أخبار

شقة مسكونة

أول ما رجعت الشقة، كانت الساعة دخلت على المغرب.. السمسار مشي وهو بيبصلي كأني مجنون رايح لحتفه، وأنا دخلت وقفلت الباب عليا بالمفتاح والترباس.

الشقة كانت ضلمة، والريحة لسه تقيلة.. بس المرة دي، أنا مشامم ريحة خوف، أنا شامم ريحة فلوس!

مقالات ذات صلة

قعدت على السرير المكسور في وسط الضلمة، ونزلت دموعي غصب عني.. دموع الفرحة والقهر اللي كتمته جوايا من يوم ما عمامي رموني في الشارع. قعدت أضحك وأبكي في نفس الوقت وأقول يا رب.. أنت كبير ومبتسيبش غلبان.

تاني يوم الصبح، نزلت اشتريت أدوات نظافة، وسكاكين معجون عريضة، وجراكن بلاستيك كبيرة، وكمامة كتمت بيها مناخيري عشان أعرف أشتغل من غير ما أدوخ.

بدأت المعركة..

فتحت الشبابيك كلها عشان الهوا يدخل، وبدأت بسكينة المعجون أكشط الحيطة حتة حتة. الموضوع كان شاق جداً ومجهد، المادة كانت مطاطية وبتطلع بصعوبة، بس مع كل كشطة، كنت بشوف حتت العنبر الرمادي والأسود وهي بتلمع في الشمس.

اشتغلت تلات أيام متواصلة، من الفجر لحد نص الليل، مابنامش غير ساعتين، باكل عيش

وجبنة وأشرب مية وأرجع أكمل كشط.. لحد ما خليت الحيطان على الطوب الأحمر! وبقى عندي في

متابعة القراءة

2

شقه مسكونه حكايات زهرة

الصالة 6 جراكن كبار مليانين على أخرهم بالمادة اللزجة الخام دي.

في اليوم الرابع، قفلت الشقة واخدت عينة صغيرة في برطمان قزاز، وطلعت بيها على أكبر منطقة تجارة عطور وزيوت في مصر.. منطقة الحسين وخان الخليلي.

دخلت لمحل كبير جداً، معروف إنه بيورد الزيوت العطرية الخام للمصانع الكبيرة وبرة مصر، صاحبه كان راجل هيبة برضوى ودقن بيضا، اسمه الحاج عبد الحميد.

دخلت وقولتله سلام عليكم يا حاج.. عايزك تبصلي على العينة دي وتقولي تسوى كام عندك.

الحاج عبد الحميد أخد البرطمان باستهزاء كدة، فتحه وقرب ومناخيره منه.. وفجأة، شُفت تعبيرات وشه بتتغير 180 درجة! عينه وسعت، ووقف على حيله، وبصلي بذهول وهو بيقول أنت جايب ده منين يا ابني؟!

قولتله ببرود مش مهم منين يا حاج.. قولي الأول ده إيه وتقييمه إيه؟

الراجل

جاب معلقة صغيرة، أخد حتة ودعكها بين صوابعه لحد ما سخنت، وشمها تاني وقال بصوت ده عنبر حوت خام، معتق من بتاع زمان.. مخلوط بمسك رسائل ملكية وراتنج مر سقطري! الخلطة دي مفيش منها في السوق دلوقتي خالص، دي خلطة أثرية بقالها فوق ال 80 سنة معتقة في مكان ضلمة.. دي ريحتها تثبت في الهدوم بالشهر يا ابني! أنت معاك منها أد إيه؟

قولتله وأنا ببلع ريقي معايا ييجي 250 كيلو خام زى دي.

الراجل قعد على كرسيه ومسك دماغه ومش مصدق 250 كيلو؟! أنت بتتكلم في ثروة! الكيلو من الخام المعتق ده برة مصر بيتباع بالجرام، وبيدخل في تركيب أغلى براندات العطور العالمية.. أنا هشتري منك اللوت ده كله حالاً، وهديك في الكيلو 20 ألف جنيه كاش.. وتخليص حقك في إيدك!

حسبتها في سري بسرعة.. 250 كيلو في 20 ألف.. يعني 5

مليون جنيه!!!

جسمي كله ساب ومبقتش قادر أقف على رجلي.. 5 مليون جنيه؟ أنا اللي كان حيلي 200 ألف جنيه وعمامي استكتروهم عليا؟

اتفقت مع الحاج عبد الحميد، وتاني يوم جاب عربية نص نقل ورجالة معاه لحد الشقة تحت حراسة، وزنوا الجراكن وطلعت بالظبط 260 كيلو!

الراجل مكدبش خبر، فتح شنطة وبدأ يعدلي الفلوس.. رزم ورا رزم.. ملايين حقيقية بين إيدي.

أحمد السمسار كان واقف بالصدفة في الشارع، وشاف الرجالة وهي بتنزل الجراكن الكبيرة وشاف شنط الفلوس، جه جري عليا وهو هيتجنن ويقولي جرى إيه يا استاذ عماد؟ هي الشقة كان فيها آثار ولا إيه؟ أنت لقيت جوة؟

بصيت له وضحكت من قلبي وقولتله لأ يا أحمد.. مفيش آثار ولا حاجة، الشقة كانت مسكونة فعلاً.. بس مسكونة بالرزق اللي الناس كانت بتهرب منه!

بعد الأسبوع ده،

حياتي اتغيرت تماماً..

وضبت الشقة الصغيرة دي وخليتها حتة من الجنة، مابقاش فيها ريحة تخنق، بقت ريحتها كلها نضافة وخير، وقررت إني مش هبيعها أبداً.. هسيبها تفكرني دايماً بفضل ربنا عليا وإن النحس ممكن يكون وراه أعظم فرصة في حياتك لو فكرت وشغلت مخك.

فتحت شركة استيراد وتصدير زيوت عطرية، وبقيت بشتغل مع الحاج عبد الحميد، ورجعت قريتنا.. بس المرة دي مرجعتش مكسور العين زي ما عمامي كانوا عايزين.

دخلت عليهم وأنا راكب عربية أحدث موديل، ووقفت قدام بيتهم، وبصيت لهم بكل فخر وقولت الورث اللي أكلتوه عليا.. ربنا عوضني بأضعافه في خمس دقائق بس.. ومن غير ما أظلم حد.

سيبتهم واقفين وبقهم مفتوح مش فاهمين حاجة، وركبت عربيتي ورجعت ل شقتي المسكونة.. الشقة اللي كانت الجحر اللي لمّني، وبقت السبب في إني أكون

عماد الباشا.

4 من 4التالي
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى