عام

حضرت فرح

وفجأة العروسة شاورت عليا وقالت بصوت عالي: “هو مين اللي سمح دي تدخل فرحي؟”.. في لحظة المزيكا ، وكل العيون اتوجهت ناحيتي. إيديا كانت ، بس ممشيتش.. بصيت في عينيها بكل هدوء ورديت: “عندك حق، أنا فعلاً مكاني مش هنا.. على الأقل مش كمعزومة.” اللي حصل بعد الكلمتين دول شقلب كيان اليوم كله بطريقة عمرها ما كانت تتخيلها.

كنت واقفة في آخر قاعة الاحتفالات في فندق “نايل جراند”، وبحاول على قد ما أقدر أختفي من قدام الناس. القاعة كانت بتبهر العين، نجف كريستال، أرضيات رخام، وورد في كل حتة كأنه جاي من الجنة. المعازيم كلهم كانوا لابسين بدل وفساتين ماركات عالمية، أما أنا، فكنت لابسة فستان كحلي بسيط كنت شارياه من محل “بالة” بـ 500 جنيه.
اسمي ليلى.

مقالات ذات صلة

من تلات أسابيع، جاتلي دعوة فرح استغربت منها جداً لدرجة إني قريتها مرتين. “ميرنا”، واحدة كنت عارفاها أيام الجامعة، كانت هتتجوز “أحمد” وعزمتني. مكنتش أنا وميرنا صحاب أوي، بس كنا ساعات بنذاكر مع بعض. كانت طول عمرها شايلة هم القرش، ودايماً تقول إنها لازم تتجوز واحد غني عشان متتعبش تاني في حياتها.

بعد التخرج، أخبارنا .. هي راحت في سكة، وأنا اخترت طريق تاني خالص، طريق بعيد عن المنظرة والشو والطبقية. لما جاتلي الدعوة، كنت هرفض، بس الفضول أكلني وقولت أروح أشوف الدنيا حصل فيها إيه.
في الفرح، فضلت

أراقب ميرنا من بعيد.. كانت زي القمر بفستانها اللي متفصل مخصوص، والألماظ بيلمع في شعرها. كانت محوطة بصحابها “الشيك”، بيضحكوا بصوت عالي ومبسوطين بلمة الناس حواليهم. في الأول، فرحتلها من قلبي والله.
بس الفرحة دي مكملتش.

خدت بالي من طريقتها وهي بتكلم “الويترز” والشغالين في القاعة؛ كانت بتكلمهم بتعالي . كانت بتضحك من قلبها للمعازيم الأغنياء، وبتبص بطرف عينها لأي حد تاني. رغم كده، قولت أروح أبارك لها. أول ما قربت، الضحكة اختفت من وشها تماماً.
بصت لفستاني وقالت : “ليلى؟ إيه اللي جابك هنا؟”
رديت بهدوء: “جتلي دعوتك، وقولت آجي أتمنالك الخير.. طالعة زي القمر.”
كان باين عليها إنها جداً، وقبل ما ترد، اتنين من صحابها قربوا علينا. واحدة منهم بصتلي  وسألتني: “إنتي بتشتغلي إيه يا ليلى؟”

قولت لها: “شغالة في مجال الإسكان والمشاريع الاجتماعية.”
أول ما سمعوا الكلمة، الضحكة المصطنعة اختفت من وشوشهم.
بعد لحظات، ميرنا قربت مني وهمست : “لازم تمشي حالاً، إنتي مش من مستوانا ومكانك مش هنا.”
كنت لسه بستوعب كلامها، لما فجأة صوتها علي وهي بتنادي على المعازيم اللي حوالينا: “بجد يعني، مين اللي سمح دي تدخل فرحي؟”
السكوت عمّ المكان.. عشرات العيون كانت بتبصلي بنظرات صعبة.
في اللحظة دي، كل حاجة اتغيرت.

لثواني، محستش برجلي، ووشي كان من الكسوف والهمسات اللي بدأت تملى القاعة. ميرنا كانت واقفة ومربعة إيديها بفخر، كأنها انتصرت في . جوزها
“أحمد” كان واقف محرج ومش فاهم في إيه.
خدت نفس عميق.. وفي اللحظة دي فهمت حاجة مهمة: ميرنا مش زعلانة مني، ميرنا “”.. إن أي حاجة تفكرها بماضيها أو بمستواها القديم تظهر قدام حياتها الجديدة.
قولت لها بهدوء: “عندك حق، أنا فعلاً مكاني مش هنا.”
أول ما قلت كده، ميرنا بدأت تسترخي وبان عليها الراحة.

كملت كلامي وأنا باصة في عينيها مباشرة: “أنا مكاني مش هنا كمعزومة، أنا مكاني هنا لأني ‘صاحبة الفندق’ ده كله.”
ملامح وشها اتحولت من الراحة للذهول .. وبدأت تتهته: “إنتي.. إنتي بتقولي إيه؟”

لحظة صمت رهيبة  النَفَس.. ميرنا وشها بقى لونه “”، وصحابها اللي كانوا بيضحكوا من شوية، ملامحهم اتجمدت. في اللحظة دي، دخل “أستاذ محمود” مدير الفندق وهو بيجري وعلامات الاحترام مالية وشه، وقف قدامي راسي وهو بيقول بصوت مسموع للكل: “يا فندم نورتي الفندق! إحنا مكنّاش نعرف إن حضرتك هتيجي النهاردة، كنا جهزنا استقبال يليق بصاحبة مجموعة الفنادق.”

ميرنا بدأت تتهته: “صـ.. صاحبة الفنادق؟ إزاي؟ إنتي كنتي بتشتري بالتقسيط في الجامعة!”
قربت منها خطوة واحدة، وبكل رقي رديت: “فعلاً، وكنت بشتغل تلات شغلات في اليوم عشان أصرف على دراستي.. السنين اللي ضاعت مننا يا ميرنا أنا في الشغل وبنا الكيان

ده، مش في تدوير على عريس غني يشيلني. الفستان اللي مش عاجبك ده، أنا لابساه عشان بيفكرني بيا وبأصلي، وعشان القيمة في البني آدم، مش في اللي لابسه.”
بصيت لجوزها “أحمد” اللي كان واقف مكسوف من طريقة مراته، وقولتله: “ألف مبروك يا أستاذ أحمد، الفندق كله النهاردة هدية مني ليكم، مش هتدفعوا مليم.. بس ياريت العروسة تفتكر إن اللي بيحترم الناس، الناس بتحترمه.. والفلوس بتروح وتيجي، بس الأصل والتربية هما اللي بيفضلوا.”

ميرنا كانت واقفة زي “التمثال”، الدموع بدأت تنزل من عينيها بس مش دموع فرح، دي كانت دموع إحراج وندم قدام كل المعازيم اللي بدأوا يتوشوشوا عليها وعلى طريقتها. صحابها “الهوانم” بدأوا ينسحبوا واحدة واحدة، كأنهم مش عارفينها.
مشيت بكل هدوء ناحية الباب، وقبل ما أخرج، لفت وبصيت للقاعة كلها وقولت جملة أخيرة:
“الناس مقامات فعلاً.. بس المقامات بالنفوس، مش بالفلوس. مبروك يا عروسة.”

خرجت من الفندق، وركبت عربيتي البسيطة، وأنا حاسة براحة مش عشان كشفت حقيقتي، بس عشان أثبت لنفسي ولأمثال ميرنا إن “الشحات” الحقيقي هو اللي نفسه ، مهما ملك من قصور وفلوس.
> “لا تعامل الناس على قدر ملابسهم، فربما تحت الثياب البسيطة قلوب من ذهب وعقول من ألماس.. القيمة الحقيقية للإنسان تظهر في لحظات قوته، هل سيستخدمها ليحمي الآخرين أم ؟”

الباقي مع تحياتي نور محمد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى