتني كانت أم أحمد.
كانت واقفة بإيديها بترتعش
بس المرة دي ما كانتش بتقول اهربي.
كانت بتبص للباب وكأنها مستنية الخلاص.
الظابط دخل خطوة لجوه
مين اللي اتضـ,ـرب؟
سكتوا كلهم.
ثواني عدّت تقيلة كأنها سنين.
وفجأة
رفعت أنا إيدي.
أنا شوفت كل حاجة.
الصمت اتكسر.
الحاج محمود لفّ ناحيتي ببطء نظرة مليانة تهديد.
لكن قبل ما يتكلم
صوت تاني طلع ضعيف بس واضح.
أم أحمد.
أنا.
الكل اتصدم.
هي كملت بإشارة وإيدها على خدها
هو ضـ,ـربني.
أحمد همس
ماما!
لكن خلاص اللعبة اتغيرت.
الظابط بص للحاج محمود
حضرتك هتيجي معانا.
الموقف انفجـــ,,ر.
صوت صريخ، اعتراضات، توتر
بس أنا كنت واقفة ثابتة.
وأنا خارجة من الباب أحمد جري ورايا
استني! إنتي كده بوظتي كل حاجة!
وقفت وبصّيت له آخر مرة.
لا أنا أنقذت نفسي.
وسبت المكان كله ورايا
البيت العيلة الخطوبة
وحتى أحمد.
لكن وأنا نازلة السلم موبايلّي رن.
رقم غريب.
رديت بحذر
ألو؟
صوت راجل هادي قال
إنتي اللي قدمتي البلاغ؟
أيوه
سكت لحظة وبعدين قال
كويس إنك عملتي كده
لأن دي مش أول مرة.
قلبي وقع.
تقصد إيه؟
رد بهدوء مخيف
فيه محاضر قديمة واتقفلت.
ليه؟
سكت وبعدين قال جملة خلت جسمي يقشعر
علشان اللي في البيت ده مش بس بيضـ,ـرب.
وسكت الخط.
وقفت في نص الشارع
حاسّة إن القصة لسه ما بدأتش أصلاً
وإن اللي كشفته النهاردة
كان مجرد أول طبقة في سر أكبر بكتير.
وقفت في الشارع الهوا بارد رغم إن الجو كان عادي.
الكلمة الأخيرة كانت بتلف في دماغي
مش بس بيضـ,ـرب.
حاولت أتصل تاني بالرقم مقفول.
بصّيت ورايا على العمارة حسّيت إنها مش بيت كأنها حاجة تقيلة مخبية جواها أسرار.
ما روحتش البيت.

رجلي خدتني لوحدها لكافيه صغير قريب قعدت وأنا دماغي شغالة بسرعة.
مين الراجل ده؟
وإيه المحاضر اللي اتقفلت؟
وإزاي؟
قبل ما أفوق من تفكيري لقيت حد واقف قدامي.
إنتي اللي كنتي فوق؟
رفعت عيني شاب في أواخر التلاتينات، باين عليه التوتر.
أيوه حضرتك مين؟
بص حواليه بسرعة وقعد قصادي
أنا جارهم من سنين.
قلبي دق
تعرف إيه عنهم؟
بلع ريقه وقال بصوت واطي
اللي حصل النهاردة؟ ده ولا حاجة.
سكت لحظة وبعدين كمل
من 4 سنين كان ليهم بنت.
اتجمدت.
بنت؟ أحمد ما قالش
طبعًا ما قالش لأنها ماتت.
حسّيت بدوخة خفيفة

إزاي؟
بص في عيني مباشرة
قالوا وقعت من السلم.
وسكت.
وقالوا؟ يعني إيه؟
قرب أكتر، صوته بقى أخفض
اللي سمعناه إن صوت خناقة كان عالي قوي الليلة دي وبعدها بساعات الإسعاف جت.
إيدي بدأت تترعش

وحد بلغ؟
آه أكتر من حد. وأنا منهم.
وبعدين؟
ابتسم بسخرية مرة
محضر واتقفل.
ليه؟!
بص حواليه تاني وقال
علشان الحاج محمود مش راجل عادي.
الكلمة دي رجعت تاني.
يعني إيه مش عادي؟
رد
بعد تردد
سكتنا لحظة.
طب وأم أحمد؟

هز راسه
من يومها بقت أهدى بكتير. ما بتتكلمش ولا بتعترض.
افتكرت نظرتها وإشارة اهربي.
فجأة موبايله رن.
بص فيه واتوتر أكتر.
أنا لازم أمشي إنتي
مان ما ترجعيش هناك تاني.
استنى! مين اللي كلّمني؟
وقف بسرعة وقال وهو ماشي
لو عرفوا إنك بتسألي هتندمي.
وسابني ومشي.
قعدت مكاني حاسة إن الدنيا بتقفل عليّا.
بس قبل ما أقوم جالي إشعار.
رسالة من رقم غريب.
فتحتها.
صورة.
قلبي وقف.
الصورة كانت قديمة شوية بنت صغيرة، حوالي 10 سنين، واقفة في نفس السفرة اللي كنت فيها من شوية
وبتضحك.
لكن اللي جمّد الدم في عروقي
مش البنت.
اللي وراها.
أم أحمد.
واقفة نفس المكان نفس الملامح
بس
وشها كان مليان كدمات.
إيدي رعشت وأنا بقلّب الصورة
لقيت رسالة تحتها
دي ما وقعتش من السلم.
اتنفضت من مكاني.
بصّيت حواليا حسّيت إن في حد بيراقبني.
كتبت بسرعة
مين إنت؟
ثواني وجالي الرد
أنا

اللي حاولت أبلغ زمان وفشلت.

عايز إيه مني؟
الرد جه فورًا
عايزك تكمّلي اللي بدأتيه.
قلبي بيدق بعنف.
تقصد إيه؟
الرسالة دي خلتني أرجع خطوة لورا وأنا بقرأها
الست دي ممكن تكون الضحية الجاية.
سكتت الدنيا حواليّا.
مين؟
الرد
أم
أحمد.
رفعت عيني غصب عني بصّيت ناحية العمارة.
نور الشقة كان لسه مفتوح.
بس فجأة
النور طفى.
وفي نفس اللحظة
موبايلي رن.
نفس الرقم.
رديت وأنا مرعوبة
ألو؟
الصوت كان متوتر جدًا المرة دي
هما عرفوا.
قلبي وقع
عرفوا إيه؟!
صرخ في التليفون
إنك بلغتي!
وفي اللحظة دي

سمعت صوت باب العمارة بيتفتح بعنف
وخطوات سريعة جاية ناحيتي.
اتجمدت مكاني.
والصوت في التليفون قال بسرعة
اجري دلوقتي!
رفعت عيني
ولقيت أحمد واقف على أول الشارع
بيبصلي.
بس المرة دي
ما كانش نفس أحمد.
كانت نظراته مخيفة.
وابتدى يمشي ناحيتي ببطء.
اتسمرت مكاني لحظة بس صوت الراجل في التليفون رجّعني لنفسي
اجري!
لفّيت جسمي وبدأت أمشي بسرعة وبعدين جري.
قلبي بيدق بعنف، وصوت خطوات أحمد ورايا بيقرب.
استني! صوته كان عالي بس فيه حاجة غريبة مش استعطاف تهديد.
دخلت شارع جانبي، ضيق ومش منوّر كويس. كنت فاكرة إني بتهرب لكن فجأة لقيت نفسي واقفة.
ليه؟
علشان الهروب مش هيخلّص الموضوع.
لفّيت وشي له وهو وصل. واقف قدامي، نفسه سريع

.
إنتي عملتي إيه؟! قالها بعصبية.
بصّيت له بثبات
عملت الصح.
ضحك ضحكة قصيرة، عصبية
إنتي فاهمة إيه؟ إنتي دمرتي بيت كامل!
بيت؟! ده مش بيت ده مكان مؤذي.
سكت لحظة وبعدين قرب خطوة
إنتي ما تعرفيش حاجة.
طب قولّي.
سكت عينيه اتكسرت لحظة وبعدين قال
أختي ما ماتتش زي ما قالوا.
اتنفست ببطء
عارفة.
بصلي بصدمة
عرفتي منين؟
في ناس حاولت تساعد بس اتسكتت.
نزل عينيه الأرض وصوته بقى واطي
يومها أنا كنت في البيت.
قلبي شدّ
وشوفت إيه؟
رفع عينه، وكان فيها وجع حقيقي لأول مرة

شوفت أبويا وهو بيدفعها كانت بتصرخ وماما بتحاول تمنعه وقعت من على السلم.
سكت الدموع لمعت في عينه
وأنا ما عملتش حاجة.
الشارع بقى هادي جدًا.
ومن ساعتها؟ سألته.
كلنا سكتنا. علشان نعيش. علشان ما نضيعش.
هزّيت راسي
لا علشان الخوف.
بصلي
بحدة
وإنتي بقى؟ هتعملي إيه؟ هتغيري الدنيا؟
قربت خطوة وصوتي هادي
لأ بس هوقف الأذى قدامي.
سكتنا لحظة.
أمك في خطر قلتها بوضوح.
اتجمد.
إيه؟
في حد قاللي إنها ممكن تكون الضحية الجاية.
وشه اتغير الخوف رجع.
لازم نرجع.

اتردد
لو رجعنا الموضوع هيكبر.
ولو ما رجعناش ممكن تمـ,ـوت.
ثانية اتنين وبعدين أخد قرار.
يلا.
رجعنا نجري سوا ناحية العمارة.
الباب كان مفتوح بس الهدوء جوا كان مرعب.
طلعنا السلم بسرعة.
باب الشقة مقفول.
أحمد خبط
ماما! افتحي!
مفيش رد.
بصلي وبعدين كسر الباب بكتفه.
دخلنا.
المنظر كان صادم.
السفرة مقلوبة الكراسي واقعة
والحاج محمود واقف في نص الصالة متوتر وبيتنفس بسرعة.
وأم أحمد على الأرض.
جريت عليها
طنط! سامعاني؟!
كانت واعية بس ضعيفة وفي علامة حمرا على رقبتها.
أحمد صرخ
إنت عملت إيه؟!
الحاج محمود بصله ولأول مرة صوته اهتز
كانت هتفضحنا زيكوا كده.
الكلمة دي كانت
النهاية.
صوت siren بعيد بيقرب.
الشرطة.
بصيت لأحمد كان واقف متجمد بين أبوه وأمه وبيني.
الثانية دي كانت فاصلة.
أحمد قلتها بهدوء.
بصلي.

تختار.
دموعه نزلت ولفّ ناحية أبوه
كفاية.
الحاج محمود اتجمد.
كل ده كفاية.
وفي اللحظة دي الشرطة دخلت.
المشهد اتحسم.
بعد أيام
الشقة بقت فاضية.
القضية اتفتحت من جديد.
والمرادي ما اتقفلتش.
أم أحمد بدأت تتعالج
وتتكلم حتى لو بإشارات بسيطة.
وأحمد اختار يشهد.
أما أنا
وقفت قدام البحر في إسكندرية أول مرة
أحس إني بتنفس بجد.

خسرت خطوبة
بس كسبت نفسي.
وتعلمت حاجة واحدة
في ناس بتقول دي أمور عائلية
علشان
محدش يتدخل.
بس الحقيقة؟
السكوت عمره ما كان حل
السكوت بيخلي الأذى يكبر.
وأحيانًا
كلمة واحدة
بس
بتنقذ حياة.

زر الذهاب إلى الأعلى