
كنت أظن أن الصمت هو العلامة الكبرى على النجاح.
لسنوات طويلة كان هذا ما أشتريه بمالي. صمت محرك سيارة فاخرة. صمت مكتب زجاجي في أعلى برج. ثم في النهاية الصمت المهول في منزلي حين أعود في العاشرة ليلا.
اسمي جوليان ثورن. إن بحثت عني على الإنترنت ستظهر لك ثروتي الاستحواذات التقنية التي نفذتها والعناوين المزيفة التي تصفني ب قرش وادي السيليكون.
لكن لو دخلت بيتي في مرتفعات سان فرانسيسكو فلن ترى منزلا. سترى متحفا. أرضيات رخامية باردة لوحات فنية أغلى من بيوت الناس وغرف فارغة لا يسمع فيها سوى صدى خطواتي.
كنت غريبا في قصري الخاص.
-
اختي يوم فرحيمنذ 10 ساعات
-
حلقوا شعريمنذ 10 ساعات
-
الممرضه حكايات صافي هانيمنذ 10 ساعات
-
بنتي كل ما تروح عند اهل ابوهامنذ 11 ساعة
زوجتي رحلت قبل ثلاثة أعوام. لم تحتمل الضغط. ولم تحتمل التشخيص.
ليو ابني.
عندما كان ليو في الثانية من عمره أخبرنا الأطباء أنه يعاني حالة عضلية حادة. استخدموا كلمات لاتينية معقدة بدت كأحكام بالإعدام. طلبوا مني شراء كرسي متحرك وتوظيف ممرضين على مدار الساعة وخفض سقف توقعاتي.
قال الأخصائي وهو ينقر قلمه الباهظ على الطاولة
على الأرجح لن يستطيع المشي دون مساعدة.
فعلت ما أفعله دائما. رميت المال على المشكلة. استعنت بأفضل أخصائيي العلاج الطبيعي في كاليفورنيا. اشتريت أغلى الأجهزة. دفعت لمن يحاول إصلاح ابني.
لكني لم أكن موجودا.
كنت في طوكيو لإنهاء صفقة. وفي نيويورك لدمج شركتين. كنت في كل مكان إلا حيث كان يجب أن أكون مقتنعا أن شيكي البنكي هو أبوة مكتملة.
إلى أن جاء يوم الثلاثاء الماضي.
كان اجتماع المستثمرين في هيوستن يفترض أن يمتد حتى المساء.
كان تفاوضا مرهقا لكن الطرف الآخر انهار مبكرا. وبحلول الثانية ظهرا كنت على متن طائرتي الخاصة عائدا إلى خليج سان فرانسيسكو.
وصلت الخامسة مساء.
لم أتصل مقدما. ولم أرسل رسالة لإلينا مدبرة المنزل. لا أعرف لماذا. ربما أردت فقط أن أرى إن كان البيت يبدو مختلفا حين تكون الشمس ما تزال في السماء.
قلت للسائق أوصلني إلى المنزل مباشرة.
كان قلبي يخفق أسرع من المعتاد. أدركت أنه للمرة الأولى منذ شهور سأصل قبل موعد نوم ليو. قد أقرأ له قصة. قد أكون أبا ولو لليلة.
لم أكن أعلم أن فتح باب المنزل سيحطم الواقع الذي بنيته لنفسي.
أدخلت المفتاح بهدوء. توقعت المعتاد الصمت. ربما الطنين البعيد لنظام التكييف.
لكن بدلا من ذلك سمعت ضحكا.
كان صوتا غريبا على هذه الجدران لدرجة دفعتني للتأكد أنني لم أدخل بيتا آخر.
كان ضحك ليوضحكة عالية متقطعة لاهثة.
تقدمت إلى بهو المدخل وأنا أفك عقدة ربطة عنقي. كانت أشعة الشمس تتسلل من النوافذ الضخمة وتكشف ذرات غبار تتراقص في الهواءمشهد لم أره قط لعودتي دائما ليلا.
التفت نحو غرفة المعيشة.
وتجمدت.
سقط حقيبتي من يدي وارتطمت بالأرض لكن لم يسمع أحد.
كان المشهد أمامي فوضى كاملة.
الأرضية الرخامية البيضاء تغطيها بقعة كبيرة لزجة من عصير برتقال. إبريق زجاجي محطم قرب السجادة. رائحة البرتقال والمسحوق المنظف تملأ المكان.
وفي وسط الفوضى كانت إلينا.
إلينا امرأة في أواخر الخمسين هادئة تعمل لدينا منذ ستة أشهر. كانت دائما كالشبحلا ترى إلا حين يكون القميص مكويا والطعام معدا.
لكنها الآن لم تكن شبحا. كانت على يديها وركبتيها تفرك الأرض بجدية.
وبجانبها مباشرة كان ليو.
انحبــ,س نفسي في صدري.
كان ليو واقفا.
لم يكن في كرسيه. ولم يكن على الأريكة.
كان يمسك عكازين صغيرين أرجوانيين يقبض عليهما بقوة حتى بياض مفاصله. ساقاه الصغيرتان ترتجفان بشدة العرق يلمع على جبينه. كان يميل للأمام في محاولة دفع الممسحة عبر الأرض المبللة.
قال بصوت متلهف
سأنظف هذه الجهة يا خالتي إلينا!
قالت بهدوء دون أن ترفع رأسها
أحسنت يا صغيري لكن لا تبالغ. تذكر ما اتفقنا عليه التوازن أولا.
نحن فريق! أعلن بثقة ثم كاد أن يختل توازنه.
كان قلبي يخبط في صدري. رغبت في الجري نحوه. رغبت في الصراخ على إلينا لأنها سمحت له بالقيام بعمل كهذا وهو بالكاد يستطيع الوقوف.
لكنني بقيت ثابتا.
لأن ليو كان يبتسم.
ولم تكن ابتسامة باهتة يقدمها لي حين أحضر له لعبة جديدة تعويضا عن غياباتي المتكررة. كانت ابتسامة حقيقية مشرقة تظهر غمازتيه.
كان يبدو قادرا.
قالت له إلينا بصوت ثابت يشبه أصوات المدربين
حسنا انقل وزنك إلى اليسار. استعمل عضلات بطنك كما يفعل الشجر حين يهتز في الريح.
شد ليو أسنانه و لم يسقط.
صرخ مبتهجا انظري! أنا أفعلها!
نعم تفعلها أنت قوي يا ليو. أقوى مما يظنون.
أقوى مما يظنون.
ضربتني العبارة في صدري.
لقد أمضيت عامين أتعامل مع ابني كجسم هش. وضعت حوله أشخاصا يديرون إعاقته يشفقون عليه ويضعونه في أمان يبقيه ساكنا.
لكن ها هي مدبرة المنزل تتركه ينظف فوضى وتعامله كإنسان قادر وليس مكسورا.
ثم التفت ليو ورآني.
أبي! صرخ بحـــ,,ماس.
أدى الحماس إلى فقدانه تركيزه. انزلقت إحدى عكازيه فوق بقعة العصير.
ليو! صرخت أخيرا.
لكن إلينا كانت أسرع. قفزت كأنها فعلت ذلك آلاف المرات. أمسكت به قبل أن يضرب الأرض. لم ترتبك. فقط أمسكت به بثبات ثم أعادته إلى وضعه الطبيعي.
رفعت رأسها نحوي وبهت لون وجهها.
قالت وهي تساعده على تثبيت نفسه
سيد ثورن أعتذر حقا. لقد انكسر الإبريق وبدأت بتنظيفه لم أعلم أنك ستعود اليوم.
كانت خائفة. خائفة كمن يظن أنه سيفقد عمله.
تقدمت ببطء. رائحة البرتقال كانت طاغية.
حدقت في إلينا ثم في ابني.
قال ليو بعينين متسعتين
أبي هل رأيت كنت أمسح الأرض!
انحنيت غير مكترث ببدلتي التي ثمنها خمسة آلاف دولار وهي تلامس الأرض اللزجة. أردت فقط أن أكون في مستوى نظره.
قلت وأنا أشعر بصوتي يخــ,تنق
رأيت يا صغيري رأيت.
رفعت بصري إلى إلينا. كانت تعرك يديها بعصبية.
قلت إلينا ماذا يحدث هنا
قالت مرتجفة
سيدي ليو يحب المساعدة. أعلم أنني لا يجب أن أسمح له بالوقوف دون وجود أخصائي لكن هو يكره الكرسي. يريد أن يتحرك. أسمح له لبضع دقائق فقط. أرجوك لا تلومه. الذنب ذنبي.
سألتها منذ متى وأنتم تتدربون
بدت مشوشة ماذا تقصد
منذ متى يقف هكذا بالعكازين
عضت شفتها وقالت
نتدرب كل يوم. غالبا أثناء استراحتي. أو عندما تخرج للعمل.
قلت وأنا أسترجع كلمات الأطباء
لكن الأطباء قالوا إن هذا الجهد خطير عليه.
رفعت رأسها بثبات مفاجئ
مع كامل احترامي يا سيد ثورن الأطباء ينظرون إلى ملفاته الطبية. وأنا أنظر إليه. لديه عضلات. لكن ما كان ينقصه







