
حسن مسك نفسه بكل قوة، وعرف إن الحق ده مش هيرجع بالصراخ ولا بالضرب، ولازم ياخده بطريقة تضمن إنهم ياخدوا جزائهم قدام كل أهل البلد، اللي عرفوا كلهم بالخبر وبدأوا يتوافدوا على بيت أخته.
قال لهم بكل هدوء مخيف أمي كانت عندها 74 سنة، عمرها ما أذت حد، وعمرها ما بكت إلا عشانا. كانت بتعمل رقاق وفطير وتقول كل قرش بيجي منها لعيالها. وانتو بعتوها بثمن عربية وفلوس زايلة؟ تمام.. أنا هوريكم إن الدنيا ليها رب، وإن الحق لما بييجي بييجي بكل قوته.
طلع من عنده ووقف في وسط البلد، والناس كلها حوالين شيوخ وشباب وستات وأطفال. رفع صوته وقال يا أهل بلدي.. أنا حسن ابن مبروكة، اللي كلكم تعرفوها وتعرفوا طيبتها وكرمها مع كل واحد فيكم. جيت لكم النهاردة مش عشان أشتكي، عشان أطلب منكم تشهدوا معايا على الحقيقة اللي اتخفت عنكم. سماح بنتي ومصطفى جوزها أمي، وحرموها الأكل والشرب، ورموها في خزان مية مهجور وسط المطر عشان ، كل ده عشان فلوس ورثتها من أبوي اللي كنت مدبرها لعيشتها! الدكتور قال لي إنها بقالها تلات أيام هناك، وآثار الضرب واضحة على جسمها كله! والنهاردة طلبت منكم تشهدوا، وطلبت منكم تقولوا لي كلمة الحق.. هل ده اللي تعلموه؟ هل ده جزاء الأم اللي تعبت وشقت عشان تربينا؟
-
تريند قاع الهامورمنذ يوم واحد
-
امجد يوسفمنذ يومين
-
اختي يوم فرحيمنذ يومين
الصوت ارتفع من كل ناحية، الستات بكوا، والشيوخ غضبوا، والكل صرخ لا والله يا حسن.. ده حرام.. ده جزاء خيانة وعقوق.. ونحن كلنا شهود معاك!
كبار البلد والعمدة والشيوخ اتفقوا إن الموضوع ده مش هيمر على خير، وقرروا يروحوا كلهم معاه للمستشفى يشوفوا الحالة بأعينهم، وبعد كده يروحوا للوحدة المحلية والشرطة يقدموا البلاغ الرسمي بكل الأدلة والشهود.
الجزء الرابع
لما وصلوا كلهم للمستشفى، وسمح لهم الدكتور يشوفوا الحاجة مبروكة من ورا زجاج العناية، وشرح لهم الحالة بالتفصيل، وشافوا الصور والتحاليل.. ساد السكوت المرعب، والكل شعر بالخجل والغضب معاً. العمدة قال بصوت ثقيل عمر ما شفت ولا سمعت بجريمة بشعة زي دي في بلدنا.. دول م عندهم قلب ولا دين.. لازم ياخدوا جزائهم عشان يكونوا عبرة لغيرهم.
في نفس الوقت، كان مصطفى وسماح محبوسين في البيت خايفين يطلعوا، لما سمعوا إن أهل البلد كلهم ماشيين عليهم، حاولوا يهربوا من الباب الخلفي، لكن الشباب اللي كانوا سايرين وراهم أخذوهم وجابوهم قدام الجميع.
وقفوا قدام حسن وقدام أهل البلد، ومصطفى حاول يبرر كان غصب عني.. أنا مديون بفلوس كتير، وكنت خايف أضيع.. والفلوس دي كانت حق سماح كمان..
رد عليه حسن بكل قوة حقها؟ حقها كانت قلب أمها وحنانها.. حقها كانت تربيتها وتعبها عشانها.. الفلوس دي كانت حق أمي تعيش بيها بقية عمرها في سلام وراحة، وانتو حرمتوها حتى الهواء! والله ما هاخد منكم غير حق أمي، وحق الشهد اللي ضاع منها، وحق الأيام اللي عاشتها في خوف ووجع.
سماح كانت تبكي وتقول سامحني يا أخي.. كنت عمياء.. . والله ما كنت عارفة إن الأم بتموت بهالسهولة.. كنت فاكرتها هتتحمل شوية وتوافق..
الأم تتحمل كل شيء عشان أولادها.. بس الأولاد مش بيتحملوا لأمهم حتى كلمة طيبة رد عليها حسن بمرارة، أنا سامحتكِ على كل حاجة عملتيها فيا، لكن حق أمي مش بيدي.. حقها عند الله وعند القاضي، وهو اللي بيحكم بيننا.
الجزء الخامس
تم تقديم البلاغ الرسمي للشرطة، وبعد التحقيقات والاستماع لكل الشهود، وأخذ إفادة الدكتور والأدلة المادية والصور، تم إلقاء القبض على مصطفى وسماح، ووجهت لهم
أثناء المحاكمة، ظهرت تفاصيل أبشع مما كان متوقعاً.. كيف كانوا بيعطوها أكل قليل جداً ومرة واحدة في اليوم، وكيف كانوا بيضربوها كل ما تطلب تخرج أو تتصل بحسن، وكيف لما خافت تروح وتقول الحقيقة قرروا يرموها في الخزان ويسيبوها تموت، وقلوبهم مطمئنة إن المطر هيغسل كل أثر، وإن حسن مش هيعرف يوصل للحقيقة أبداً.
الحكم صدر بالسجن خمس سنوات لمصطفى، وسنتين لسماح، ورد كل ما أخذوه من أموال، ودفع تكاليف العلاج والضرر المعنوي والأدبي.
في تلك الأثناء، كانت حالة الحاجة مبروكة بدأت تتحسن ببطء، لما شافت ابنها جنبها، ولما شافت كرم أهل البلد معاها، كل يوم كان فيه ناس بتجي تزورها وتجيب لها الهدايا والأكل الطيب، والكل بيدعيلها بالشفاء والعافية. حسن كان ما يفارقها لحظة، ينام جنب سريرها، ويخدمها بنفسه، يعوضها كل لحظة وجع عاشتها، ويقول لها دايماً كل اللي فات مات يا أمي.. أنا هنا، وهفضل هنا طول عمري، وهعوضك عن كل حاجة حلوة محرومتي منها.
الجزء السادس
بعد ما خرجت الحاجة مبروكة من المستشفى، قرر حسن إنه مش هيرجعها لبيت أخته أبداً، ولا هيعيشها في المكان اللي ذكرها بالألم. اشترى بيتاً صغيراً جميلاً قريب من المسجد، فتح له شبابيك كتير تدخل منها الشمس والهواء، وجهز كل ما تحتاجه بأحسن ما يكون. وعاد من شغله في السويس، وقرر يقعد جنبها، ويشغل شغله في البلد عشان ما يبعدش عنها أبداً.
أسس مشروعاً صغيراً لبيع الفطير والرقاق، وسماه فطير مبروكة، واشترى لها كل ما تحتاجه من معدات، وقال لها النهاردة أنا اللي هساعدك، وهنبيع مع بعض، وهنفرح بكل قرش بيجي من تعبنا وحلالنا. وفرح الحاجة مبروكة جداً، ورجعت تضحك وتعمل اللي بتحبه، والبلد كلها كانت بتجيلها وتدعمها، وتقول لها بارك الله فيكي وفي ابنك يا ست الكل.
مرت السنين، وشفى جسم الحاجة مبروكة، وإن كانت آثار الضرب والبرد بقت باقية، لكن قلبها كان أطيب وأقوى من أي وقت مضى. كانت دايماً تقول لجيرانها وللناس اللي بتجيها الحمد لله اللي أظهر الحق، ورد لي ابني، وكشف لي مين اللي بيحبني بجد. الابن مش اللي بيلبس ويجيب.. الابن اللي بيكون جنبك وقت الضيق، واللي يرد لك حقك ولو كان بالدم.
سماح لما خرجت من السجن، جت لباب البيت الجديد، وقفت من بعيد خجلانة ومكسوفة، ما قدرتش تقرب. الحاجة مبروكة شافتها، مشت لها ببطء، وقفت قدامها، وقالت لها بروح سامحة الباب مفتوح يا بنتي.. لكن الحق مش بيتعوض بالكلام.. لازم تعرفي طريق الحق من جديد. أنا سامحتك، بس الحياة مش هتسامحك إلا لو غيرتي نفسك.
حسن لم يمنعها، لكنه وضع حدوداً واضحة أنا هساعدكِ تبدئي حياة جديدة، وهكون أخوكِ طول ما أنتِ ماشية في الطريق الصحيح، لكن ثقتي مش هترجع بسهولة، وأمي مش هتتعرض لأي أذى تاني أبداً.
وظلت قصتهم تُروى في كل بيوت القرية والمناطق المجاورة، ليكون درساً لكل من يعتبر
أن عقوق الوالدين لا تغتفر، وأن الجزاء من العمل.
أن الحق وإن طال زمنه لا بد أن يظهر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر المحسنين ولا يغفل عن الظالمين.
وأن أغلى ما يملكه الإنسان هو أمه، فهي كنز الدنيا، وحفظها واجب على كل حال، والخسران كل الخسران فيمن يضيعها مقابل زائل لا قيمة له.
والحمد لله رب العالمين








