عام

اختفاء فتيات المعسكر

تخيل أنك تجري مكالمة هاتفية واحدة قادرة على تغيير كل شيء في حياتك بالكامل، مكالمة واحدة فقط تفصل بين الصمت والحقيقة، بين الندم والنجاة، بين الخوف الذي يؤخرك، والشجاعة التي قد تأتي متأخرة أكثر مما ينبغي.

مكالمة ظللت تؤجلها لعامين كاملين، تتجنبها، تخشاها، تعيد التفكير فيها كل ليلة، لأنك تعرف أن ما سيُقال بعدها لن يمكن التراجع عنه، وأن الكلمات أحيانًا لا تُصلح شيئًا بل تُشعل العاصفة.

مقالات ذات صلة

مكالمة قد تنقذ أرواحًا بريئة، أو تُحطم ما تبقى من حياة هشة بالكاد تقف على قدميها، مكالمة تحمل ثقل السر، ومرارة الحقيقة، وخوف الاعتراف الذي لا يرحم أحدًا.

ذهبت أربع فتيات صغيرات في رحلة مشي طويلة عبر الغابة، بالقرب من كوخ المخيم الذي يفترض أنه آمن، رحلة بدت عادية، مليئة بالضحكات، والمرح، وصور لا تحمل أي إنذار بالخطر القادم.

كنّ يضحكن بلا قلق، يلتقطن الصور بجانب أشجار السكويا العملاقة، أشجار شاهقة صامتة كأنها حراس قدامى، بينما بدت الفتيات مجرد أطفال يستمتعن بمغامرة صيفية قصيرة لا أكثر.

ثم، وفي غضون ثوانٍ مربكة وقاسية، اختفى كل شيء، توقفت الضحكات، انقطع الأثر، وتبدد الحضور كأن الزمن ابتلع اللحظة نفسها، ولم يترك خلفه سوى الفراغ، والذهول، وأسئلة بلا إجابات.

كان عمرها أربعة عشر عامًا في ذلك الصيف الذي غادرت فيه أختها كلوي إلى المخيم، صيف بدا عاديًا تمامًا، بلا إنذارات، بلا ظلال ثقيلة، مجرد أيام طويلة مشبعة بالشمس، وضحكات لم تتخيل لينا يومًا أنها ستتحول إلى ذكرى مؤلمة.

تتذكر لينا أنها كانت مستلقية على الأريكة، جسدها منهك بسبب فيروس في المعدة، حين رن هاتفها في الليلة الأولى، وصوت كلوي متحمس، دافئ، مليء بحكايات الأكواخ والأغاني وشجرة الخشب الأحمر العملاقة.

وصفت كلوي الطريق، الهواء، الضحكات، تفاصيل صغيرة بدت بلا قيمة آنذاك، لكنها الآن محفورة في ذاكرة لينا كأنها تسجيل أخير، رسالة وداع لم تدرك حقيقتها إلا بعد فوات الأوان.

بعد ثلاثة أيام فقط، رحلت كلوي.

اختفت.

ومنذ تلك اللحظة، لم تعد حياة لينا كما كانت، بل أصبحت سلسلة طويلة من الانتظار، والأسئلة، والفراغ الذي لا يملؤه شيء مهما حاول الزمن التخفيف.

تتذكر قسوة التضاريس، الوديان الحادة، الشجيرات الكثيفة، والمسارات المضللة التي بدت وكأنها تسخر من محاولاتهم اليائسة للوصول إلى أي دليل ملموس.

وأخيرًا، ك.سرت الصمت.

والغابة لا تقدم أي طمأنينة.

ضيّق المسار بعد نصف ميل، ملتفًا حول جذوع سميكة وصخور مغطاة بالطحالب، بينما تسلل ضوء الشمس في خيوط رفيعة رسمت خطوطًا متك.سرة فوق الأرض الرطبة.

ثم لاحظت لينا شيئًا غريبًا.

رقعة أرض بدت مختلفة.

مسطحة أكثر من اللازم.

ناعمة بشكل مريب.

تفصيلة صغيرة، لكنها أيقظت حدسًا لم يهدأ منذ عامين.

عندما انحنت، رأت شظايا زجاج مكسور مغروسة في التربة، زجاج يبدو قديمًا، لكنه في مكان لا معنى لوجوده فيه، وسط غابة لا تُشبه مواقع النفايات.

هيلا لاحظت ذلك أيضًا.

حددت الموقع على جهاز GPS.

ثم أومأت برأسها.

واستمروا في التقدم بحذر متزايد.

بعد دقائق قليلة، توقفت ميندوزا فجأة، رفعت يدها إشارة صامتة جعلت الجميع يتجمد في أماكنهم، قبل أن تشير ببطء نحو بقعة نصف مخفية أمامهم مباشرة.

هناك، تحت طبقة أوراق وأغصان، ظهر شيء معدني مسطح، غير طبيعي تمامًا مقارنة بفوضى الأرض المحيطة، تفصيلة باردة وسط مشهد عضوي حي.

اقتربوا ببطء.

وانكشف الشكل.

فتحة فولاذية مستوية مع أرضية الغابة.

أربع أقدام تقريبًا لكل ضلع.

معدن باهت، مخدوش، لكن الحواف نظيفة بشكل يثير القلق.

انحبــ,س نفس لينا.

ركعت هيلا وأزاحت الحطام.

لا قفل ظاهر.

فقط مزلاج ثقيل ومقبض غائر.

تفصيلة لا تُخطئها عين معتادة على مسارح الجــ,ريمة.

همست ميندوزا: “هذا غير موجود على أي خريطة عقارية.”

وكانت نبرتها تحمل ما هو أسوأ من المفاجأة.

الهواء هنا بدا مختلفًا.

أثقل.

تفوح منه رائحة كيميائية خفيفة بالكاد تُدرك.

لكنها كافية لإثارة ذلك الشعور الغريزي بالخطر.

لا تعرف لينا إن كان خيالًا، لكنها أقسمت أنها سمعت شيئًا من الأسفل.

أزيزًا خافتًا.

صوتًا ميكانيكيًا منتظمًا يشبه مولدًا كهربائيًا يعمل في عمق الأرض.

تراجعت ميندوزا خطوة بطيئة.

يدها اقتربت من سلاحها.

يا رقيب، ما احتمالات أن يكون هذا مجرد ملجأ عواصف مهجور لا أكثر، هيكل قديم نسيه الجميع؟ لم يُجب هيلا، ظل يحدق في المزلاج، بينما بدا المعدن باردًا وثقيلًا تحت كفه المتوترة.

قالت المرأة في المكالمة إن زوجها يمتلك مخبأ قريبًا من موقع اختفاء الفتيات، وها هم يقفون فوقه الآن، لكن الحقيقة بدت أثقل من أن تُقال بسهولة، وأكثر خطورة من أن تُفترض ببساطة.

هنا تحديدًا يصبح كل شيء أكثر حدة، لا أحد يندفع، لا أحد يفتح الباب فورًا، بل يجلس هيلا قرفصاء، كفه مستقرة على السطح الفولاذي، ينصت لذلك الإحساس الغريزي الذي نادرًا ما يخطئ.

ذلك الأزيز الخافت الذي لمحوه سابقًا لم يكن وهمًا، بل صوت منخفض ثابت، يشبه ارتجاف مولد كهربائي يعمل في عمق الأرض، نبض ميكانيكي غير مرئي لكنه واضح بما يكفي لإثارة القلق.

دارت ميندوزا حول الفتحة ببطء محسوب، عيناها تمسحان أرض الغابة، تلتقطان التفاصيل الصغيرة، ثم قالت: لا آثار أقدام حديثة، لكن توزيع الأوراق يوحي بأن أحدهم أخفى هذا المكان عمدًا.

استقام هيلا وسحب جهاز اللاسلكي من سترته، صوته هادئ لكنه مشدود: مركز العمليات، هنا سييرا 32، عثرنا على هيكل مخفي يطابق وصف المتصل المجهول، نحتاج دعمًا فنيًا وتحليلًا جنائيًا فورًا.

صدر من الراديو طقطقة قصيرة، ثم جاء الرد سريعًا وواضحًا: مفهوم سييرا 32، الوحدات في طريقها الآن، حافظوا على الموقع، واعتبروا المكان مسرح جريمة محتملًا حتى إشعار آخر.

نظر هيلا إلى لينا بنظرة حازمة: ابقوا في الخلف حتى نفهم ما نتعامل معه، أومأت برأسها، لكن أصابعها شدّت بقوة على حزام حقيبة الظهر، وجسدها كله يقاوم الرغبة في الاقتراب.

كل عضلة في داخلها كانت تصرخ، تريد رؤية ما تحت ذلك الباب، تريد إجابة واحدة فقط: هل كانت كلوي هنا؟ هل ما زال هناك أثر، دليل، شيء ينقذ الذكرى من المـ,ـوت الكامل؟

بعد خمس عشرة دقيقة، تبدلت الغابة تمامًا، وصول نواب إضافيين، شريط أصفر يمتد بين الأشجار، أضواء كاشفة تُغرق المكان ببياض قاسٍ، بينما تحوّل السكون إلى توتر مشحون بالترقب.

انضم المحقق رويز من وحدة الجرائم الكبرى إلى الفريق عند الفتحة، ضخم البنية، دقيق الحركة، ركع ببطء، أصابعه المغطاة بالقفازات تتبع المقبض المجوف بعين خبيرة اعتادت قراءة المعدن.

قال رويز: لا قفل ظاهر، وهذا يعني أن من يستخدمه لا يعتمد على الأقفال، بل على السرية، أو الترهيب، أو ثقة مرعبة بأن أحدًا لن يصل إلى هنا أساسًا.

أحضر نائبان أدوات معدنية ثقيلة، أدخل رويز العتلة في الشق وضغط بثقله، صدر صوت مكتوم، مقاومة صلبة، تمتمت ميندوزا: الباب مُعزَّز من الأسفل، لن ينفتح بسهولة.

قال رويز بهدوء صارم: سنك.سر المزلاج إذًا، وعندما انك.سر أخيرًا، ارتد صوت الطقطقة المعدنية حادًا وغريبًا في الغابة، كأنه صوت لا ينتمي للطبيعة المحيطة بهم.

رفع رويز الفتحة ببطء، وتسرب منها هواء بارد راكد، رائحة خفيفة لكنها مزعجة، خرسانة رطبة، معدن، وشيء حلو متعفن جعل معدة لينا تنقبض بعنف.

اخترقت الأضواء عمودًا ضيقًا مبطنًا بالخشب، سلم معدني يهبط نحو الظل، صوت الأزيز أصبح أوضح، أقرب، حقيقة ميكانيكية نابضة تحت الأرض مباشرة.

انزلقت أحذية نائب أول على درجات السلم، صوت معدني منتظم، لحظات ثقيلة، ثم جاء صوته من الأسفل: القاع واضح حتى الآن، أرضية خرسانية، باب واحد باتجاه الشرق.

حين لامست أحذية هيلا الخرسانة، تغير الإحساس فورًا، الهواء أثقل، المساحة واسعة بما يكفي للوقوف، جدران بأسلاك مكشوفة، ورفوف تحمل معلبات، مياه، وصناديق كرتون مرتبة.

أشار النائب نحو الباب الوحيد، فولاذ مطلي بالبيج، قفل متين، تبادل رويز وهيلا نظرة قصيرة، صامتة، لكنها قالت كل شيء: قد يكون خلفه ضحايا، أو ما هو أسوأ.

دارت الكاميرات المثبتة على الأجساد، أضواء حمراء تومض، المزلاج صلب لكنه استجاب، طقطقة معدنية عالية، دفع رويز الباب إلى الداخل بحذر مشدود الأعصاب.

الغرفة المجاورة أضاءها مصباح واحد مكشوف، ضوء أصفر ضعيف، وما رأوه أوقف الجميع، أربع مراتب رقيقة مصطفة على الجدار، أغطية غير متطابقة، لكن الترتيب كان مقصودًا.

أسفل كل سرير زوج أحذية موضوع بدقة، رياضية، صنادل، قماشية، أصابع متجهة للخارج، تفاصيل بدت مرعبة في انتظامها، كأن أصحابها سيعودون في أي لحظة.

في زاوية الغرفة، كومة ملابس مطوية بعناية، تيشيرتات مخيم سييرا باينز، الحروف الخضراء واضحة، غير باهتة، مستحيل إن كانت بالخارج لعامين كاملين.

همست ميندوزا بصوت خافت ثقيل: هذه تخص الفتيات، جثا هيلا قرب الملابس، يداه المرتديتان القفازات تردّدتا قبل لمس القماش البارد والطيات الحادة الواضحة.

على الجدار، تقويم معلّق، كل يوم مُعلَّم بعلامة X سوداء، التاريخ الأخير يعود إلى ثلاثة أيام فقط، قال رويز هامسًا: إن كانوا هنا، فذلك لم يكن منذ زمن بعيد.

لم تعد لينا قادرة على الانتظار، دخلت الغرفة رغم التحذير، عيناها تبحثان بجنون صامت، حتى توقفتا عند حذاء رياضي أزرق بأربطة بيضاء مهترئة.

اختنق صوتها.

تلك كانت أحذية كلوي.

جثت على ركبتيها، يداها تحومان فوق الحذاء، غير قادرة على لمسه، وكأن المسافة بينهما فجأة أصبحت أثقل من أن تُقطع.

التقط شعاع مصباح ميندوزا قصاصة ورق مسطر قرب أحد الأسرة، انحنت ببطء، واستعادتها بحرص شديد، بينما أدرك الجميع أن القصة لم تبدأ بعد.

إنها ملاحظة مكتوبة بخط يد متشابك وغير واضح، كلمات مهزوزة كأنها كُتبت تحت خوف وضغط شديدين، جملة قصيرة لكنها ثقيلة بما يكفي لتجمّد الهواء داخل ذلك المكان الخانق.

لا نستطيع رؤية السماء.

أرجو أن تخبروا أمي أنني آسفة.

لا يوجد اسم موقّع أسفل الكلمات، لكن لينا لم تحتج إليه، فهي تعرف خط يد كلوي كما تعرف صوتها، انك.سرت ركبتاها فجأة تحت ثقل الإدراك.

سقطت جالسة على الخرسانة الباردة بقوة، أصابعها ترتجف وهي تتمسك بالرسالة كأنها طوق نجاة أخير، كأن الورقة نفسها تحتوي بقايا حضور أختها الضائع.

تحرك الفريق أعمق داخل الغرفة، يفحصون ركنًا ضيقًا خلف ستارة باهتة، حيث ظهر مرحاض متنقل، وصندوق مياه معبأة، ورفوف مكتظة بمعلبات مرتبة بعناية مقلقة.

على طاولة منخفضة جلس جهاز DVD مهترئ، وبجواره كومة أقراص في أغلفة بلاستيكية، التقط رويز واحدًا منها، محدقًا في الملصق المكتوب بخط اليد ذاته.

ليلة مشاهدة الأفلام رقم 12.

قالها رويز بصوت منخفض.

بدا التعليق محايدًا ظاهريًا، لكن نبرته حملت قلقًا واضحًا، فالتفصيلة لم تبدُ بريئة، بل جزءًا من روتين غريب داخل مكان لا يفترض أن يكون مأهولًا.

أشارت هيلا لفريق مسرح الجريمة ليتم إنزالهم فورًا، بينما شعرت لينا بأن الجدران تقترب، وأن الملجأ نفسه يضيق، يتحول تدريجيًا إلى قفص بلا نوافذ.

كل شبر هنا يصرخ بشيء واحد: أسر طويل، هواء راكد، رائحة خانقة، صفوف أسرة متشابهة، تفاصيل منظمة بشكل مرعب يوحي بأن هذا المكان لم يكن ملجأ عابرًا.

وقفت لينا قرب السلم، يدها تمسك إحدى درجاته بقوة، عقلها يكرر السؤال ذاته بلا رحمة: إن كانت كلوي هنا فعلًا، إن نامت على ذلك السرير، فأين هي الآن؟

فوقهم، الغابة مجرد همسات بعيدة عبر الفتحة المفتوحة، أما هنا في الأسفل، فالإحساس مختلف تمامًا، عالم آخر، معزول، ثقيل، مشبع بتاريخ غير مرئي لكنه محسوس.

عالم ربما بقيت فيه الفتيات على قيد الحياة أطول بكثير مما تجرأ أي شخص على تخيله، احتمال مرعب بقدر ما هو مؤلم.

ثم لاحظوا بابًا ثانيًا أصغر في الجزء الخلفي من الملجأ.

في غضون ساعات، بدأ فريقان للبحث والإنقاذ بالتحرك.

إنهم يتجهون نحو تلك الكابينة، والوقت هو العدو.

الآن، إذا كان آرون محقاً بشأن عادات مارك، فقد يكون يحاول بالفعل نقل الفتيات مرة أخرى، أو ما هو أسوأ.

تصل القافلة إلى منعطف طريق المحجر بعد الساعة الحادية عشرة صباحاً بقليل.

تتدلى الغيوم منخفضة فوق التلال، مما يجعل الهواء يبدو ثقيلاً.

لقد حوّل المطر الذي هطل في وقت سابق الأرض الترابية إلى فوضى زلقة وغير مستوية.

عند مفترق الطرق الذي رسمه آرون على خريطتها.

تأمر هيلا كلا السيارتين الرياضيتين متعددتي الاستخدامات بإطفاء محركاتهما.

ومن هنا ينتقلون سيراً على الأقدام.

يتقدمون في صف متراص، وأحذيتهم تغوص في الأرض الرطبة، والغابة تضيق عليهم من الجانبين.

صوت الجدول خافت ولكنه مستمر، همهمة منخفضة في مكان ما أسفل التل.

بين الحين والآخر، يتغير اتجاه الرياح ويحمل معه رائحة الصنوبر الرطب ممزوجة بشيء أكثر حدة، رائحة الصدأ أو الزيت.

لا يستغرق الأمر وقتاً طويلاً للعثور على الفخ الأول.

يمتد سلك عبر الممر الضيق فوق مستوى الكاحل مباشرة بين شجرتين صغيرتين.

من جهة، يختفي السلك داخل إطار خشبي بدائي مخفي تحت الطحالب.

من جهة أخرى، في مجموعة من الحلقات المثبتة بمسامير على جذع شجرة.

يجثو رويز على ركبتيه ويزيل الطحالب برفق، كاشفاً عن فوهة بندقية صيد قصيرة من عيار 12، موجهة مباشرة عبر الممر.

إنها محملة.

تم إيقاف نظام الأمان.

يتم تفكيك الفخ بعناية ووضعه جانباً.

يواصلون التقدم، وكل مجموعة من العيون تفحص الأرض والأشجار بحثاً عن الخطر التالي.

وبعد بضع مئات من الأمتار، يضيق المسار، محاطاً بأشجار العليق الكثيفة.

عند نقطة الاختناق، رصد ميندوزا حفرة على اليمين، مغطاة جزئياً بأغصان وأوراق متعفنة.

تحت الغطاء توجد أوتاد حادة مغروسة في الأرض.

إنها طريقة قديمة لكنها قاتلة.

بعد الحفرة، يصبح المنحدر أكثر انحداراً.

يتناوب المسار ذهابًا وإيابًا بين مجموعات كثيفة من أشجار البلوط والصنوبر.

الجو هنا أبرد.

الغطاء النباتي أكثر كثافة مما يرونه.

من خلال الأشجار في الأمام، بدأت ملامح هيكل صغير تتشكل.

خشب داكن، سقف مائل، مدخنة مائلة بزاوية.

يقع في فسحة لا تتجاوز مساحتها ملعب تنس، محاطة بأكوام من جذوع الأشجار المقطوعة التي تحولت إلى اللون الفضي مع مرور الزمن.

ستارة واحدة ترفرف في النافذة الوحيدة للمقصورة.

لا يوجد دخان من المدخنة.

لا توجد حركة مرئية.

يتوقفون عند حافة الفسحة.

تقوم هيلا بمسح الأرض بينهما وبين الشرفة.

طين، وأغصان متناثرة، ومجموعتان من آثار الأقدام، إحداهما أصغر بكثير من الأخرى.

تؤدي مباشرة إلى الدرج الأمامي.

همس رويز قائلاً: “طازج”.

في غضون ساعات، انقسم الفريق، نصفه يدور على نطاق واسع لتغطية الخلف، والنصف الآخر يتحرك مع هيلا نحو الأمام.

ألواح الشرفة ملتوية وزلقة بسبب المطر.

الباب مغلق، لكنه غير مقفل.

يظهر خط باهت من الطين يمتد من الدرجات إلى العتبة.

تأخذ هيلا نفساً عميقاً وتفتح فمها.

تفوح من الداخل رائحة الخشب الرطب والكيروسين.

يضيء مصباح كيروسين وحيد على طاولة صغيرة، وينشر ضوءاً كهرمانياً خافتاً في أرجاء الغرفة.

يوجد على الطاولة طبق معدني فيه طعام نصف مأكول.

الخبز، الفاصوليا، شيء ما تم تبريده حتى أصبح لامعاً دهنياً.

يقع ممر ضيق مقابل الجدار البعيد.

البطانية متشابكة.

تظهر على الوسادة انبعاجة حديثة.

يوجد على الأرض بجانبه زوج صغير من الأحذية الرياضية القماشية.

لا يزال الطين عالقاً بالنعال.

تجلس هيلا القرفصاء وتلمس قماش البطانية.

دافيء.

يشير للآخرين لتفقد الزوايا، والخزانة الصغيرة، والمساحة أسفل السرير.

لا شئ.

لا توجد أي علامات على وجود مقاومة.

لا يوجد دم، ولكن أيضاً لا يوجد أي أثر لأي شخص.

في الجزء الخلفي من الكابينة، يفتح باب ثانٍ على مجموعة قصيرة من الدرجات تؤدي إلى أسفل بين الأشجار.

وهنا يجد رويز أوضح دليل حتى الآن.

درب من الأمراء، واحد كبير وواحد صغير، يتجهون إلى أعماق الغابة.

تصلنا أحاديث لاسلكية من الفريق الخلفي.

رصدنا تحركات على بعد حوالي 200 ياردة غرباً.

يبدو كرجل يسحب شخصاً ما معه.

لا يمكن تأكيد الهوية.

كان رد هيلر فورياً.

حافظ على الرؤية.

لا تتدخلوا حتى نصبح في مواقعنا.

إنهم يتحركون بسرعة.

ينزلق على المنحدر الموحل، والأشجار تمر بسرعة خاطفة.

أصبحت الآثار سهلة التتبع الآن، فالآثار الصغيرة أحياناً تكون متقطعة، أما الآثار الأكبر فهي راسخة وعميقة.

في أسفل المنحدر، تستوي الأرض لتشكل شريطاً رفيعاً من المساحة الخالية.

في الجانب الآخر، يتحرك ظل.

طويل القامة، عريض الكتفين، ذراعه ملتفة حول الشخص الأصغر بجانبه، مارك كالاواي، والفتاة التي يسحبها عبر الوحل لديها شعر أشقر داكن طويل.

صوت هيلر منخفض ولكنه حاد.

هذه هي.

كانوا على بعد أقل من 100 قدم عندما نظر مارك إلى الوراء.

للحظة، تلاقت عيناه مع عيني هيلير.

ثم يسحب الفتاة بقوة ويهرب إلى أعماق الغابة.

بدأت المطاردة.

يشق مارك طريقه عبر الأشجار كرجل قضى حياته في هذه التضاريس.

تجد أحذيته البقع الجافة، والشقوق الضيقة، والأماكن التي لا تصدر صوتاً.

لكن الفتاة، كلوي مور، لا تستطيع مجاراته.

تنزلق أحذيتها الرياضية في الوحل.

ركبتاها تنهار على الجذور.

يضيق تنفسها.

شهقات مذعورة.

كل تعثر يبطئه.

وكل عثرة تقرب القانون أكثر.

تدق أحذية هيلير الأرض بقوة على بعد أمتار قليلة خلفه.

رويز يحاول قطع الطريق عليهم من اليمين.

ميندوزا يبقى على الجانب الأيسر.

تعج الغابة بأصوات المطاردة.

صرخات تك.سر الأغصان.

صوت أنفاس حادّ.

يصلون إلى جذع شجرة ساقط مغطى بطبقة زلقة من المطر.

يقفز مارك فوقها، ساحباً كلوي معه، لكن قدمها تتعثر.

تسقط بقوة، وتغوص إحدى يديها في الوحل.

هذا التردد كلفه الكثير.

يقفز هيلير فوق جذع الشجرة، ويمسك بسترة مارك من الكتف.

يتمزق القماش، لكنه يوقف زخمه لفترة كافية ليتمكن رويز من الاصطدام بجانبه.

يسقط الرجال الثلاثة متشابكين، وينزلقون بين الأوراق.

تهرب كلوي مسرعة وهي تلهث، وتمسك يديها بالأرض المبتلة بينما يصل إليها ميندوزا.

“أنتِ بأمان”، قالت ميندوزا بسرعة، بينما كانت تخلع سترتها لتلفها حول الفتاة.

“نحن معك.”

يقاتل مارك كحيوان محاصر، يكشف عن أنيابه، ويضـ,ـرب بقبضتيه أينما حلت.

يتلقى هيلر ضـ,ـربة على أضلاعه، ويحولها إلى قوة ضغط، ويسحب ذراع مارك خلف ظهره.

تُغلق الأصفاد بصوت يشبه صوت عامين من البحث.

“لقد انتهيت”، قال هيلا بصوت منخفض، بينما كان أنفاسه تتصاعد في الهواء البارد.

مارك يبتسم فقط.

ليست واسعة، لكنها كافية لجعل جلد هيلا يقشعر.

كانت كلوي ترتجف بشدة لدرجة أن ميندوزا اضطر إلى تثبيتها أثناء عودتها سيراً على الأقدام إلى التلة.

صوتها بالكاد يُسمع، فهو أشبه بالهمس.

“هل أختي هنا؟” تسأل.

لينا تنتظر على حافة الفسحة، وشعرها ملتصق بوجهها بسبب المطر.

عندما رأتها كلوي، توقفت عن الحركة.

للحظة، لم يتكلم أي منهما.

ثم انهارت ساقا كلوي، فأمسكتها لينا.

يغوصون في الوحل حتى ركبهم، متشبثين وكأنهم لن يتركوه أبداً.

يدخل المسعفون، ويفحصون العلامات الحيوية لكلوي، ويسألونها عن اسمها وعمرها، وما إذا كانت تتذكر آخر مرة تناولت فيها الطعام.

تجيب على أسئلة قصيرة ومتقطعة، وتلقي نظرة خاطفة على لينا كما لو كانت تخشى أن تختفي.

عندما انحنت هيلا بجانبهم، نظرت كلوي إليه بنظرة خاطفة.

“هل الآخرون بخير؟” تسأل.

ليس لديه الإجابة التي تريدها.

سنجدهم، كما يقول.

لكنك بأمان الآن.

هذا هو المهم اليوم.

الأيام التي تلت ذلك كانت عبارة عن سلسلة من المقابلات والفحوصات الطبية وطواقم الأخبار التي كانت تخيم خارج مكتب الشريف.

كما تم إنقاذ فتاة أخرى تدعى كلير خلال العملية.

تلتقي هي وكلوي لفترة وجيزة، وتتشبثان ببعضهما البعض بنوع من التفاهم الذي لا يمكن أن يتشاركه إلا هما.

يواجه مارك كالواي عدة تهم تتعلق بالاختطاف.

الحبس غير القانوني والاعتداء المشدد.

يرفض الكشف عن مكان وجود الفتاتين الأخريين.

تقوم فرق البحث بتمشيط التلال والمباني المهجورة في دائرة نصف قطرها 20 ميلاً.

بدأت تظهر معلومات جديدة.

معظمها طرق مسدودة، لكن لا أحد يتوقف عن البحث.

في الليلة الثالثة بعد عملية الإنقاذ، تجلس لينا في غرفة كلوي بالمستشفى.

الآلات هادئة الآن.

الصوت الوحيد هو الإيقاع المنتظم لأنفاس كلوي.

كوب ورقي من الماء موضوع على الطاولة دون أن يمسه أحد.

وبجانبه، مطوي بعناية، نفس الكنزة الوردية التي وجدوها في المقصورة.

طلبت كلوي أن تبقيه قريباً.

مدت لينا يدها، وأزاحت خصلة شعر سائبة عن جبين أختها.

همست قائلة: “أنت في المنزل الآن”.

تفتح كلوي عينيها ببطء.

نظرت إلى لينا للحظة طويلة قبل أن تقول: “ليس تمامًا”. الكلمات انغرست عميقًا.

إن ثقل ما لا يزال مفقوداً يملأ الفراغ بينهما.

لا تزال فتاتان طليقتين، وفي مكان ما، لا يزال الرجل الذي أخفاهما لفترة طويلة يمسك بصمتهما كسلاح.

في السنوات القادمة، سيتذكر الناس ذلك اليوم الصيفي من عام 2014 عندما اختفت أربع فتيات من المخيم في غابات الخشب الأحمر.

سيتذكرون عامين من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عليها، وسيتذكرون المكالمة من امرأة قررت أخيراً أنها لا تستطيع العيش مع الحقيقة التي كانت تخفيها.

بالنسبة للينا، الذاكرة أبسط.

الطين البارد على طريق التلال، وصوت كلوي بعد عامين من تخيله فقط في الأحلام.

واليقين الراسخ بأنه حتى تعود كل واحدة من هؤلاء الفتيات إلى ديارها، فإن القصة لم تنته بعد.

لأنه في بعض الأحيان، في حالات كهذه، يكون الأمان مجرد الخطوة الأولى.

إذن، إليك سؤالي.

لو كنتَ مكان آرون، تعلم ما فعله زوجك/زوجتك، لكنك تخشى على حياتك، فكم من الوقت تعتقد أنك ستستغرقه لإجراء ذلك الاتصال؟ هل كنت ستفعل ذلك عاجلاً، أم أن الخوف كان سيُبقيك صامتًا لفترة أطول؟ شاركنا أفكارك الصادقة في التعليقات أدناه.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى